الاولى > عبدالله كمال يكتب : الكنيسه ليست مرجعيه
11 يناير 2011 12:03 ص
-

احاديث هادئه فى المواطنه والمناخ الطائفى (2)

 لماذا يهاجم الأقباط.. المسئولين الأقباط؟

مدهش. الدكتور يوسف بطرس غالي وزير المالية، الذي أُجري معه حوار في جريدة «لوفيجارو» الفرنسية.. باعتباره «قبطيا» قال نصا لمن حاوره: «المسلمون هم الذين سوف يحمون المسيحيين في مصر»، كان عنوان الحوار علي لسان الوزير «الركن»: «المصريون ليسوا متطرفين» وفيه قال يوسف بطرس: «الحكومة لم تتردد في اتخاذ جميع الإجراءات لحماية الأقباط في مواجهة الإرهاب / بناء الديمقراطية الانتخابية والاجتماعية يستغرق وقتا وهو أمر لا يحدث بين عشية وضحاها».

قبله بليلة كان نجيب ساويرس رجل الأعمال المعروف، الذي قدمت، أمس الأول، مؤسسته الثقافية مجموعة من الجوائز لمبدعين مصريين مختلفي المشارب أغلبهم مسلمون.. قال: «لا نريد إصلاحات علي حساب مصالح مصر للأقباط.. لو جاءت بهذه الطريقة لا نريدها».. وأضاف: «يجب علي الأقباط ألا يقذفوا رجال الأمن بالطوب لأنهم يحمون الكنائس.. وما جري في الإسكندرية ليس موجها ضد الأقباط بل ضد مصر كلها».

وقد تعزي مواقف يوسف بطرس غالي بين الأقباط إلي أنه «وزير في الحكومة» وقد يعلق البعض علي ما قال نجيب ساويرس بأنه «له مصالح مالية»، هذا كلام موجود مع كامل الثقة في إخلاص ومصداقية كل منهما.

وقد سمعت قبل أيام من قال إن كل قبطي يعين في منصب حكومي يزايد علي الأقباط ويكون حكوميا أكثر من الحكومة.. وفي هذا السياق لفت نظري أن الوزير ماجد جورج حين ذهب لكي يواسي قداسة البابا شنودة فيما جري، فإنه تعرض- أي الوزير - إلي «تخبيط» علي سيارته.. وتدافع ونوع من السباب.. حتي أنه اضطر مع زملائه الوزراء إلي أن يغادروا المبني من باب خلفي.. وما يشبه القبو.. ابتعادًا عن مضايقات المتظاهرين الذين ملئوا ساحة الكاتدرائية في منتصف الأسبوع الماضي.

وفي العام الماضي، وبعد وقوع جريمة «نجع حمادي» الجنائية والطائفية، كان أن تعرض اللواء مجدي أيوب محافظ قنا وهو قبطي إلي هجوم حاد من أصوات قبطية مختلفة.. علي أساس أنه لم يتخذ مواقف تتسق مع حالة الغضب العنيف التي ألمت بنجع حمادي.. وأنه آثر أن يقوم بواجبه كمحافظ له دور في الدولة بدلا من أن يعلن عن مواقف طائفية.. وهو ما جعل أقباطًا في البرلمان- عينتهم الدولة أيضا من خلال الصلاحيات الدستورية للرئيس- يهاجمونه بحدة لم يهاجموا بها أي مسئول حكومي آخر.

ولا يحظي رجل الأعمال نبيل لوقا بباوي بشعبية كبيرة بين الأقباط، ويوصف بين قطاعات منهم بأنه حكومي أكثر من الحكوميين، بل إن قداسة البابا شنودة بدا كما لو أنه يعاقبه حين لم يذهب إلي مناقشة رسالة الدكتوراه التي تقدم بها حول الأحوال الشخصية قبل حادث الإسكندرية بأيام.. وقيل في تفسير هذا إن السبب هو ما صرح به بباوي بأن قداسة البابا لم يعتكف في الدير بعد أحداث العمرانية.

ولا شك أن الكثيرين يعرفون أن هناك مصاعب عديدة يعانيها نيافة الأنبا يؤانس الأسقف العام وسكرتير البابا في ضوء علاقاته المتشعبة مع الدولة وقدرته علي مد الجسور، وإمكانيات تتيح له أن يصل إلي صيغ بعينها في توقيتات شديدة الأهمية.. وهي مصاعب تعبر عن أن قوام الكنيسة ليس متسقا في اتجاه بعينه.. وإنما يتعرض للشرذمة في وقت حرج.

وحين عين جمال أسعد، وهو سياسي، أهلته مقوماته كناصري وقبطي لأن يكون بين العشرة المعينين في مجلس الشعب مؤخرًا، تعرض بدوره لحملة شرسة علي مواقع الإنترنت، وهوجم من عشرات الأصوات.. باعتباره صاحب مواقف مختلفة.. تؤمن بأن للكنيسة واجبا وللدولة دورا.. وكلاهما مختلف ولا ينبغي الخلط بينهما.

وقتها سمعت حديثًا عن غضب من أن النائبة السابقة جورجيت قليني قد خرجت من مجلس الشعب رغم أنه لم تجر العادة علي أن يبقي كل نائب معين في موقعه، وقد تجاهل الكثيرون من الذين برروا خروجها بأنه يتعلق بمواقفها من جريمة نجع حمادي في مجلس الشعب أن النائبة ابتسام حبيب قد خرجت بدورها.. وأنه رغم خروج السيدتين الفضليين فإن قائمة المعينين تضمنت سبعة أقباط لأول مرة.. بينهم السفير رءوف مسعد الذي أصبح رئيسًا للجنة العلاقات الخارجية في المجلس.

وفجأة وجدت من يقول إن المنتمين لعائلات قبطية كبيرة لم يجدوا طريقهم نحو مجلس الشعب رغم أنهم ترشحوا، وضرب المثل بكل من مني مكرم عبيد ومنير فخري عبدالنور.. وتم تجاهل فوز كل من صبحي سليمان وخالد الأسيوطي.. وتم تخطي عمق المصاعب الانتخابية التي صنعها كل من منير ومني مكرم لنفسيهما.

إن الأسماء متنوعة.. ولكل منها انتماؤه وتوجهه بخلاف كونها قبطية.. وفي القائمة لواءات جيش وشرطة ورجال دين ورجال أعمال وسياسيون.. ولكن مواقف هذه الأسماء لا تحقق ترضية كاملة للرأي العام القبطي الذي اعتملت فيه تفاعلات مختلفة طيلة السنوات الماضية.. وأسفرت في منتصف الأسبوع الماضي عن «خلاصات جامحة» بين بعض الشباب القبطي.. ويمكن القول إنه لا توجد قناعة كاملة بين قطاعات قبطية بأن كثيرًا من هؤلاء قد وصلوا إلي ما هم عليه لأسباب تتعلق بقدراتهم.. وإنما لأنهم موالون للحكم!

السؤال الكامن في كل هذا.. هو: لمن يكون الولاء؟.. للكنيسة أم للدولة؟ للمجتمع أم للدين؟ للدور أم للعقيدة؟ بمعني أوضح: هل كل هؤلاء في مواقعهم هم ممثلون للمجتمع وحصلوا علي مكانتهم لكفاءاتهم ومواصفاتهم أم لأنهم ممثلو طائفة؟.. إذا كنا نسلم بالأولي فإن علينا أن نحاسبهم جميعا مسلمين وأقباطا وفقًا لمعايير ينص عليها الدستور والقانون.. فإذا كانت الثانية وهو ما لا نقبله فإن علينا أن نخضعهم للمساءلة والتوجيه من قبل الكنيسة.. وأن يعاملوا باعتبارهم سفراء للطائفة لدي الدولة المصرية بدلا من كونهم أبناء وطن يقومون بمهام وطنية.. ومن ثم لا داعي للانتخاب وتفاعلات السياسة وإنما نترك الأمر لقرار كنسي باختيار من تشاء الكنيسة للمواقع العامة وينتهي الأمر.

بمعني أوضح: إننا ننتظر من المجتمع القبطي كنيسة ونخبة.. شبابًا وكبارًا.. استيعاب معني «المواطنة».. في ذات الوقت الذي نطالب فيه بتطبيقها ثقافة وقانونًا وممارسة.. بكل المساواة وبدون تمييز.. ننتظر اتساقا في المواقف القبطية دون نفي التنوع.. تعددا لا يلفظ القوام المتماسك.. سياقا مدنيا لا دينيا.. فإذا كنا نصر علي ترسيخ مقومات الدولة المدنية.. أقباطًا ومسلمين.. وإذا كان هذا الطراز من النظم هو الذي سوف يحقق مصالح الأقباط قبل المسلمين.. فإنه لا يمكن أن تكون الكنيسة مرجعًا سياسيا.. وإنما المراجع هي الأحزاب والمؤسسات السياسية وبيوت العلم والأعمال وكيانات الدولة.. علي أساس الكفاءة والقدرة وليس علي أساس الإيمان القابع في الفؤاد.

هذه نقطة محورية في مناقشات المواطنة والمساعي الرامية إلي التخلص من المناخ الطائفي.

ونكمل غدًا.

www.abkamal.net           abk@abkamal.net

التعليقات

برجاء تسجيل الدخول حتى تستطيع التعليق
عنوان التعليق
التعليق
  • سوف يحتاج التعليق إلى موافقة المحرر قبل نشره
  • Design and Development by Microtech