أرشيف بالمصري > المظلومون والمذنبون
8 يناير 2011 2:00 م
-

ليس جلداً للذات.. ولكنها محاسبة واجبة

(كل) ضارة (واجعة) .

ورب ضارة (راجعة) .

ورب ضارة (مانعة) .

ورب ضارة (نافعة) .

ورب ضارة (جامعة) .



والضرر الذى أصابنا فى الإسكندرية كان فظيعا وبشعا.. كان أن وجعنا جميعا. وأما رجوع الضرر فلا يكون إلا حين لانتعظ من دروس الأحداث الجسام. وأما المنع فأعنى به أن نحصن ثغراتنا التى نفذ إلينا منها الضرر. والنفع لايكون إلا حين نمعن النظر فيما جرى بحيث يمكن أن نحول طاقة الألم إلى وقود تطوير وبناء .

وتكون الضارة (جامعة) حين تقع فى مصر.. فتلهب أفئدة الناس.. وتدق عقولهم.. وتشد أوتارهم.. وتكوى أرواحهم لكى يلتفوا حول أنفسهم.. ويتضامنوا ويدركوا الخطر الذى هددهم.. وهذا ما وقع فى بلدنا بعد أربعة أيام من الإرهاب المهول الذى ضربنا كلنا فى سيدى بشر.

لقد انتهى زمن الإرهاب الخطير جدا الذى ألمَّ بمصر فى التسعينيات فى مشهد مأساوى كارثى داخل معبد حتشبسوت، حيث جرت مذبحة مروعة.. وانتهت بعدها تقريبا كل هذه الحقبة . ولعل الزخم الذى تلى مشهد الإسكندرية المريع يؤدى إلى ختام حقبة من التأجج الطائفى.. ويكون فتحا نحو عصر مجتمعى مختلف تتجسد فيه مواصفات المدنية وتترسخ فيه الوسطية ويتأكد فيه جوهر طبيعة المجتمع الذى يقوم على التسامح.

فى التسعينيات استغرقنا ما لا يقل عن خمس سنوات لكى نحتشد جماعيا ضد الإرهاب.. ويخرج المرتعشون من ترقبهم.. وينفض المنتظرون انتهازيتهم.. ويتخلص الخائفون من هلعهم.. وفى السنة الأولى من العقد الثانى فى القرن الواحد والعشرين استغرقنا خمسة أيام بعد جريمة سيدى بشر لكى نلملم أنفسنا.. ونلتئم جميعا فوق الجرح.. ونعلن وحدتنا.. ويتعانق الهلال مع الصليب فى أيدى أغلبية الناس وفوق كل المنابر المثقفة.. غير أننى أتمنى ألا يكون ذلك نتاج عواطف جياشة.. وأن يكون نابعا من عقل أصيل.. واستشراف حقيقى.. وألا يكون الجرح قد التأم على (صديد).

العبور الجديد

لابد أن الإرهاب قد سعد جدا فى أيام السبت والأحد والاثنين والثلاثاء الماضية.. وتيقن من أنه مقبل على تحقيق مراميه الكاملة من واقعة سيدى بشر، فلم تكن تنقصه مع انفعالات بعض الأقباط التى جمحت كثيرا إلا (ذرة ملح) تلهب الجرح.. وتطلق شرر الفتنة.. ولابد أنه وصل إلى حالة مناقضة وهو يرى المصريين يتراصون بطريقة مهيبة فى طول البلاد وعرضها.. لايعلن المسلمون فقط تضامنهم مع إخوتهم الأقباط.. وإنما يعلنون رسالة تاريخية مؤداها أن مصر واحدة ولن تنفصم ولن تنقسم.

فى ليلة الخميس - الجمعة، كانت مصر مختلفة تماما عما كانت عليه فى ليلة الجمعة - السبت السابقة عليها.. ومن المؤكد أن المصريين الذين التاعوا وفزعوا بسبب العنف النارى الذى ضرب كنيسة القديسين وحول أجسادا مصرية إلى أشلاء متناثرة، قد طرحوا على أنفسهم (تسونامى) الأسئلة حول السبب والهدف والمناخ الذى أدى إلى هذا الذى طعننا.. وفجرنا.. ولابد أنهم قد وضعوا أيديهم على قلوبهم رعبا وهم يتابعون الغضب الجامح فى مظاهرات ثائرة توزعت بين مناطق مختلفة فى محافظات عديدة.. وتضاربتهم الشائعات وتخبطتهم المخاوف إلى أن سيطروا على كل هذا بعقلية جمعية استوحت من حدث (العبور) إرادة اجتياز المانع العتيد الذى صنعه الإرهاب.

فى ليلة الخميس- الجمعة، ورغم الاحتياطات الأمنية التى أحاطت الكنائس، لدرجة منع المتعاطفين المسلمين من بلوغ بعض دور العبادة المسيحية، لأنه لا يمكن للأمن المتحسب أن يميز بين المتضامن والمتستر بالتضامن، فإن عددا من المسلمين تمكن من أن يدخل إلى الكنائس وأن يهنئ إخوته فى الوطن.. ويرسم مشهدا غير مفتعل وصادق بشأن الوطنية الحقة.. لكن هذا المشهد لم يمنعنى من أن أرى مسلمين فى بعض المقاهى يحولون محطات التليفزيون حين رأوا مناظر من القداس ولايرغبون فى سماع الترانيم.

هذه الشخصيات التى يمكن أن ندين ثقافتها ومواقفها، لأنها لا تملك القدرة على تقبل الآخر، ولديها خوف حتى من متابعة طقوسه، هى فئة من قطاع مظلوم فى هذا المجتمع.. مظلوم لأنه لم يتعلم معنى التسامح.. وتشرب أن يسد أذنيه.. وألا يثق فى ذاته.. ولابد أن الذين كانوا من قبل لا يذيعون القداسات أو أذاعوها على مضض كانوا يتصورون أن استماع الجموع إلى هذه الترانيم قد يكون دعاية للمسيحية فيحدث التحول من دين إلى دين.. أو يؤجج حفيظة المتطرفين على الجانب الآخر وهؤلاء لابد من أن نربت على أكتافهم ولو بالصمت عليهم وهدهدتهم.

انفتح العالم. أفقه لم يعد كما كان. انتشرت قيم حقوق الإنسان. واتسعت المعرفة . لكن ذهنية التطرف الضيقة تريد أن تحبسنا فى سجنها. أن نعيش الظلام . وأن نرتوى من الحقد كل ساعة إلى أن تحين الساعة. وأن يعتقل المظاليم من جهلاء المجتمع فى زنازينهم.. هؤلاء الأتباع ضحايا.. وأولئك المنصاعون اقتيادا مثيرون للتعاطف.. فلم يجدوا من يدلهم إلى طريق النور.. ولم يساعدهم مستنير على أن يجتازوا خوفهم من الآخر.

الوحدة الوطنية ملف أمن قومى بالأساس، ولا يمكن تبديل هذه الصفة عنه، ولكن مسائل الأمن القومى لاتكون مسئولية أجهزة الأمن وحدها . فى الأوقات السابقة على جريمة الإسكندرية كان أن أجهضت مؤسسات أمن مصر عديدا من العمليات والمحاولات التى سعت إلى تقويض الاستقرار.. خلايا متطرفة أو إرهابية كانت فى طور البداية.. أو فى مرحلة التجهيز.. أو عند نقطة التنفيذ التى لم تقع.. ولكن هذا لا يعلن عنه حتى لا يثور خوف الناس.. حتى لو كانت هناك فئة من السياسيين تسخر ممن يقول ويردد أن الإرهاب لم يزل على قيد الحياة.. وحتى لو وظف بعض المعارضين هذا فى الادعاء بأن ما يقال عن استمرار تهديد الإرهاب هو نوع من المحاولات الحكومية لإجهاض الحرية وتبرير استمرار العمل بقانون الطوارئ.

حين تجهض أجهزة الأمن هذه المؤامرات، دونما إعلان، فإنها تفعل ذلك انطلاقا من مسئولياتها، وأداءً لواجبها، ونحن لا نشعر بقيمة الأمن إلا حين نعرف معنى نقيضه.. وفى الأسبوع الماضى أدركنا حجم الجهد الذى يبذل من أجل ألا نجد فى شوارعنا كل يوم قنبلة.. وهو أمر وارد فى ضوء أبعاد ومواصفات الإقليم الذى نعيش فيه.. وقد قلت كثيرا إنه من المستحيل أن تبقى إلى الأبد (واحة الاستقرار فى إقليم النار والدمار).. وأنه لابد أن يطولنا الشرر ولو مرة.. خصوصا إذا كانت العصابات تهرب اللاجئين عبر دروب الصحارى من إريتريا وأثيوبيا إلى السودان ومنها إلى مصر وإسرائيل.. وخصوصا إذا كانت الأنفاق مازالت موجودة تحت الأرض بين مصر وغزة.. وخصوصا إذا كانت اتجاهات التطرف تتفلطح فى المجتمع دون وازع ثقافى أو رادع إعلامى.. وخصوصا إذا كانت فى مصر فئات من المثقفين تحبذ العنف وتمجد أن يرتكب الفقير جريمة.. ولاسيما إذا كان الفضاء مشحونا بقنوات التطرف والشحن من كل دين وكل نوع.

لقد ألجم الأمن التطرف، ميدانيا، وهذا هو أحد العوامل التى ساعدت على أن يكون 75 % من كنائس مصر بنيت فى عصر الرئيس مبارك، ولكن الأمن لا يمكنه أن يلجم التطرف فى العقول.. لايستطيع أن يقيد الهوى والميل.. كما أنه لا يمكنه أن يسيطر على التطرف الذى تعانى منه الكنيسة.. والانقسام الذى ألمّ بها.. وتوزعها بين فريقين متصارعين أمام العيان وبما لا يمكن إخفاؤه.. والشواهد كثيرة.

                                                   دقيقة حداد فى مجلس الوزراء
الشباب القبطى

سوف يبقى ملف (الوحدة الوطنية) أمنيا . لكن هذا لا يعنى أنه يمكن لمؤسسات الأمن، فى عصر الحرية والإتاحة، أن تراقب كل مصرى من بين نحو 20 مليون نسمة يستخدمون الإنترنت وتمنعه من أن يتعلم كيف يصنع قنبلة، أو توقف عملية تجنيده عبر الأثير لإحدى خلايا تنظيم القاعدة.. التى أصبحت حالة تشبه المظلة التى تغطى عشرات من الكيانات التابعة.. حتى لو لم يكن هذا التنظيم الدولى الأسطورى يعرف حقا من الذين يعملون تحت شعاراته وألوية إرهابه.

هؤلاء، الجالسون أمام الإنترنت، مثلهم ملايين آخرون لا تستطيع أجهزة الأمن فى كل أنحاء العالم أن تفعل لهم شيئا، وتستشعر الخطر من احتمالات أن تطولهم يد الإغواء المدمر، وإلا فإن العالم سوف يفقد أحد أهم مكتسبات تقدمه وتواصله.. أو أن مصر سوف تضيع أحد أهم معالم انفتاحها وتعدد الرؤى أمام شبابها.. وأجيالها الجديدة.

لكن هؤلاء الذين أتيح لهم العلم بأرقى وسائله، وأعطيت إليهم أفضل بنى الاتصالات فى المنطقة العربية، وفق خطة حكومية منتظمة ومتواصلة ومستمرة دون انقطاع، لا يمكن التعامل معهم على أنهم مذنبون.. بل هم ضحايا.. تركوا وحدهم دون سند.. وصارت عقولهم متاحة لأى عصف.. تماما مثلهم مثل أولئك الذين تركناهم لكل من يعتلى شاشة متطرفة تشحن الناس.. وتلقنهم قيم التخلف.. ضحايا.. كان عليهم أن نحصنهم فى المدرسة وبالشاشات البديلة.. وأن نقوى دعائم ذواتهم حتى لايتحولوا إلى قنابل دون أن ندرى.

أخطر الاحتمالات الأمنية هى أن يكون مرتكب فعل الإسكندرية الخطير هو شخص منفرد، جاء من أى مكان، كُلف من أى غامض، وانتهى الأمر بانفجاره فى الضحايا بكنيسة القديسين.. وحتى مع إيمان المصريين بأن ما جرى هو عمل إرهابى مدبر خارجيا.. فإن العقلية الجماعية انتبهت فجأة إلى أن بيننا خطرا داهما كنا نراه يتوسع وتمدد دونما إعاقة.. ومن ثم ألقيت المسئولية من طرف كل الاتجاهات والتيارات على مناخنا العام وبيئتنا المؤسفة التى أدت إلى هذا. أكثر ما آلمنى بعد مشهد الأشلاء فى الإسكندرية أمران:

الأول هو مشهد بعض الشباب القبطى الغاضب بجموح فريد وغير مسبوق، معبرا عن مستجد اجتماعى يستوجب التوقف، والدراسة والتأمل غير البطىء قبل أن يتكرر . وبما فى ذلك طرح التساؤلات حول ما إذا كان هذا هو نمط الاحتجاج الجديد فى المجتمع وأن الأمر لم يعد مقصورا على هؤلاء الأقباط.. أم أنه ناتج عن عجز الكنيسة عن أن تسيطر على تنوع الفئات الاجتماعية المنضوية تحت عباءة عقيدتها.. أم أنه بسبب مشكلات اجتماعية أخرى ليست فقط طائفية.

هل هذا الذى جرى هو نتيجة لتحريض سافر أو مستتر، هل هو ناتج عن تشجيع بالصمت، هل هو حدث بسبب قدرة ما يتردد بين أصوات أقباط المهجر على أن تصل إلى فئات مختلفة من الشباب المسيحى، بحيث لم يعد أحد يوجه هؤلاء إلا أولئك.. بمعنى أنه إذا كان متطرفو القاعدة قد وصلوا إلى المستعدين للتطرف من المسلمين فإن متطرفى المهجر قد سيطروا على جموع من الأجيال القبطية الصاعدة ؟ أم أن هذه الأجيال متأثرة من عمليات الشحن الطائفية الفضائية كما هم المسلمون المتأثرون بعمليات التعبئة الفضائية المقابلة ؟ أم لعل هؤلاء كانوا ضحايا لعمليات تحريض من قبل تيارات استثارية سياسية تريد أن تنشر الفوضى فى البلد بأى مناسبة سواء كانت طائفية أو غير ذلك.

مجموعة من الأسئلة المعقدة، التى لابد لها من إجابة.. خصوصا إذا كانت تنبئ بأن الكنيسة لم تعد تملك القول الفصل فيما بين كل الأقباط.. أو على الأقل بين الأجيال الجديدة منهم.. ما يعنى طرح تساؤلات حول نفوذها وقدرتها.. وهل هذا ناتج عن أن هناك من ينافسها فى السطوة أم أنه ناتج عن كونها تحتاج إلى إعادة نظر فى شئونها بطريقة مختلفة.

المشهد الثانى الذى آلمنى هو أن مصر عُويرت بتطرف مجتمعها فى الأسبوع الماضى من قبل أصوات فى مجتمعات عربية كانت هى التى صدرت لنا بداية توجهات واتجاهات التطرف. لقد قرأت مقالات واستمعت إلى تعليقات من كتاب عرب.. لم تكن هى الأولى من نوعها التى أصادفها فى الفترة الأخيرة.. وتكشف عن البون الشاسع فيما بيننا وبين الأشقاء العرب.. خصوصا فى بعض دول الخليج.. وكلها عامرة بملاحظات حول مظاهر يراها أى عابر أو زائر.. ولا يجدها متسقة مع الصورة المفترضة فى مصر.

كيف أمكن لأصوات الليبرالية أن يتسع لها الأفق بهذه المساحات فى دول عانت ولم تزل من تجذر السلفية.. وكيف يمكن لمثقفين من مجتمعات شقيقة حيث المرأة تتغطى من قمة رأسها إلى أخمص قدميها أن يجدوا فى مظاهر اتساع انتشار الخمار والنقاب فى مصر أمرا غريبا.. وكيف حدث أن أصبح عدد النخب المستنيرة والعقول القادرة على أن تبدع أفكارا ضد التطرف والشجاعة فى مواجهة السلفية.. هناك أكثر منه فى بلدنا الذى يفترض فيه أنه منبع التنوير ومنارة التفتح.

من اثار جريمة الأسكندرية


التدين الجاهل

هنا مربط فرس يمكن أن يقود إلى الحقيقة التى لم ولن تفاجئ أحدا . لقد مالأنا التطرف بنوعيه، وحنونا على السلفية، وتجاهلنا ذيوع مبادئ التخلف.. لم نرد أن نصدم المجتمع.. لم نرغب فى أن نمنعه من الانجراف إلى الغيبيات.. ربتنا على المظاهر حتى أصبحت قابعة فى الجواهر.. ورسخت فى العقول.. تخوفنا من أن نعدل مسارات الناس قسرا.. وخشينا من أن توصف الدولة بأنها غير مؤمنة.. وخضعنا لابتزاز الاتهام بالكفر.. فكان أن اتسع نطاق تغلغل التطرف فى أجيال متعاقبة.. ثم نطلب من الأمن أن يلاحق كل نتاج هذا.

بعد جريمة الإسكندرية، كان أن سقط الإحساس بالاستقرار فى النفوس، حتى بين البعيدين عن موقع فعل الإرهاب، ساد إحساس بالخوف لمدة ثلاثة أيام وانتشر قدر مهول من الشائعات.. وحتى لو كان رد الفعل الجمعى هو أن تنفجر من العاطفة تحصينات نفسية عبرت عن نفسها فى مظاهر مثيرة للفخر فى الأيام التالية.. فإن المطلوب هو تخليص تلك النفوس من بقايا الخوف وتحصين العقول من هجمات الأفكار الهدامة.. وهذا ليس فى سعة أو قدرة أمهر وأضخم وأذكى أى جهاز أمنى فى العالم.

التطرف ليس قدرا كالموت يدرك الناس ولو كانوا فى بروج مشيدة . يولد البشر معتدلين والمذنبون الذين لايقومون بمهامهم، أو المذنبون الذين يحرضون الناس، هم الذين يحولون هذا وذاك إلى قنبلة موقوتة ولغم قابل للانفجار.. وإذا كانت القاعدة أو غيرها قد تمكنوا من تجنيد هذا الانتحارى الذى فجر نفسه فى الإسكندرية فقد أتحنا للقاعدة وغيرها فرصة أن تفعل ذلك.. وغالبية المجتمع يضيق ذرعا مما فعله بنفسه.. ولم يعد يطيق أن نتركه لما لم نفعله فيه من تنوير.

يقول المفكر المصرى العظيم عباس محمود العقاد: (لن تكون متدينا إلا بالعلم.. فالله لايعبد بالجهل).. ولكن المتدينين بيننا هم فيالق من الجهلاء.. كارهة العلم ورافضة تطوير بيوته.. التى نعرفها باسم المدارس والجامعات.. ويقول المفكر العالمى برتراند راسل: (مشكلة العالم أن الحمقى والمتعصبين واثقون من أنفسهم دائما.. لكن أحكم الناس هم المترددون).. ولاشك أن الإرهابى قد ذهب إلى مقر كنيسة القديسين واثقا من أنه يقطع الطريق إلى الجنة.. بينما كنا لزمن طويل مترددين فى أن نتخذ الإجراءات الواجبة لمنع تحول هذا الشخص إلى انتحارى.. هو أو غيره ممن يمكن أن يسقطوا فى غى الإرهاب .

إن المناقشة الساخنة، والواعية، والمعبرة عن استشعار رهيب بالخطر الجسيم، تلك التى جرت فى يوم الأربعاء الماضى فى اجتماع مجلس الوزراء، حيث دارت مداولات علمية وسياسية بشأن ما يجب عمله لترسيخ ثقافة التسامح وتأكيد وسطية المجتمع ومحاربة التطرف.. لا تعفى مجلس الوزراء من تحمل مسئولياته فيما جرى.. وأنه أهمل بطريقة أو أخرى، إلى أن بلغنا هذا الفشل المزعج.. بينما كان قد حققت نفس الحكومة نجاحات أخرى مختلفة فى مجالات عديدة. للأسف هذا النوع من الفشل ونتائجه، أى ذيوع التطرف الذى أفضى إلى الإرهاب، إنما يعصف فى لحظة بكل نتائج النجاحات.. وللفيلسوف الألمانى الشهير مقولتان مأثورتان تعكسان هذا الوضع: (فقدان الشىء يعلمنا قيمته أحيانا).. و(من النادر أن نفكر فيما نملك بل نحن نفكر فيما ينقصنا).

                                     رئيس الوزراء مجتمعاً برؤساء تحرير الصحافة القومية

وقد فقدنا الإحساس بالأمن لبعض الوقت.. كما أن الحكومة فكرت فيما حققت.. ولكنها لم تكن تفكر إلى نهاية الأسبوع الماضى فيما لم تحقق.

البيضة أم الفرخة

أتفق بالتأكيد مع رئيس الوزراء الدكتور أحمد نظيف فى تأكيده خلال مؤتمر الحزب الوطنى، ومجددا خلال لقائه الأخير مع رؤساء تحرير الصحف القومية على مجموعة من المبادئ والثقافات التى يحتاج المجتمع إلى ترسيخها.. ومنها: ثقافة تقبل الآخر - ثقافة المشاركة والتعاون - ثقافة تقبل التغيير والإصلاح - ثقافة مجتمع المعرفة - قيمة العمل الحر - ثقافة الحفاظ على المال العام - ثقافة احترام القوانين - ثقافة تنظيم الأسرة - ثقافة قيم الإخاء والمواطنة والتسامح فى وطن واحد يعيش على أرضه أبناء وطن واحد مهما اختلفت عقائدهم الدينية أو توجهاتهم السياسية.

ولكنى لا أتفق مع تأخر جهود الدولة فى بلوغ تحقيق كل هذا.. على الرغم من إلحاح ذلك.. وعلى الرغم من أن هناك احتياجا ضروريا له إذا كنا نريد أن نحقق انطلاقة أكبر وتوسعا نهضويا أشمل.

الحكومة التى قررت أخيرا أن تشكل لجنة وزارية لتفعيل قوانين المواطنة ومنع التمييز التزاما بنصوص الدستور وبرنامج الحزب الذى تنتمى إليه.. والتى قررت أخيرا تشكيل لجنة وزارية من أجل تعميم ثقافة التسامح ومواجهة التطرف.. عبر برامج متنوعة من خلال التعليم وإصلاح الإعلام.. وتطوير الثقافة.. تكاسلت كثيرا عن القيام بهذه المهام حتى انفجرت فى وجه المجتمع نتائج التأخير.

إن مجلس الوزراء يضم نخبة من مؤيدى الدولة المدنية ولا أشك أن فيهم متطرفا يعمل ضدها، ولكن هؤلاء الوزراء أنفسهم كانوا يعطون الأولوية لأمور أخرى.. ولبرامج مختلفة.. ربما لأن تلك الأمور والبرامج سوف تظهر نتائجها بين الناس بطريقة أسرع وتحسب للحكومة.. وربما لأن العمل على العقل يحتاج إلى نفس طويل سوف تؤتى ثماره حكومات أخرى فيما بعد سنوات.. وربما لأن الضغوط المجتمعية تؤدى إلى الاهتمام بأمور يراها الرأى العام أكثر وجوبا.. خاصه حين ندخل فى جدلية الخبز قبل الثقافة والبطن قبل العقل.. و«عض قلبى ولاتعض رغيفى».

إن التعليم هو استثمار مالى إلى جانب كونه أمنيا وعقليا وحضاريا. والثقافة أمن واقتصاد كما يقول فاروق حسنى فى حوارى معه وتقرأه فى الصفحة (20).. والإعلام كما ثبت للجميع هو مفتاح استقرار المجتمع أو فوضاه.. ومن المذهل أن الحكومة ضخت فى هذه الاتجاهات أموالا أقل على مدى السنوات الماضية.. وكانت تؤجل أولويات صارخة فى هذا المجال إلى أن تحين فرص أخرى للتمويل.. كما كانت ترضخ لاتجاهات مجتمعية ترفض أى تطوير وتتعامل معه بمعوقات عديدة.

ليس من حق الحكومة أن تشكو رفض الناس للتطوير . وليس عليها أن تنتظر المطالبة . لا نريد أن ندخل فى معضلة أيهما أولا (البيضة أم الفرخة).. الحكومة باعتبارها ممثلة الشرعية تنفيذيا لديها الصلاحية لأن تقود وليس أن تنتظر.. حين جاءت من أغلبية منتخبة فإن معها مقود المجتمع الذى ليس مطلوبا منه أن يوازن بين الأولويات وهو يطالب.. الناس تطالب بما تحتاجه يوميا وليس على المدى البعيد.. المواطن العابر فى الشارع سوف تشغله حالة الأرصفة ولكنه لن ينشغل أبدا بالمستوى التعليمى لمن يسير على الأرصفة ويشيدها.. هذه ليست مسئوليته.. وإنما مسئولية الحكومة.

ومن ثم فإن الحكومة مذنبة حين تركت المدارس مرتعا للتطرف. وهى مذنبة حين تركت الحبل على الغارب لإعلام منفلت يعبئ عقول الناس بطائفية وتطرف. وهى مذنبة حين لم تسن القوانين الواجبة لترسيخ مواصفات الدولة المدنية.. حتى الآن. وهى مذنبة حين كانت ترى مظاهر التطرف تنفلت من حولها وتصادف أعضاءها فى كل مكان بدون أن تعتبر هذه أجراس إنذار.

لقد اهتم خطاب الحزب الذى تنتمى إليه الحكومة بالتركيز على الدولة المدنية والتأكيد على مواصفاتها.. وتحدث الأمين العام المساعد وأمين السياسات جمال مبارك مستعينا بمرجعية فكرية متمثلة فى كل من الإمام محمد عبده والرائد رفاعة رافع الطهطاوى والعميد الراحل طه حسين.. ولكن أين صدى هؤلاء فى البرامج الحكومية.. ما هى مكونات أفكارهم بين مقررات تلاميذ الابتدائى.. وما هى مفردات إبداعهم وتنويرهم فى مضامين الإعلام؟

وإذا كنت أؤيد وبشدة المواقف التى تبنتها الوزيره فايزة أبو النجا فى الاجتماع الأخير لمجلس الوزراء.. بشأن عمومية مظاهر التطرف خصوصا فى المعالم الخارجية لقطاعات كبيرة من النساء.. فإننى لا أعفى أى متابع لكل هذا من دون أن يدفع فى اتجاه أخذ القرار وإعمال الأفكار.. إن هذا هو دور المجلس.. فهو ليس منتدى للوزراء.. وإنما سلطة لديها القدرة وينبغى عليها التخطيط والانتباه المبكر.

   صورة المشتبه كما تخيلته اجهزة الامن .. وعلى اليمين صورة توزعها مواقع قبطية لمظاهرة سلفية



ليس انتحارا عقليا

إن هذا ليس جلدا للذات، كما أنه ليس انتحارا عقليا على طريقة تفجير النفس، هذه محاسبة واجبة.. واستثمار للضارة حتى تكون نافعة كما كانت جامعة.. ومن أجل أن تكون مانعة.. ولكى لا تكون راجعة . لكن هذا لا يدفعنا إلى تجاهل البعد الخارجى للأمر.. وخصوصا البعد الإقليمى.. ومن خلفه البعد الدولى.. وكلاهما له ارتباطاته الداخلية.

لقد ثبت من هذا الإرهاب أن مصر مستهدفة، وكما قال رئيس الوزراء فى لقائه الأخير معنا، إن فعل الإرهاب كان صامتا.. ولم يتقدم بمطالب.. مدللا بذلك على أن الهدف هو هز الاستقرار إن لم يكن ضربه من خلال الفتنة الطائفية.. وكما أفضل أن أعود دائما إلى خطاب الرئيس الأخير يوم 19 ديسمبر فى مجلس الشعب.. حين قال إن أهم خطرين يتهددان الأمن القومى المصرى هما محاولة الوقيعة بين عنصرى الأمة ما يؤدى إلى الفتنة الطائفية.. ومحاولة الوقيعة بين مصر ودول حوض النيل.. ما يؤدى إلى مشكلات تخص المياه.. فإن هاتين الثغرتين هما ما يثبتان أن مصر تتعرض لمؤامرة غير معروفة الأبعاد لكنها ملموسة المظاهر والنتائج.

لمصر متربصون كثر فى المنطقة . تتربصها إيران . وتوابعها . وتتربصها إسرائيل ولو كان بيننا اتفاق سلام . وتتربصها قوى معروفة فى الولايات المتحدة . وكذلك قوى غربية كارهة ورافضة ولم تنس أبدا أن مصر كانت نقطة انطلاق انهيار الإمبراطورية التى غربت عنها الشمس ومنافستها الفرنسية التليدة.. ويتربصها الجموح الدينى المتطرف واليمينى.. ويتربصها التطرف الدينى المنعقد فى تنظيمات تلتحف بالإسلام.. قوى كثيرة لا أوجه الاتهام لها بأنها تقف وراء هذا الذى جرى.. باستثناء اتهام مباشر لتنظيمات الإرهاب.. ولكننى أعتقد كما يعتقد كثيرون أن كل هؤلاء يهنأون حين سيرون المجتمع فى مصر يأكل نفسه.. ماداموا هم لم ينجحوا فى أن يأكلوه.

                                                        احتجاجات غاضبة

لقد صمدت مصر أمام أنواء مختلفة شهدها الإقليم فى الستين عاما الماضية عموما وفى السنوات العشر المنصرمة خصوصا.. ولكن الساعين إلى إضعافها ومنعها من الانطلاق لديهم هدف حقيقى لايتوانون ولاتنقطع مثابرتهم عن متابعته.. بعضهم يؤجج التطرف.. بعضهم يحرض الخلايا.. بعضهم يخترق تنظيمات الإرهاب ليس لكى يؤمن نفسه وإنما أيضا لكى يدفعها إلى أن تقوم بالمهام نيابة عنه.. وبعضها يشجع التاليات من النتائج بعد الإرهاب.. فيمارس الضغوط ويحاول أن يستثمر الأحداث لتحقيق أهداف اختلقها الإرهاب وجعل بيئتها موجودة.. وإلا فماذا نسمى تحريض وتمويل أقباط فى المهجر.. وماذا نسمى تهريب أخطار من داخل الأنفاق.. وماذا نسمى تحفيزا إعلاميا صارخا فى منابر تتبع كل هذه الدول تقريبا.. وماذا نسمى استضافة بعض الدول لإرهابيين معروفين بالاسم والعناوين.. وغير ذلك كثير.

ليس علينا أن نحارب كل هؤلاء . سوف تكون المواجهة الصريحة نوعا من الجنون والانتحار . ولكن علينا أن نسد ثغرات جدارنا فيكون محصنا من أى اختراق.. وأن نشيد جدارات التنوير حول عقول أبنائنا.. فلا يكونون لقمة سائغة فى يد التطرف، ومن ثم فى قبضة الإرهاب.

عبد الله كمال

يمكنكم مناقشة الكاتب وطرح الآراء المتنوعة على موقعه الشخصى

www.abkamal.net

أو موقع روزاليوسف:

www.rosaonline.net

أو على المدونتين فى العنوانين التاليين:

http//alsiasy.blospot.com

http//:abouzina.maktoobblog.com

أو للمتابعة على موقع تويتر:

twitter.com/abkamal

Email:abk@abkamal.net

التعليقات

برجاء تسجيل الدخول حتى تستطيع التعليق
عنوان التعليق
التعليق
  • سوف يحتاج التعليق إلى موافقة المحرر قبل نشره
  • Design and Development by Microtech