أرشيف بالمصري > الذين يساعدون الفساد
1 يناير 2011 2:00 م
-

إذا فسد القاضي أو وكيل النيابة يعاقب أضعافا مضاعفة


الفساد : داء البشرية الأبدي.. أخطر من الجاسوسية.. ولدى الفاسدين

أقوى جهاز تجنيد غير معلن .. يغوون الناس ويكونون الشبكات على مدار الساعة


عملت مع رئيس تحرير، في إحدي المطبوعات، استن قاعدة لافتة بخصوص نشر المواد الصحفية عن الفساد.. وهي: أن تهاجم وتنتقد الفساد في عمومه.. أي لا تتطرق إلي وقائع. في هذا الوقت لم تكن الصحف تقترب كثيرا من تلك الملفات.. كنت تلمح إلي بعضها لماما، وعلي خجل، في صحف المعارضة.. بمضي الوقت والنمو السياسي تطور الأمر إعلاميا إلي أن أصبح الحديث عن الفساد عاما وغيره استثناء.. وصار الاتهام به موجها إلي الكثيرين.. بل وعلي خطورته أصبح (أسهل اتهام).

لا الوضع الأول كان سليما.. ولا الواقع التالي يمكن القول إنه صحيح. الأول كان يعني الهروب من مواجهة خطر اجتماعي واقتصادي وسياسي خطير. وصولا إلي درجة التستر عليه بالصمت. والثاني يعني تصوير الأمر كما لو أننا في (مزرعة الفاسدين).. وأن كل من في البلد هم (لصوص) إلا من يكتبون عنهم.. والله أعلم بطوية كل قلم.

مصر ليست «جنة». لاتوجد دولة يمكن وصفها بهذه الكلمة. الفساد سلوك إنساني يتواجد حيثما يكون البشر.. ولو كان علامة العرب «عبدالرحمن بن خلدون» حيّا لكتب في مقدمته الشهيرة تعريفا للمجتمع البشري يتضمن ضمن توصيفاته المعروفة وجود الفساد.. فهو كالماء والهواء، وإذا شئت التفاؤل والنظر إلي كوب الماء من نصفه المملوء، فإن الفساد سيكون له بين البشر ما يكاد أن يكون «مقام الطعام».. وجبة أو اثنتين أو ثلاثا.. والبعض يعيش متخما به.


في اليابان حيث يعتبر النادل أن منحه بقشيشا نوعا من الإهانة.. وحيث ينتحر الناس حين توجه إليهم اتهامات تتعلق بالشرف يوجد فساد من النوع الذي قد لاتبلغه خيالاتنا.

وفي الولايات المتحدة حيث يمكن أن تقر شركة إذا ما حوسبت أمام الكونجرس بأنها دفعت رشوة لمسئولين في دول أخري قد لايخطر علي بالك ما هي أساليب الفساد ومستويات ذكائه.. بل إن بعض الحروب تقوم عالميا لأسباب لها علاقة بفساد ورغبات ومصالح بعض الشركات.. فهل بعد هذا فساد ؟!.

وفي الصين حيث يعدم الناس عقابا علي الجرائم التي تصنف فسادا لم ينته الفساد. وحتي الدول التي تقول إنها تطبق الشريعة أو أحكام الدين فيها ما يشيب له الولدان.. وليس الفاتيكان بعيدا عن ذلك.

الفساد وباء كما الفقر لم ولن تبرأ منه البشرية. لكن هذا لايعني أن علينا أن نرتضيه وأن نتعايش معه. نحن لاينبغي أن نتعايش مع أي داء.. خصوصا إذا تطور إلي أن يكون مؤسسيا. وأصبحت له شبكات.. ولاسيما أن لديه أقوي جهاز تجنيد (غير معلن) في العالم بل وعلي مر العصور.. فالفاسد لايكون وحيدا.. ولايفوت فرصة لكي يوسع نطاقات من يتبعونه ويعملون معه.. وإذا كانت شبكات الجاسوسية (طعنة) في ظهر الأمن القومي لأي بلد.. فإن شبكات الفساد هي (سرطان) يهدد الأمن القومي والاستقرار المجتمعي ويدمر أي أخلاقية للبشرية.. وكل قيمها.. وهي أهم معرقل للتنمية ومعوق للعدالة.. وأكبر مخترق للقانون.

قبل أيام، واتساقا مع انضمام مصر لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد.. تشكلت (اللجنة الوطنية التنسيقية لمكافحة الفساد).. برئاسة وزير العدل وعضوية النائب العام وممثلين لوزارات الخارجية والداخلية والتنمية الإدارية.. وأيضا ممثلين للمخابرات والرقابة الإدارية وجهاز المحاسبات والنيابة الإدارية.. والهدف هو متابعة كل الجهود المعنية بمكافحة الفساد في مصر.. وتوعية المواطنين بمخاطره.

وفي الانتخابات الأخيرة طرح ملف الفساد نفسه علي برنامج الحزب الوطني.. وتضمن بنودا تخص مواجهته.. وفي خطاب الرئيس مبارك أمام مجلسي الشعب والشوري تحدث عن قانونين يتضمنان مواجهة بعض أوجه الفساد.. قانون أراضي الدولة والتعامل معها استثماريا.. وقانون الوظيفة المدنية.. وهما فيما أعتقد بعض من أخطر مجالات انتشار الفساد في مصر. عضوية اللجنة المذكورة تشير إلي الجهات المتنوعة المعنية بمكافحة الفساد في مصر، باستثناء وزارة الخارجية فعضويتها في اللجنة تتعلق بما يخص الاتفاقية الدولية، والتحرك الحزبي والخطاب الرئاسي يعبران عن أن الفساد قيد المواجهة.. ومدرج علي الأجندة التشريعية.. والعمل السياسي.. في ذات الوقت الذي توجد فيه ترسانة معقدة من القوانين المختصة فعلا بالتعامل مع الفساد.. فنحن في مصر لا نبدأ من أول السطر.

المشكلة في مصر قد لا تكون قانونية، أو رقابية، بل هي في الأساس مجتمعية، وثقافية، خصوصا مع ارتفاع الأصوات التي تنشرعن الفساد وتبرر وجوده.. وتخلق الدوافع من أجل انتشاره.. وتسوقه علي نطاق واسع.. فحين يكون الخبر في أي صحيفة يكتب بمنطق أن (فلان) سرق لأنه لم يجد ما يأكل.. وحين ينشر أن موظفا ارتشي لأن راتبه ضعيف.. وحين يدان أي غني بدون دليل بالفساد لأنه حقق الثراء.. فإن الفساد سوف يجد طلبا مرتفعا لأن الفقير قد وجد غطاءً.. والموظف عثر علي ما يحل له إثمه.. والراغب في الثراء سوف يقتنع بأنه لن يحقق أحلامه إلا إذا كان فاسدا.. إننا نمجد الفساد حين ندعي أننا (إعلاميا وفنيا وصحفيا وتليفزيونيا) نكافحه.

- رسالة علمية

في أكتوبر الماضي، الأسبوع الرابع منه بالتحديد، شهدت كلية الحقوق في جامعة عين شمس عملا علميا وقانونيا رفيعا تقدم به النائب العام عبدالمجيد محمود لنيل درجة الدكتوراه، حيث حصل عليها بالفعل بتقدير جيد جدا مع مرتبة الشرف والتوصية بالطبع والتوزيع والتبادل مع جامعات العالم، عن بحث عنوانه (المواجهة الجنائية للفساد بين اتفاقية الأمم المتحدة والتشريع المصري).
لقد نشرت حول هذه الرسالة أخبار كثيرة، علي الرغم من أن مناقشتها أحيطت بمحاولات من الكتمان، ولكن تناولها بالنقاش التفصيلي هو أمر واجب وضروري حتي لو كانت تفاعلات الانتخابات وما بعدها قد شغلتنا عنها.. ليس فقط لأن القيمة العامة لصاحبها ودوره القانوني في مكافحة الفساد مرتفعة للغاية.. وليس بسبب المفارقة الناشئة عن كون النائب العام حرص علي بذل هذا الجهد العلمي في تلك المرحلة من عمره.. ولكن كذلك بسبب المستوي العلمي الدقيق والراقي للعمل البحثي.. والأهم لأنه تعبير عن منهج واحد من أهم سلطات الدولة في التعامل مع الفساد.

هنا المسألة لاتتعلق «بالنميمة» التي تسعي إليها صفحات صفراء، كما لا ترتبط بتهويمات لا إمساك بها في صفحات الدخان الأزرق، وإنما الأمر ينطوي علي عمق أصيل، وتجسيد لتوجه مصري غير مصطنع في التعامل مع الظاهرة.. خصوصا أن التوصيات تضمنت مطالبات من الواجب الانتباه لها.. وبدلا من أن تشغلنا قصص الأساطير وشائعات وحواديت مسلية لاتغني ولاتسمن من جوع.. بل تحبط الذات وتصد الأنفس.. فإن التصدي لهذا العمل بالتحليل والعرض إنما يعبر عن ما نعتقد أنه طعن حقيقي في جسد الفساد وتفكيك لشبكاته.

إن عبدالمجيد محمود نائب عام مختلف، صاحب بصمة، وقد نجح في أن يصنع تأثيرا لمهمته في ما بين مختلف قطاعات البلد، وأعطي للنيابة العامة دورا لايتوقف عند حدود التعامل مع ما يرد إليها، بل وامتد إلي مستوي المبادرة الفاعلة بشأن ظواهر في المجتمع قد لايتلق بشأنها أي إبلاغ.. ومنها ظاهرة الإعلانات الدوائية غير المنضبطة والمتعلقة بصحة المواطن.. أو أنه يعطي موقفا بشأن تكرار بلاغات بعينها ومنها مثلا مشكلة عودة شركات توظيف الأموال غير الرسمية.. وهي تتعلق بمصالح المواطنين المالية.

النائب العام في هذا السياق، وبخلاف أدواره المعروفة والقريبة إلي الذهن، أحيا ما يمكن أن نصفه بأنه (المحتسب العاقل)، وفي ضوء هذا تعامل مع رسالته باعتبارها تحسب وتتحسب وتحاسب.. تكتسب شرعية مبرراتها من عضويته المستمرة في الوفد المصري لإعادة صياغة اتفاقية مكافحة الفساد ومن خبراته الممتدة في النيابة العامة، وتتزين أهميتها من حيث كونها تتعلق بموضوع حيوي وعلي جدول نقاش واهتمام المجتمع.

- مساعدات الفساد

لايمكنني أن أقوم هنا بنقاش تحليلي موسع لما جاء في مضمون الرسالة.. فقد قامت بهذا لجنة علمية رأسها الدكتور عبدالأحد جمال الدين وكان في عضويتها الدكتور مفيد شهاب.. والدكتور عيد نايل أستاذ القانون المدني.. وحيث كان حاضرا للمناقشة الدكتور فتحي سرور رئيس مجلس الشعب.. ولكني هنا سوف أتطرق إلي مجموعة من الوقفات التي تضمنتها الرسالة، وأجد من اللائق صحفيا وسياسيا أن نمعن العقل فيها.

وأستهل هذا بمجموعة الأسباب التي اعتبر الباحث أنها تساعد علي الفساد.. وهي وفقا لرصده كما يلي.. علما بأن ما كان يتطرق له يتعلق بدول العالم وليس مصر وحدها. ينبغي أن ألفت النظر إلي أن العبارات في أول كل فقرة مقتبسة من الرسالة.. أما ما تحته خط بعدها فهو تعليقي الخاص.

- عدم وجود أجهزة حكومية تتولي الرقابة وتتلقي الشكاوي.. وهذه لدينا منها الكثير: الرقابة الإدارية مثالا، وأجهزة الأمن عموما.

- عدم وجود آليات اجتماعية داخلية تطبق إدارة جودة الخدمات بما يحد من انحراف الإجراءات.. وهذه لدينا منها ولكنها غير مفعلة بالطريقة الواجبة.

- تزايد التعقيدات الإجرائية في جميع مستويات الأداء الحكومي.. ما يضاعف عدد المشاركين في المعاملة الواحدة.. وهذا داء عضال نعاني منه.. ما نصطلح علي تسميته بسطوة البيروقراطية.. ومن ثم فإنني أعتقد أنه حين تصدت الحكومة الحالية لمجموعة من عمليات تبسيط الإجراءات التي تعرقل أدوار الفاسدين.. واتجهت إلي ما وصف بأنه (الحكومة الذكية).. كان أن هوجمت وسُخر منها من أطراف يعود الكثيرون منهم - بقصد أو بدون - إلي مصالح تتعلق بالفساد.. لأنهم ينعمون بانتشار البيروقراطية.

- سوء استخدام السلطة التقديرية.. وعدم الوثوق في سلامة تفسير وتطبيق الأنظمة والقوانين في القطاع العام.. وتلك أيضا نعاني منها.. والمناقصات وتضاربها وقواعدها خير مثال.. والصلاحيات الممنوحة لأفراد بأعينهم أقصر طريق يتيح الفساد.

- ضعف آليات المشاركة المدنية والرقابة المجتمعية التي ترمي إلي مكافحة الفساد.. وتلك موجودة في مصر.. لأن آليات المجتمع المدني إما أنها ضعيفة وغير قادرة، أو إنها بنفسها تعاني من فساد في منبعها ومقصدها.. علي سبيل المثال؛ ماذا تفعل جمعيات حماية المستهلك في مواجهة عشرات من المتغيرات والاختراقات القانونية في السوق.

- ضعف معايير قياس الكفاءة والتحفيز في القطاع الحكومي.. وتلك لاتحتاج إلي دليل علي انتشارها بيننا.

- عدم فاعلية أجهزة العدالة الجنائية كالشرطة والنيابة والقضاء في التعامل مع ظواهر الفساد.. وهذه لا نعاني منها.. وجهات التعامل وأجهزة المحاسبة في مصر تقوم بما ينبغي في مواجهة الجرائم.

- ضعف وسائل الإعلام وانشغالها بالأمور الهامشية التي لا تمس المصالح الحقيقية للمجتمع.. ولعلي أكون قد أشرت إلي هذا المعني في مقدمة هذا المقال.

- دعم الدول لبعض السلع وفق معايير مزدوجة. وبالطبع هذا هو الواقع المصري.. هناك سلع مدعومة يوجد مثلها لا يباع مدعوما.. والكل يتحدث في مصر عن أن هناك مشكلة في نظام الدعم.. لكن الحكومة غير قادرة علي اتخاذ قرارات واضحة في ضوء عدم قبول الرأي العام للاقتراب من هذا الملف.

- تعدد أسعار صرف العملة.. وقد تخلصت مصر من هذا الوضع.. رغم حالة رهيبة من الرفض المبين وقتها.

- انخفاض الأجور والرواتب في الخدمات المدنية.. ما يسمح لأي صاحب مصلحة بتقديم رشاوي للموظفين.. وهذا هو بيت قصيد الفساد في مصر.. بدءا من رشاوي الجنيهات العشرين وصولا إلي مبلغ الألف جنيه أو أكثر الذي يدفع لموظف مقابل استخراج شهادة أو تسهيل أمر قد يكون قانونيا.

- القطاع الخاص.. والفساد

قد لايكون مهما هنا أن نبين أخطار الفساد. التي يعددها النائب العام في رسالته.. هذا كلام معروف إلي حد بعيد.. فالفساد يزيد معدل الجريمة ويحد من فرص الاستثمار ويؤدي إلي تراجع الضرائب ويعوق النمو الاقتصادي ويهدر المساعدات ويشوه النفقات والمصروفات.. ويفقر الشعوب ويضر البيئة ويسيء إلي الديمقراطية.. وغير ذلك كثير.

إنما الذي يلفت النظر هو إصرار الباحث الدكتور - الآن - عبدالمجيد محمود، علي أن يستخدم التعريف الواسع للفساد الذي لايقصره علي الفساد الإداري في القطاع الحكومي.. وإنما كذلك فساد القطاع الخاص.. وحتي لو لم يكن مفصلا في هذا السياق.. فإن الواقع يشير إلي أن هناك فسادا مؤسسيا في القطاع الخاص.. وهناك أيضا فساد عابر بين القطاعين.. أي في نقاط التماس والتلاحم بين القطاعين العام والخاص.. وهذه هي الظاهرة التي تمثل معضلة في المجتمع المصري.

بعيدا عن الرسالة أشير من جانبي إلي ثلاثة أحداث حدث فيها اصطناع لغضب عام في مواجهة إجراءات إصلاحية قامت بها الدولة.. وقد خلقه بعض من رموز القطاع الخاص:

- عملية إصدار قانون الضرائب الذي رفع الحصيلة أضعافا مضاعفة.

- عملية إصدار قانون الضريبة العقارية الذي توجه عوائده إلي المحليات من أجل التنمية ورفع أجور الموظفين.

- عملية بيع عمر أفندي الذي كان يرتع في فساد وضعه المستفيدون من العرض في محلاته من المنتجين في القطاع الخاص.

عموما، وفي شمولية نطاق الفساد.. وأنه لا يقتصر علي الجهات الحكومية يقول الدكتور عبدالمجيد إن الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد وأنها نصت علي تجريم الفساد في القطاع الخاص.. سواء في مجال الرشوة أو الاختلاس.. وتضمنت الرشوة التي تقع من الموظفين العمومين الأجانب ومن موظفي المؤسسات والمنظمات الدولية. ويضيف: الاتفاقية نصت علي اتخاذ الإجراءات لمنع ضلوع القطاع الخاص في الفساد وتعزيز معايير المحاسبة والمراجعة فيه.. وفرض العقوبات والجزاءات الجنائية والمدنية والإدارية علي من لم يمتثل لهذه التدابير.

ومن جانبي، أشير هنا إلي مثال شهير.. إذ حين حاول الجهاز المركزي للمحاسبات أن يفرض ضوابطه علي الصحف الخاصة وأن يراجع ميزانيتها فإنه تعرض لحملة مستمرة.. وذهبت تلك الصحف تعترض علي تلك الإجراءات أمام القضاء الإداري.. ولم يقم الجهاز فعليا بما ينبغي لكي يفرض علي تلك الصحف شفافية مصادر أموالها وإنفاقها.. وظل الأمر معلقا.. وها هي الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد تقول بصراحة إنه لابد من اتخاذ التدابير ومعاقبة من يرفضها.

خلاصة الأمر هنا أن القطاع الخاص ليس ملاكا والقطاع العام ليس شيطانا.. وأن الفساد موجود في الحالتين.. ورأيي الخاص أن من يساعد علي انتشار الفساد في القطاع العام هو القطاع الخاص.. أو للدقة في القطاع الحكومي.. علي أساس أن الحكومة هي أكبر زبون يمكن أن يتعامل معه القطاع الخاص.

وفي هذا السياق أتفهم تماما الإجراءات المعقدة التي تتخذ بداية في تحديد مواصفات ونصوص العقود التي سوف تقر بموجبها عمليات المشاركة بين القطاعين العام والخاص في مشروعات البنية التحتية.. ليس فقط لضمان مواصفات بناء المستشفي أو المدرسة أو الطريق.. ليس فحسب من أجل أن يتم ضمان الحقوق العامة وحتي لا تقع الميزانية العامة تحت ضغوط غرامات وإجراءات تحكيم معقدة.. وإنما لأن هذه التعقيدات الصارمة إنما تضمن ألا توجد ثغرات يعبر منها احتمال الفساد.. ويقولون في الأمثال العامية: حرّص ولاتخوّن.. ونحن نقول: حرّص ولاتُفسد.

- عقوبات مضاعفة

أثناء مروره في صفحات الرسالة يسجل عبدالمجيد محمود ملاحظات مهمة علي نقائص وثغرات في الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد.. منها مثلا أنها لم تنص صراحة علي (عدم المصادرة إلا بحكم قضائي).. حتي لايكون هناك لبس.. ومنها أنها أغفلت كل ما يتعلق بجرائم الحاسب الآلي علي خطورتها.. وبكل تأثير هذا علي الاقتصاد.. ومنها عدم وجود نصوص عقابية علي من يقوم بجرائم عمدية أو غير عمدية للإضرار بالمال العام.. وقد اعتبر النائب العام هذا أيضا نوعا من الفساد.. ومنها أن الاتفاقية أغفلت جميع جرائم الاستيلاء علي المال العام أو تسهيل لاستيلاء عليه.. وتلك جوانب لها صدي بشكل أو آخر في التشريع المصري.

لكن ما استوقفني في ملاحظاته هو ما يتعلق بمفهوم التسريب.. أو جريمة إفشاء سرية الأوراق العمومية.. وهو كما يقول مجال رحب لجرائم الفساد في تعاقدات الدول وفقا للتشريعات الوطنية المنظمة للمناقصات والمشتريات.. ولعل النائب العام هنا يلمح إلي أولئك الذين يمكن اعتبارهم جواسيس اقتصاديين يسربون المعلومات والمعرفة من أجل ترسيات وتعاقدات تكون غالبا بالملايين من الدولارات إن لم تكن بالمليارات.

غير أني أتساءل: أليس يتعلق بمفهوم التسريب أيضا هذا الذي كان له موقع عام ثم أخرج الوثائق التي بحوزته واستغلها سياسيا أو ماليا.. بشكل ما؟.. وهل هذا يندرج مثلا علي اسانج الذي أنشأ موقع ويكليكس وتسربت إليه وثائق صنع منها صخب ويكليكس المعروف.. أم أن هذا يمكن أن يندرج أيضا علي مسئولين مصريين سابقين عملوا في أنظمة ومؤسسات الدولة ثم أخذوا وثائق معهم كانت تقع في اختصاص عملهم.. واستغلوها بعد سنوات كما فعل بعض السياسيين والصحفيين بطريقة أو أخري.. وصنعوا بها مجدا فاسدا؟

مجرد تساؤلات لا تنفي أن نتوقف عند ملاحظات أخري للنائب العام الباحث الذي قال ضمن ما قال حول التشريع المصري ما يلي:

1- إن علي مصر أن تجرم كل صور سلوك الفساد في القطاع الخاص.. وأن تقرر له عقوبات رادعة مع ارتفاع خطورة وأهمية الدور الذي يؤديه هذا القطاع في الاقتصاد القومي، وبحيث تكون هذه العقوبات هي نفسها المقررة ضد الفاسدين في القطاع الخاص.. ما يؤدي إلي تحقيق الشفافية والنزاهة في هذا القطاع المهم.

2- يذهلني النائب العام حين يسجل ملاحظة غاية في الأهمية بشأن ما يلي: (أن يجعل المشرع الجنائي المصري من صفة القاضي أو رجل النيابة العامة ظرفا مشددا في جرائم الفساد.. ولاسيما جرائم الرشوة. بحيث يقرر للجريمة عند توافر هذه الصفة عقوبة أشد من تلك التي قررت بالنسبة لسائر الجناة). ويضيف: تتزايد الحاجة إلي هذا التشديد لمواجهة المحاولات المتواصلة من الجريمة المنظمة لإفساد بعض ضعاف النفوس من القائمين علي تطبيق القانون وتقديرا لفداحة فعل رشوة رجال القضاء والنيابة العامة علي نحو يهدد أجهزة القضاء ويهدد القدسية التي يتمتع بها رجاله.

وخلاصة هذا المعني الذي يضيف موضوعية إلي ما نعرفه من موضوعية عن عبدالمجيد محمود أنه لايمكن مساواة القاضي المرتشي مع أي موظف عادي مرتشٍ. وتلك نقطة جوهرية.

ومن ثم فإنه في توصياته يمضي إلي تفصيلات أوسع في تلك النقطة ويقول ما يلي: 

ضرورة ضمان نزاهة القضاء ورجال النيابة العامة.. ويلزم لهذا التدقيق في اختيار القضاء ورجال النيابة من أصفي المنابع وأنقاها وممن يتصفون بكريم الأخلاق وحميد الصفات والالتزام بالمبادئ والقيم الدينية وبالشموخ والاعتزاز بالنفس والخلو من العلل والآفات النفسية حتي يكون كل منهم عصيًّا علي الفساد والإفساد.

وهذه النقطة تعني ببساطة أن مع الجهات المصرية كل الحق في أن تقوم بفرض معايير بعينها بخصوص وظائف القضاء.. ولا يمكن حسبان هذا علي أنه نوع من التفرقة الاجتماعية بين أبناء الطبقات كما تفضل أن تصورها بعض وسائل الإعلام.

- كفالة استقلال القضاء والنيابة العامة عن سائر سلطات الدولة لضمان الحيدة والموضوعية.

- توفر الصلاحية المهنية الخاصة بالقضاة وجهات إنفاذ القانون الخاصة بمكافحة جرائم الفساد.

-حماية الشهود

التوصيات فيها مقترحات مهمة للغاية، وأعتقد أنها تعاملت مع الأمور بعقلية منفتحة، وتستلهم من الدول الأخري الكثير من الإجراءات والأفكار.. وفي هذا السياق يلفت نظري اقتراح النائب العام ضرورة النص التشريعي علي إجراءات تشجع الجناة.. عند تعددهم.. علي تقديم معلومات مفيدة للسلطات المختصة لأغراض التحقيق والإثبات.. وهو يري أن من يساعد علي هذا لابد أن تخفف عنه العقوبات أو يعفي منها.. وأن توفر له الحماية اللازمة هو وأقاربه.

وكما أنه يطالب بمحاكم خاصة لمواجهة الفساد.. فإنه يطالب بشرطة قضائية خاصة تتبع وزارة العدل يناط بها تنفيذ قرارات النيابة العامة في مرحلة التحقيق الابتدائي وتنفيذ الأحكام الصادرة في الدعاوي الجنائية ومعاونة المحضرين في أعمال الإعلان.. وهذه مسألة ليست بعيدة عن مقصده حين يقول إنه لابد من اتخاذ إجراءات تشريعية لتطبيق نظام قاضي التنفيذ في المسائل الجنائية.. لتحقيق إشراف قضائي فعال علي موظفي النيابة العامة الذين يعهد إليهم بالتنفيذ الجنائي.. لضمان جريان التنفيذ بدون تراخ أو إبطاء قد يكون سببه الانحراف في بعض الأحيان.

ويقف عبدالمجيد محمود طويلا عند اقتراح بخصوص حماية الشهود.. والضحايا.. والخبراء في قضايا الفساد.. ليس فقط لأن هذا ما نصت عليه الاتفاقية الدولية.. ولكن لأن نقطة البدء في مواجهة الفساد هي الإبلاغ عنه.. ومن ثم لابد من طمأنة أصحاب المعلومات.. وحمايتهم بكل الوسائل.. وعدم المساس بسمعة الناس.. أو انتهاك حرياتهم.

ولذا يطالب النائب العام بتجريم كل صور التهديد والابتزاز والإغواء أو الاعتداء التي يمكن أن يتعرض لها هؤلاء الذين لديهم معلومات أو يمكن أن يقوموا بدور في مكافحة الفساد.. وتطبيق برنامج كامل للحماية ابتداءً من حمايتهم من التشهير أو ملاحقتهم بتهمة البلاغ الكاذب.. وتغيير أماكن إقامتهم وعدم إفشاء هويتهم وأماكن وجودهم.. وهي مواصفات أعتقد أنها تقترب تماما من المواصفات التي تطبقها الولايات المتحدة.

بل إن النائب العام يذهب بعيدا ويقول: نوصي بتوفير قواعد خاصة للإدلاء بالمعلومات تتيح للشهود والخبراء أن يدلوا بأقوالهم علي نحو يكفل سلامتهم.. مثل السماح لهم باستخدام تكنولوجيا الاتصالات ووصلات الفيديو وغيرها من الوسائل للاتصال عن بعد.. ما يعني أنه لابد من تعديل الإجراءات الخاصة بسماع الشهود أمام محاكم الجنايات وجهات التحقيق.

وقد انتبهت كذلك إلي اقتراحه توصية بخصوص تضارب المصالح.. باعتبارها مجالا خصبا لانتشار جرائم الفساد.... وهو يقول إن لدينا ترسانة قانونية لمواجهة كل صور الفساد.. لكننا نفتقر إلي موازٍ تشريعي لنص المادة 12 من الاتفاقية التي تقول: (اتخاذ التدابير الرامية إلي منع تضارب المصالح بفرض قيود حسب الضرورة ولفترة زمنية معينة علي ممارسة الموظفين العموميين السابقين لأنشطة مهنية.. أو علي عمل الموظفين العموميين في القطاع الخاص بعد استقالاتهم أو تقاعدهم.. عندما تكون لتلك الأنشطة أو ذلك العمل صلة مباشرة بالوظائف التي تولاها هؤلاء أثناء عملهم)..

بمعني واضح، أنه لايجوز مثلا لوكيل وزارة في قطاع الإسكان أن يتحول إلي مدير في شركة مقاولات تتعامل مع الوزارة بعد أن يحال إلي التقاعد أو يستقيل.. أو أن ينتقل موظف كبير في شركة قطاع خاص إلي وظيفة لها علاقة بمهمته بعد أن يتقاعد في جهة أخري ما يؤثر علي مصالح من كان يعمل لديهم.

---

الرسالة عمل علمي فريد. والباحث شخص له حيثيته. والمضمون ثري بحيث يحتاج إلي مزيد من التعمق. والتوصيات تطرقت إلي ثغرات عديدة. ولكن هذا كله لايكفي لمواجهة الفساد أو محاصرة من يساعدونه من خلال الأوضاع والثقوب.. مواجهة الفساد لاتتحقق إلا حين ينخفض الطلب عليه بشكل عام.. أن يكون المجتمع كله أو أغلبه رافضا أخلاقيا وثقافيا للفساد.

 

 

مفيد شهاب                                                                    عبد الأحد جمال الدين

نحن نمجد الفساد.. ونرفع معدل الطلب عليه إعلاميا وثقافيا.. نقول للطامع لن تثرى الإعن طريقه.. ونبر للفقير ارتكابه لأنه لايجد ما يأكل

 

قد لايكون صدفة أن كل من يهاجم أو يسخر من الحكومة الذكية يناصر الفساد بطريقة أو بأخري.. لأنه يريد أن تبقى الإجراءات المعقدة والبيروقراطية الشرسة.. وكلها أبواب للرشاوى

الفساد ليس حكوميا فقط.. وهو ينتشر فى القطاع الخاص .. وخطورته تساوى النوع الأول.. لأن القطاع الخاص محورى فى الاقتصاد الوطنى .. والموظف فى المؤسسات الخاصة إذا فسد يجب أن يعاقب كما يعاقب الموظف الحكومى

البرنامج الانتخابى تضمن مكافحة الفساد

الترسيب.. خطر حقيقي.. إذا تعلق بإفشاء معلومات الأوراق الرسمية تفيد هذا أو ذاك فى التعاقدات الدولية.. والتسريب أيضا فساد لو استخدم الموظف العام وثائق الدولة لكى يصنع لنفسه مجدا سياسيا

 

وزير العدل                                                                      وزير الداخلية

 

وزير التنمية الإدارية

لماذا .. لانطبق فى مصر نظام حماية الشهود .. وأن نتيح لهم الإدلاء بالمعلومات عبر شاشات الفيديو.. ولماذا لانشرع قانونا يتيح للمتهم أن يعفى من العقوبة إذا ساعد جهات التحقيق فى الكشف عن جريمة فساد متعددة المتهمين ؟

رئيس المخابرات

كل الحق مع الدولة المصرية حين تختار القاضي من أوساط بعينها.. ليس فى هذا تفرقة اجتماعية.. لكى تضمن أن يكون القاضي غير قابل للإغواء.. ويطالب النائب العام بمضاعفة عقوبة القاضي أو وكيل النيابة المرتشى لأنه ليس مثل المرتشى العادى

 

عبد الله كمال

يمكنكم مناقشة الكاتب وطرح الآراء المتنوعة على موقعه الشخصى

www.abkamal.net

أو موقع روزاليوسف:

www.rosaonline.net

أو على المدونتين فى العنوانين التاليين:

http//alsiasy.blospot.com

http//:abouzina.maktoobblog.com


أو للمتابعة على موقع تويتر:

twitter.com/abkamal

Email:abk@abkamal.net








التعليقات

برجاء تسجيل الدخول حتى تستطيع التعليق
عنوان التعليق
التعليق
  • سوف يحتاج التعليق إلى موافقة المحرر قبل نشره
  • Design and Development by Microtech