أرشيف بالمصري > القراءات الخاطئه لخطاب الرئيس
25 ديسمبر 2010 2:00 م
-

 مشكلات نفوذ مصر

تحت عنوان (لماذا فقدت مصر قوتها ؟) نشرت وكالة رويتر تقريرا خاصا قبل بضعة أيام، تصدت فيه لهذا السؤال، الذي لا أوافق علي مضمونه، بدءا من التقاط المراسل لمجموعة من الملاحظات من داخل مقهي غارق في الدخان، بينما بعض رواده المصريين يتابعون مباراة مصر وقطر الودية التي جرت في الدوحة مؤخرا.

التقرير واضح من عنوانه، وبغض النظر عن ملاحظاتي علي مهنيته، وعلي أن المراسل العابر قد تصدي لموضوع جدلي معقد، لا يمكن أن يجيب عنه بدقة في عجالة مهما طالت (حوالي 2500 كلمة)، وبغض النظر عن أن هناك تعريفات مختلفة للقوة، وتعريفات متنوعة للنفوذ، فإن نقطة انطلاق المراسل كانت هي أن قطر قد تمكنت من الفوز بتنظيم كأس العالم 2022، بل وفازت علي فريق مصر في هذه المباراة الودية، وصولا إلي عقد مقارنات متنوعة مع كل من الإمارات وتركيا وغيرهما من الدول الأخري.

بالتزامن مع هذا التقرير، وفي سياق موجة التسريبات المختلفة المبعثرة من موقع (ويكيليكس) الأشهر، والمثير للجدل عالميا، فإن إحدي الوثائق الصادرة عن السفارة الأمريكية، في حدود عام 2007، تطرقت إلي أمور مماثلة، بينما كاتب التقرير - بدرجة وزير مفوض - أمعن في عقد مقارنة بين عصري الرئيس السادات والرئيس مبارك .. ومضي في التخلي عن عديد من القواعد الدبلوماسية الاحترافية وصولا إلي تحويل تقريره السياسي لمقال (في حدود 1000 كلمة) كان يمكن نشره في أي صحيفة .. بل إنني قرأت مثله في صحف مختلفة .. وانتهاء بالاستعانة برأي للكاتب جلال أمين اعتبر فيه أن مصر كانت تعيش في ازدهار ملحوظ في عصر السادات (!!)

ربما يكون هذا الدبلوماسي قد استمع إلي مسئول هنا أو هناك، ونقل عنه هذه العبارة أو تلك، لكنني مندهش بالفعل من أن تكتسب تلك التقارير صفة السرية .. أو أن تسجل في دفاتر مراسلات سفارة إلي بلدها.. باعتبارها مادة سياسية يعتمد عليها في تقييم الأمور.

هذه كانت ملاحظة علي الهامش، لكن إذا عدنا إلي لب الموضوع، فإن مسألة نفوذ مصر، ووضعها الداخلي وتأثيراتها الإقليمية، هي أمور مطروحة علي ذهنية الرأي العام في مصر، خصوصا أن الحديث السلبي عما يوصف بأنه تقهقر؛ هذا النفوذ هو إحدي أدوات المعارضة المصرية - بمختلف صفاتها وتياراتها - في جدل التنافس السياسي الداخلي .. ولاشك أن رسائل هذا الملف شديدة السلبية قد توزعت علي نطاق واسع .. وصارت راسخة في أذهان البعض .. في ضوء أمرين: الأول أنه لا توجد رسالة بديلة تشرح للناس معني «النفوذ».. لكي نقيس إن كان قد تقلص أم لا .

والثاني هو أن الإقليم بالفعل يشهد صعود عدد من الكيانات والدول التي تقول كل منها إما أن لديها نفوذا أو أنها تسعي إليه.

- الطموح والقدرة

الحديث العلمي في هذه المسألة يقودنا إلي معضلة جوهرية في مجتمعنا، توصيفها كما يلي: المصريون طموحون جدا، لكن الغالبية لا تريد أن تدفع أعباء هذا الطموح.

المصريون لديهم إحساس مفعم بالمكانة التاريخية، لكن الغالبية تأسرها الثقافة الأصولية ولا تسعي إلي التعامل مع متغيرات الحاضر وضرورات العصر.

المصريون يريدون أن يقودوا العالم وليس الإقليم وحده، ولكن الغالبية لا تصنع طلبا متزايدا علي التطوير.

ومن ثم فإن النخبة تقع عليها مسئولية تاريخية ..النخبة التي هي أقلية بمعناها الريادي والقيادي والنخبوي .. الأقلية التي تختلف عن عموم الناس، والتي يمكنها أن تري وتضع أفكارا وتتصدي لعمل تطويري .. ومن هنا تكتسب شرعيتها .. لأنها تتصدي لمطالب عامة وتدفع من أجل أحلام قومية .. لا يمكن لعموم الناس أن تقبل تبعاتها .. فضلا عن أنه ليس من مسئولية الجمهور أن يتصدي هو للمبادرات الواجبة لتحقيق الأحلام البعيدة .. بل إن الجمهور الذي يريد التطوير غالبا ما يعطله ويرفضه.

مثال بسيط: في مصر عدد كبير من العشوائيات تحيط بعديد من المدن، يعيش في هذه المناطق ملايين من البشر الذين لاترضي أحوالهم بقية المجتمع، بل تهدد مشكلاتهم المجتمعية (جريمة، مخدرات، بطالة.. إلخ) هؤلاء الذين يعيشون في مناطق أخري .. غير أن الطلب علي تطوير تلك العشوائيات لا يمكن أن تستشعره من عموم الشعب.. ودائما ماتأتي المبادرة من النخبة الحاكمة .. بل إن معوقات التطوير تصدر من فئات مختلفة في المجتمع حين يتعلق الأمر بأي مساس بتلك العشوائيات .. وأحيانا من الصحافة ووسائل الإعلام التي يفترض فيها أنها تتقدم صفوف الطلب علي الإصلاح.

في نفس السياق: هل يقبل المجتمع إزالة منطقة عشوائية ما وترحيل ساكنيها أو تعويضهم ؟ الإجابة هي النفي .. بل إن سكان تلك المناطق سوف يبادرون إلي الرفض وتحدي السلطة إن قررت إخراجهم مما يقبعون فيه .

وربما دافع عن بقائهم فيما هم فيه عدد كبير من الذين يتحدثون يوميا عن الخطورة الآتية من تلك العشوائيات !!

هل يمكن أن يقبل السكان الإقامة في مناطق بديلة مقابل تحويل هذه المنطقة العشوائية، أو تلك.. فهي مناطق كثيرة، إلي موقع استثماري مختلف ويدر عوائد بالمليارات نظرا لارتفاع قيمة الأرض ؟ بالطبع لا .. وسوف تثور شائعات مهولة حول أن هناك مليارديرا ما مستفيد من التطوير .. وسوف يقال إن الغلابة يدفعون ثمن ثراء فئة قليلة من الناس .. وسوف يرفض الجمهور أن يسكن المقيمون في العشوائيات في أي منطقة جديدة بنيت علي تخوم الصحراء لأنهم اعتادوا الاستقرار في عشش الصفيح داخل أحياء المدينة .. وسوف تبدو الأكواخ المعدمة نعمة لا يمكن الاستغناء عنها.. وإلا لماذا لم تتمكن حكومة الدكتور أحمد نظيف حتي الآن من التعامل سريع الإيقاع مع منطقة ماسبيرو؟!

 - أعراض وأمراض

قبل أن نمضي بعيدا، وقبل أن نعود إلي عمق مسألة النفوذ، سوف أتوقف أمام بعض الظواهر في المجتمع .. تلك التي أعتقد أنها تعرقل أي تطور أو تعوق اكتماله إن بدأ:

- الحنين اليساري: ذلك التوجه الذي يضرب الكثير من العقول خلف شعارات براقة، تأثرا بارتباط هذه الثقافة اليسارية بفترة تاريخية كانت عامرة بزخم مهول في الستينيات .. واعتقاد عدد من الناس أن هذه التوجهات اليسارية كانت سببا في الزخم .. وانتماء عدد كبير من الكتاب والمثقفين لتلك المرحلة .. لدرجة تجعل بعضهم يصر علي ترديد شعاراتها حتي اللحظة، حتي وهو يعمل في سياق مناخ مناقض ليسار الستينيات.

اليسار في حد ذاته ليس عيبا أو كفرا، لكن العدالة الاجتماعية ومعاونة الفقراء علي تحديات الحياة ليس مرتبطا باتجاه سياسي بعينه، والأهم أن اليسار قد تطور في العالم بطريقة مذهلة وترك اليساريون المصريون في غياهب أحلام الستينيات .. بل وانطلقت دول يسارية بطبعها وطبيعتها إلي سلوك مناهج يمينية لتحقيق الفائدة كما هو الحال في الصين .. وفوق ذلك فإن الزخم الستيني لم يكن مرتبطا فقط بهذا العامل وحده وإنما بأمور أخري .. ولو كان عبدالناصر مثلا علي قيد الحياة لكان قد غير مناهجه وبدل أساليبه استجابة لمقتضيات العصر .. مرة أخري انظر إلي الصين أكبر دولة شيوعية معلنة في العالم.

- التفكير العاطفي غير العملي: وهو نوع من التفكير يقود إلي الانجراف وراء الأمنيات بدون تخطيط، والانسياق وراء أحلام بدون تقدير تبعاتها، والهبوط مع سيول من التوهمات بدون تقدير الإمكانيات التي سوف تسهم في تحقيقها.

نحن نريد شقة في عمارة فخيمة بدون أن نكون قادرين علي ثمنها.

الطالب في كلية الطب يحلم بالعيادة والعربية والعروسة والعزبة (حروف العيون الكثيرة) بدون أن يربط هذه الأحلام بتطوير مهني وقدرة مالية.

الكثير من المصريين يريد أن تنظم مصر كأس العالم بدون أن يقترحوا علي الحكومة سبل التمويل وتغطية التكاليف أو حتي إعلان الاستعداد من أجل تحمل سلبيات وآثار جانبية ضاغطة علي الميزانية.

بل إن فينا من يتساءل: وأين قنبلتنا النووية من غير أن يتوقع التكاليف المالية والسياسية والبشرية والأمنية؟!

والمشكلة أن تلك ليست أعراضا يعاني منها الجمهور وحده .. بل مشكلة قطاعات من النخبة المثقفة .. التي يفترض فيها أن تكون قائدة .. وأن تدفع الناس إلي تفكير منطقي وعملي .. وأنها حين تسوق الأحلام لابد أن تقول كيف يمكن لنا أن نحققها بدون خسائر. 

- عدم قبول الجديد وضرورة تمرير أي تطوير بهدوء: وهذه المشكلة ذات الوجهين هي أحد أهم معوقات الإصلاح في البلد .. كل الأطراف مهما علا قدرها أو انخفض شأنها إنما ترغب في أن تحافظ علي مكتسباتها بدون أي مساس..

المركزيون لا يريدون تفويض سلطاتهم للمحليات.

المنتمون للقطاع العام لا يرغبون في أي إصلاح له يخليه من أعبائه.

المدعومون بأموال الميزانية لايريدون أن يمس ما معهم أي أحد حتي لو اغتنوا فعلا وصاروا لايستحقون الدعم.

هذا من ناحية رفض الجديد مصلحيا، ومن ناحية أخري فإن الجديد يُرفض ثقافيا لأن غالبية المصريين يتوجسون منه .. يعتقدون أنه شر .. يظنون أنه سوف يغير شكل الحياة التي استقروا عليها .. لا يمكن احتمال التغيير .. ويظن الكثيرون بفهم خاطئ للدين أن كل جديد هو ابتداع .. في حين أن نص الحديث النبوي يقول إن كل (محدثة بدعة) .. وهو أمر مختلف تماما.

- القراءات الخاطئة للمتغيرات والمؤشرات: ذلك أن التفكير العاطفي، وغير العلمي يقود غالبا العقل إلي ما يتمناه وليس إلي ما يفترض أن يكون .. وفضلا عن السطحية التي قد تميز منهج فئات منا .. لا تتبع قاعدة إعمال العقل .. وتفضل إبقاء تلك العضلة في حالة كسل بلا عمل مرهق .. فإن طبيعة الثقافة العامة ونقص المستوي التعليمي تؤدي بالكثيرين إلي رفض مبدئي للحقائق التي تكشف نفسها بنفسها .. وإلي عدم التحليل الدقيق للأمور .. وإلي تجاهل الظاهر من المتغيرات.

علي سبيل المثال قرأ الكثيرون في مصر عمليات تدخل الدولة في دول أوروبا الغربية لإنقاذ المؤسسات المالية المنهارة نتيجة الأزمة الاقتصادية الدولية علي أنها عودة إلي عصور اليسار .. في حين كان ذلك نوعا من حماية المقومات الذي لا يعني أولا أن التدخل هو تأميم.. كما لا يعني ثانيا أن الإجراءات الحكومية قد ألغت القطاع الخاص .. لقد قال جمال مبارك تعليقات مبكرة وواضحة حول ذلك في مطلع الأزمة الدولية.. وقد أثبتت الأيام أن التصورات الأولي لليساريين لم تكن صحيحة .. وأن اليمين إلي صعود جديد في العالم الغربي .. بل اليمين المتطرف.

وكمثال آخر فإن الكثيرين مازالوا أسري أن روسيا هي خصم حقيقي للولايات المتحدة .. ومازالوا يعتقدون أنه سوف يأتي يوم قريب تعود فيه روسيا قطبا موازيا .. وأنه يمكن للصين أن تخوض نزاعا سياسيا مستطيرا تجاه العالم الغربي .. في حين أن كل القراءات تقول إن روسيا حتي وهي تحافظ علي نديتها إنما تمضي إلي مزيد من التفاعل المصلحي مع الغرب .. وأن الصين لن تضحي أبدا بتراكمها المالي مقابل خوض معركة لا طائل منها مع الغرب الآن .. وربما لمدة ثلاثين عاما أخري .

- خطاب الرئيس

ظاهرة القراءات الخاطئة تلك تقودنا إلي الجزء الثالث من هذا المقال قبل أن نعود مجددا إلي موضوع النفوذ مرة أخري.

ذلك أن الخطاب المهم الذي ألقاه الرئيس مبارك في افتتاح الدورة البرلمانية بداية الأسبوع الماضي قد حظي بتعليقات مختلفة .. كان من المدهش أن كثيرا منها لم يلتقط رسائله الواضحة وعباراته الصريحة .. بل إن بعض القراءات كانت مناقضة لمضمونه برمته .. بطريقة لا أريد أن أقول إنها متعمدة .. ولكن نتيجة لأن العقل المستقبل لا يحتمل ما تضمنه الخطاب من معان جديدة ولافتة.

نقف أمام الخطاب وما نعتقد أنه القراءة الصحيحة له..لأكثر من سبب:

- شكليا: إنه الخطاب الثالث بين أربعة خطابات كان علي الرئيس أن يدلي بها خلال خمسة أسابيع .. الأول كان موجها إلي الاجتماع السابق علي الانتخابات لقيادات الحزب الوطني يوم 10 نوفمبر .. والثاني كان موجها للهيئة البرلمانية لنفس الحزب يوم 12 ديسمبر .. والثالث كان هو الموجه علي المستوي القومي في الجلسة المشتركة لمجلسي الشعب والشوري يوم 19 ديسمبر.

والرابع هو الذي سوف يلقيه اليوم أمام المؤتمر السنوي للحزب ذاته..

- سياسيا: إنه الخطاب الأول الذي يلقيه الرئيس مبارك أمام مجلس الشعب بتكوينه الجديد، وأغلبيته الكاسحة للحزب الوطني، وأقليته المعارضة التي تحيطها تساؤلات مختلفة حول مدي قدرتها علي أن تعبر عن وجود التعددية .. ومن ثم فإن هذا المجلس منوط به مهمات وتحديات وعليه أن يلبي احتياجات بعينها .. كانت تعوقه عنها عمليات إهدار الوقت في المماطلات المفتعلة من معارضة اعتراضية تعريضية - علي حد وصف النائب أحمد عز أمين تنظيم الحزب الوطني لتلك المعارضة في مقالاته المنشورة بالزميلة الأهرام أيام الخميس والجمعة والسبت.

- مضمونا: إن الخطاب يمثل نقطة تحول حقيقية، وتعبيرا عن توجه محدد، وتجسيدا لتغيير سوف يكون ملموسا، إذ بينما كان الكثيرون يتوقعون حدوث تغيير لم يشر إليه أحد في تركيبة الوزراء .. فإن الخطاب عبر عن تغيير أبعد من تعديل وزاري .. تغيير في منهج التفكير .. وفي حسم المواقف باتجاه منحي بعينه.

انطلاقا من النقطة الأخيرة أقول إن هذا التغيير الملموس الذي ورد في سطور خطاب الرئيس، وليس بينها أو تحتها، إنما عبر عن بدء مرحلة جديدة، تعني ضمن ما تعني ما يلي:

1 - إن التوجهات الجديدة المتضمنة في الخطاب إنما تسبق التوجه السياسي المعلن لعدد من الوزراء أصحاب التوجهات المحافظة في الحكومة، وربما بعض التوجهات في الحزب الوطني، مايعني أمرا من اثنين .. إما أنهم سوف يتمكنون من التواؤم مع هذه المتغيرات الواردة في خطاب الرئيس .. أو أن تلك التوجهات سوف تفوتهم.

2 - إن الخطاب يصر علي المضي قدما إلي الأمام، وأنه لا التفات إلي الوراء، وأن كل الأحاديث المتداولة حول أرقام النمو ومدي احتياج الناس لها من قبل الرافضين أيديولوجيا لها .. ليست ذات قيمة .. وأن هذه الأرقام هي متطلب حقيقي من أجل الإمساك بالإنجاز .. وأن الرئيس يتجاهل من يسخرون من تلك الأرقام .. بل يحدد للحكومة وأمام مجلس الشعب هدف الـ 8% خلال السنوات الخمس التالية .. تعبيرا عن البرنامج الانتخابي المعلن من الحزب.

3 - إن إقرار الرئيس بوجود الاختلافات وأهميتها، وبما في ذلك داخل الحزب الوطني، وهي المرة الأولي التي يشير فيها إلي وجود تلك الاختلافات في الحزب .. لا ينفي أن الرئيس أعلن انحيازه إلي توجه اقتصادي بعينه .. ومنهج سياسي بذاته .. يحظي بالتعضيد يوما تلو آخر .. مع التأكد من جدوي توجهاته وأهمية إنجازه .. وضرورة البناء عليه .. استنادا إلي ما تم ويتم.

هل هذا تحول في فكر الرئيس وأيديولوجيته السياسية؟

الإجابة التي أراها أن الرئيس لا ينحو تجاه أيديولوجية ما لأسباب اقتصادية وإنما لأن هذا البرنامج أوغيره يحقق المصلحة العامة في تلك المرحلة أو غيرها.

في هذا السياق نجح الأمين العام صفوت الشريف في أن ينظم ويدير حوارا حزبيا فعالا بين مختلف تيارات الحزب، بعد أن كان الأمر السابق عليه صراعا.

4 - إن الحديث المتكرر عن العدالة الاجتماعية لا يعني تمجيد الفقر، والانحياز إلي الفقراء لا يعني أن علي البلد أن يكون كله فقراء .. وإنما واجب الأداء التنفيذي وظهيره الاجتماعي أن يخلص الفقراء من فقرهم .. وأن يمنع الآخرين من أن ينجرفوا إلي الفقر هبوطا من أدني سلم الطبقة الوسطي .. وفي ذلك أري مبارك رئيسا لكل المصريين .. وليس رئيسا لفئة دون غيرها .. وأن مساندته للمحتاجين لا تعني أن علينا جميعا أن نرتضي بالفقر .. وأن نمجده كما لو أنه قيمة إيجابية .

5 - إن هذا كله يضع علي كاهل الأغلبية الكاسحة في مجلس الشعب للحزب الوطني واجبات عظيمة ومسئوليات جسيمة، ومنوط بها أن تحدث هذه النقلة النوعية .. ليس فقط لأن تلك الأغلبية جاءت علي أساس برنامج انتخابي محدد وعبر عن توجهات الرئيس .. ولكن أيضا لأن تلك الأغلبية تنتمي في معظمها إلي التوجه الذي عبر عن الخطاب في ما بين تيارات الحزب.

الخطاب بإجماله، وعلي تنوع تفاصيله، والقضايا التي تطرق لها، يضع يده علي مسائل محددة .. بعضها جاءت نصا وبعضها جاءت في المعني:

-إن الرئيس لايعبر عن انحياز أيديولوجي، وإنما عن انحياز مصلحي، يؤدي إلي تحقيق الأهداف التي تفيد التطوير وتنمية المجتمع .. بمعني أنه لا يمكن القول أن هذا خطاب يتجه إلي اليمين حين يتحدث عن ضرورة إفساح الطريق للقطاع الخاص .. كما أنه لا يتجه لليسار حين يعطي أهمية للعدالة الاجتماعية .. وإنما هو يوجه الجهود ناحية تحقيق المصلحة بالأساليب المثالية التي تؤدي إليها .. وبدون إخلال بالتوازن.

- ترسيخ وتعزيز الدور المحدد للدولة وفقا للمضمون الدستوري .. باعتبارها دولة تحفز وتنظم وتراقب .. ولكنها لا تنغمس في الأعمال .. ليس فقط لأنها لا ينبغي أن تقوم بذلك .. ولكن أيضا لأنها إذا ما قامت بذلك إنما تحتاج إلي تمويل غير متوافر .. وإذا ما استدانت الدولة فإنها سوف تتعرض إلي عجز يؤثر سلبيا علي ميزانيتها.. وهو أمر أفاض في شرحه كثيرا وزير المالية.

إن من بين أهم ما قاله الرئيس هو توصيفه لدور الأصول المملوكة للدولة بأنه (مكمل) للقطاع الخاص، مايعني أن الأخير هو الذي يقود عملية التنمية، وأنه إذا كان فيما سبق هناك دور رئيسي للقطاع العام، فإن هذا لم يعد موائما للمتغيرات العصرية.

- إن الاستثمار هو الهدف، وإن الإنفاق علي هذا الاستثمار هو الذي يقود إلي التشغيل، ما يعني توفير مزيد من الوظائف .. وإن المقصد هو تحقيق أرضية ومناخ يؤديان إلي جذب مزيد من الاستثمارات .. التي سيكون دورها هو إقامة مزيد من المشروعات .. ما يحقق النهضة التي تسعي إليها مصر .. وكأني بالرئيس الذي قال من قبل إن (التصدير قضية حياة أو موت) يتعامل مع قضية جذب الاستثمارات بنفس المقياس.

وفي هذا السياق، وإذا كان العالم الغربي يعاني من أزمة اقتصادية خطيرة تضرب آفاقه وخزائنه .. إلي درجة تجعل بعض دول أوروبا تطرح سندات لا تجد من يشتريها .. فإن مصادر التمويل المتاحة عالميا للاستثمارات الآن هي في الصين والخليج العربي .. وإذا كان أشقاؤنا العرب أقرب فإن المهمة التي فتح لها الرئيس الطريق تقتضي مزيدا من العمل والتحفيز وإتاحة الفرص أمام الأموال العربية في مصر. 

- إن الرئيس ركز علي قضية جوهرية تقف عائقا أمام جذب مزيد من الاستثمارات، ألا وهي التعامل مع أراضي الدولة، وإتاحتها للاستثمار، ولابد أن تفكيرا جديدا سوف يعبر عنه القانون الذي يتم إعداده حاليا بخصوص ذلك .. وكمراقب فإنني أتمني ألا يصادف هذا القانون معوقات تقليدية تعرقل عمليات توزيع الأراضي بطريقة قانونية وغير فاسدة تثمر استثمارا ولا تعطل عملا.

- معني النفوذ

نعود إلي المقصد الرئيسي من هذا كله، أو مسألة النفوذ .. تلك التي تشغل المصريين .. وتلهب مخيلاتهم .. وفي ضوء ما فهمته من مضمون الخطاب وفق ما أعتقد أنه القراءة الصحيحة.

إن النفوذ ليس هو أن نسعي إلي تنظيم كأس العالم لكرة القدم .. كما فعلنا من قبل .. وإن كنت أري أنه حلم لم يكن قد حان وقته في حينه .. بل لم يحن وقته حتي الآن .. بغض النظر عن أن الشقيقة قطر قد فازت بدورة 2022 .. كما أن النفوذ ليس هو أن نسعي إلي تنظيم دورة أوليمبية .. حتي لو كان ذلك حلما يمكن أن ندفع وراءه طاقة المصريين .. النفوذ الحقيقي هو أن تتطور حياتنا .. وأن تتحقق العدالة فيما بين فئات المجتمع .. أن يكون استقرارنا محميا بالقدرة لا الرغبة .. أن يصونه اقتصاد يقوم علي العمل لا الكسل .. والعلاقات العادلة وليس الأفكار المتخاذلة.

النفوذ هو أن ننتبه إلي أن القوة الشاملة لا تقوم علي عنصر واحد .. بل منظومة كاملة من المقومات: القدرة السكانية - القدرة العسكرية - القدرة السياسية - القدرة الاقتصادية- القدرة الثقافية .. وبحيث لا يختل أي مقوم منها لصالح آخر .. إن كوريا الشمالية لديها قدرة عسكرية لكن هذا لا يعني أنها صاحبة نفوذ .. كما أن تركيا لديها قدرة اقتصادية وسياسية وسكانية مهولة، لكن هذا لم يوفر لها نفوذا سياسيا واسعا في إقليم الشرق الأوسط .. ولدي إيران كل تلك المقومات ولكنها جميعا مقومات مبتسرة أو موجهة بشكل غير سليم وبما قد يدمرها كلها.

النفوذ أيضا ليس هو التفلطح علي الطريقة الناصرية في حرب اليمن ومواجهة الأسر الخليجية الحاكمة كما كان يحدث في الستينيات .. وهو ليس المغامرات العسكرية غير مضمونة العواقب .. وإنما هو مواجهة التحديات المتنوعة التي تفرض نفسها .. وحماية وحدة المجتمع .. وضمان المعني الداخلي للتماسك والنهوض لكي يتحول هذا التأثير التاريخي إلي فعل خارجي متسع .. علما بأن الدول لا تقوم بفعل خارجي من أجل أن تقوم به فقط وإنما لكي تحقق مصالح تفيد شعبها .. مصالح ملموسة وليس لمجرد دغدغة المشاعر وتحقيق ترضيات عاطفية.

- محافظون ومتحفظون

أتصور أنه لكي نكون علي قدر أحلامنا، وعلي قدر تصوراتنا للنفوذ الإقليمي علينا أن نحسم مجموعة من المسائل التي تقود إلي إثمار الإصلاح وازدهار نتائج التطوير .. ولننظر مثلا وفي ضوء خطاب الرئيس إلي ما يلي من أمور:

- الرئيس أفسح الطريق للقطاع الخاص المصري، وأتاح توجها لجذب مزيد من الاستثمارات، فإلي أي مدي سوف تستجيب الرأسمالية الوطنية .. وهل سوف تقلص استثماراتها الخارجية بحيث تدفع بمزيد من الأموال إلي داخل مصر .. أم أنها سوف تستمر في حالة بعثرة عبر الحدود حيث تواجه مشكلات مهولة .. ولنا أن نتخيل لو أن مجموعة أوراسكوم تتعرض في مصر لمثل ما تتعرض له في الجزائر.

- هل سيكون المتحفظون اقتصاديا، ولا أصنفهم علي أنهم محافظون بالمعني اليميني، قادرين علي أن يمنعوا معوقاتهم وعراقيلهم في طريق هذه المرحلة الجديدة من الانفتاح الاقتصادي .. إلي أي مدي يمكن أن يحركوا بيروقراطيتهم لكي تضع عقبات أمام تحرك الاستثمارات ثم يدافعون عن تصرفاتها باعتبارهم أحرص علي مصالح البلد من الآخرين ؟

- هل سوف يكون مجلس الشعب قادرا علي أن يتعامل بإيجابية مع موضوعات مؤجلة رغم إلحاحها، مثل ملف الدعم، الذي يمكن أن يوفر مبالغ طائلة من أجل ميزانية التعليم وحماية الصحة العامة، أم أنه سوف يستسلم بدوره إلي حنين يساري يعطي لمن يستحق ولمن لايستحق .. هل سيملكون الجرأة عند مناقشة الميزانية علي أن يتخذوا قرارات محددة تنهض بما نريد من أعباء وتوفر مدخولا لبنود تعاني الشح المالي في الميزانية.

- هل سيكون المجتمع قادرا علي أن يتبني ثقافة جديدة .. تقوم علي العمل لا الكسل .. ثقافة تؤمن بالعمل الحر .. وترحب بالمبادرات الفردية .. هل سيقوم المجتمع بما هو منوط به من مسئوليات .. أم أن عليه أن ينتظر .. وحين يأتيه الإصلاح فإنه يرفضه ويعترض عليه ويتحصن دفاعيا ضده.

---

إن النفوذ بمعناه الحقيقي لا يمكن أن ينمو للدولة بدون أن تكون الرغبة الحقيقية في التطوير هي متطلبنا جميعا .. وبدون أن يكون الطلب علي التغيير شعبيا .. وبدون أن نكون جميعا قادرين علي أن نتحمل أنصبتنا في أعباء ومسئوليات هذا التطوير .. وإلا سوف نظل جميعا نتحدث عنه ونحلم به .. ونتأسي علي ما حولنا.


عبد الله كمال

يمكنكم مناقشة الكاتب وطرح الآراء المتنوعة على موقعه الشخصى

www.abkamal.net

أو موقع روزاليوسف:

www.rosaonline.net

أو على المدونتين فى العنوانين التاليين:

http//alsiasy.blospot.com

http//:abouzina.maktoobblog.com


أو للمتابعة على موقع تويتر:

twitter.com/abkamal

Email:abk@abkamal.net








التعليقات

برجاء تسجيل الدخول حتى تستطيع التعليق
عنوان التعليق
التعليق
  • سوف يحتاج التعليق إلى موافقة المحرر قبل نشره
  • Design and Development by Microtech