أرشيف بالمصري > الأسئلة الكبري في الانتخابات المصرية
4 ديسمبر 2010 2:00 م
-

 لم أندهش أبدا لأن (التنظيم غير الشرعي) للإخوان قد خسر كل ما حاول السعي إليه في انتخابات 2010. لقد كتبت في مارس الماضي عن الأسباب التي سوف تقود (الجماعة المحظورة) إلي الخروج من (النعيم البرلماني)، وعنونت مقالي بـ (خدمات الإخوان للحزب الوطني)، وكتبت في أكتوبر 2009 عن (انفجار الإخوان) والأسباب التي ستؤدي إلي مشكلات سياسية معقدة لهذا (الكيان غير القانوني).. وفي أعقاب حرب غزة في بداية العام الماضي تنبأت بأن المواقف التي تبناها الإخوان ضد مصر في الحرب سوف تنقلب عليهم لاشك في ذلك.

قالت ناشطة إخوانية لإحدي المراسلات الأجنبيات يوم الأحد الماضي (الناس الذين يصوتون لنا ونكسب بهم الانتخابات لم يخرجوا.. أصواتنا وحدها لاتكفي). هذا الإيجاز الصادق هو أحد الأسباب التي أدت إلي خروج (التنظيم غير الشرعي) بخفي حنين من المعركة رغم ترشيح 231 منه بقصد الحفاظ علي أية نسبة من الـ 88 مقعدا التي حصلوا عليها في انتخابات 2005.

وفي يوم الأحد الماضي، كانت غرفة عمليات الحزب الوطني تنتظر في ترقب موجات التصويت المعروفة عن الإخوان قرب الساعة الثالثة أو قرب الساعة الخامسة، لكن أيا منها لم يصل أبداً.. كما لو أنهم قد تخلوا عن التصويت لأنفسهم.

غير أنه يظل تفسير حدوث هذه الخسارة هو أحد أهم الأسئلة الكبري في الانتخابات المصرية التي لم تنته بعد.. ولأن الإجابة عنه معقدة وطويلة، ولأن (الجماعة) لا تريد أن تعترف بأنها تعاني من كارثة تاريخية، فإن هناك من يميل إلي أن تفسير الأمر علي أنه (مؤامرة مدبرة)، وعلي أنه (عملية تزوير واسعة النطاق). لقد تعضد تسويق هذا (التفسير المؤامراتي) مع اضطرار الإخوان إلي إعلان الانسحاب من المعركة قبيل أربعة أيام من بدء جولة الإعادة.

السؤال الأول : لماذا ''انسحق'' الإخوان؟

 خسروا هذه المعركة حين أيدوا انقلاب حماس ووقفوا ضد مصر في حرب غزة وعرضوا التطوع في حرب لبنان.. وعندما انهاروا من الداخل وتصارعوا علنا علي المقاعد

لا يمكن القول أن هناك خطة.. ولكن يمكن القول أن قوي مجتمعية وسياسية مختلفة أدركت خطورة الدور الذي يمكن أن يمارسه المنتمون لهذا التنظيم «غير الشرعي» علي الحياة المدنية، ومن ثم علي الديمقراطية وعلي مستقبل الدولة. ما استحث جهودا سياسية وقانونية مختلفة لتقويض هذه الظاهرة التي تمثل خطرا استراتيجيا علي المجتمع وأمنه القومي انطلاقا من استغلالها المقاعد البرلمانية.

التناقض الجوهري بين أن يكون الإخوان أعضاء في تنظيم (غير شرعي) ويحتلون مواقع في مؤسسات (شرعية)، يكفرونها ويرفضونها ولايؤمنون بها، لم يشكل مأزقا فقط للنظام العام.. بل مثل مشكلة حقيقية للجماعة نفسها بدورها.. بدءا من أنها لم تستطع أن تستوعب حقيقة أنها تمارس (العمل العام) في حين أنها (كيان سري) يقوم علي تعقيدات في الظلام وعلاقات لا تعرف النور.. وصولا إلي أنه صار علي أعضاء البرلمان منها أن يوهموا أنفسهم والآخرين بأنهم يتبعون قواعد (الديمقراطية) والقانون علنا، بينما عليهم أن يخضعوا لقاعدة (السمع والطاعة) فيما بين ظهرانيهم.

هذا الفصام العنيف، لم يتجسد بذات الحجم من قبل، حين التحق في أكثر من مرة أعضاء من الجماعة بمواقع البرلمان، سواء مرة علي جناح حزب الوفد أو علي جناح حزب العمل في مرة ثانية، ذلك أن العدد الممثل لهم لم يكن بهذه الضخامة، كما أن الحالة المصاحبة لوجودهم في البرلمان لم تكن بنفس الزخم.. والعوامل الدولية لم تكن بنفس القدر من التأثير.. إذ ترافق مع دخول الإخوان إلي برلمان 2005 انطلاق مشروعات التغيير الديمقراطي علي الطريقة الأمريكية في الشرق الأوسط.. ما أوهم بعض القوي الخارجية والداخلية أنه يمكن للإخوان أن يكونوا بديلا في مصر.. وهو ما صدقه الإخوان أنفسهم.

--

داخليا اعتقدت الجماعة أنه يمكنها أن تحرك نوابها في البرلمان بطريقة تقليدية معتادة تجعل منهم أدوات في يد التنظيم، دون أن تنتبه إلي أن الصفة البرلمانية قد منحت أولئك الأعضاء مكانة تفوق شيوخهم في الجماعة نفسها.. ما أدي إلي فجوة.. لم يكن من السهل تجاوزها وفق قواعد التنظيم التي تجبر الجميع علي الخضوع لمكتب الإرشاد.. ومن ثم أدت الصفة البرلمانية إلي ظهور قيادات لم تمر بنفس القنوات والسبل التي تمر بها القيادات العادية.

للتدليل علي تأثير هذا الأمر، يمكن الانتباه إلي أن محمد سعد الكتاتني الذي كان رئيسا لكتلة الإخوان في البرلمان لم يكن له أن يصبح عضوا في مكتب الإرشاد طيلة عمره لولا صفته البرلمانية.. كما أن مجموعة النواب كانت هي التي قادت رفض مقاطعة الانتخابات في 2010 لأنها تريد أن تحافظ علي مواقعها.. في حين أن أغلبية كبيرة في الجماعة كانت تري عكس ذلك وتدعو إلي المقاطعة.. وقد وجد الإخوان - لنفس السبب - معضلة كبيرة من نفس مجموعة البرلمانيين حين كانوا بصدد اتخاذ قرار الانسحاب من انتخابات الجولة الثانية الذي صدر يوم الأربعاء.

وبينما اعتقد كثير من المحللين أن الوجود البرلماني للإخوان سوف يؤدي بهم إلي مكانة سياسية متنامية، وبينما انتشي الإخوان بمثل هذه التحليلات، فإن الجماعة نفسها اندفعت إلي مجموعة من المواقف والتصرفات النابعة من حالة (سكر سياسي)، أدت بها إلي ارتكاب أخطاء متنوعة.. أظهرتها بشكل كثيف أمام الرأي العام، وحتي المتابعين في الخارج، باعتبارها تفتقد المقومات المطلوبة للعمل السياسي المقبول.

في هذا السياق، بادر مرشد الإخوان السابق إلي تصريح شديد الخطورة والدلالة حين شتم البلد، وقال في حوار شهير: (طظ في مصر)، مؤيدا فكرة أن يكون حاكم مصر غير مصري، وهو موقف لم يمر أمام الرأي العام، ومن ثم اندفعت مجموعة من شباب الجماعة إلي تنظيم العرض العسكري الميليشياوي في رحاب جامعة الأزهر، ومن بعدها فإن مرشد الإخوان وبعد أشهر من وصول تلك المجموعة للبرلمان قال إنه مستعد إلي إرسال عشرة آلاف متطوع للحرب مع حزب الله ضد إسرائيل في جنوب لبنان، وتوافقت مع هذا تصريحات متكررة قالت بها أصوات إخوانية مختلفة بشأن العلاقات مع إسرائيل وإمكانية أن تقوم الجماعة بقطع العلاقات مع الدولة العبرية حين تصل إلي الحكم. 

 كان العام التالي لبدء الفصل التشريعي في 2005 مفصليا في هذا السياق، ففي 2006، اعتقد الإخوان أنه قد اقترب قطاف الحكم، ومن ثم انجرفوا إلي مجموعات من المواقف المتوالية التي أثارت صخبا هائلا يناقض ميل المصريين إلي الاستقرار، وبُعيد الاستعراض العسكري في الأزهر والمواقف السابقة فإن الجماعة وقفت وراء الأزمة الكبري للقضاة.. وتبنتها ومضت في تصعيدها إلي آخر نقطة.. ما أدي ليس فقط إلي استثارة قلق الرأي العام.. ولكن إلي خسران أكيد لأي نوع من التفهم - ولا أقول التأييد - من مجموعات متلاحقة من القوي الاجتماعية.. ولاشك أن القضاة قد فهموا جيدا دور الإخوان فيما لحق بهم من تلك الأزمة.

وفي حين أن أمواجا من الشباب المتحمس قد هجمت علي تنظيم الإخوان، بعد انتصاره البرلماني الكبير، راغبة في الانضمام إليه، ما أدي إلي انزعاج قوي مدنية سياسية، فإن هؤلاء الشباب مثلوا ضغطا كبيرا علي التنظيم.. رغم الترحيب بهم.. أولا لأن هذه الأعداد كسرت في ضخامتها القواعد الرتيبة المتبعة في انتقاء العضوية.. وثانيا أن كثيرا من أولئك الشباب تبين لهم بمجرد الاقتراب من الإخوان حقيقة التناقض الفادح بين المعلن والواقع.. ومن ثم فإن الكثيرين منهم انسحبوا وتحولوا إلي مشكلة مزعجة للإخوان.

تزامن مع هذا أن الجماعة اعتقدت أن بإمكانها أن تستفيد من تطور تكنولوجي له دور سياسي، مع تزايد الإقبال الشبابي علي استخدام الإنترنت وسيلة للتعبير، واعتقدت الجماعة أن المضمون الثوري في المدونات والصفحات المختلفة يمكن أن يؤدي إلي زيادة حجم الغضب في المجتمع ما يفيدها بشكل أو آخر.. غير أن هذا أيضا انقلب عليها لأن الشباب الذين استخدموا تلك الأدوات لم يخضعوها بالكامل إلي سيطرة الإخوان وراحوا هم أيضا ينتقدون الجماعة وأساليبها.. وهو ما يخالف طبيعتها.

الأداء البرلماني للإخوان، الذي قام علي مجرد الاحتجاج والرفض، وتحويل جلسات المجلس إلي ميادين مظاهرات، بل وإعلان عدم القدرة، والاتجاه إلي مغادرة القاعة البرلمانية إلي عقد المؤتمرات الصحفية والتظاهر الاحتجاجي من النواب الإخوان علي باب المجلس، أظهر عجز المجموعة رغم ضخامتها.. وعدم إمكانية أن تمارس دورا حقيقيا في تغيير وعدت به.. بالإضافة إلي أن عدم تمكن نواب الإخوان من أن يقدموا للدوائر متطلبات متزايدة لجمهور الناخبين.. كل هذا أفقدهم زخما كبيرا كانوا يعتقدون أنهم بلغوه. ناهينا عن أن المواطن المصري لا يعجب بالذين يعلنون ضعفهم بغض النظر عن أنه قد يبدي التعاطف معهم.

ترسخ العجز بمساحات أكبر حين ذهب الإخوان إلي تصعيد سياسي مهول ضد التعديلات الدستورية في عام 2007، لكن هذا لم يمنع من إجراء التعديلات، وفي ذات الوقت الذي كانوا يخوضون فيه الصراع الفاشل ضد تلك التعديلات فإنهم أيدوا بصراحة الانقلاب الذي قامت به حركة حماس في غزة.. ومضوا بعيدا في هذا السياق.. وتزايد الارتباط المعلن بين الإخوان هنا والحركة هناك.. ولم يقو الإخوان علي إقناع الرأي العام بمبررات حقيقية لموقفهم هذا.. لاسيما مع تزايد الشعور المصري بخطورة ما يجري في غزة علي الأمن القومي المصري.. وكانت الذروة الفاصلة في هذا الأمر مجموعة المواقف المؤيدة التي قام بها الإخوان لتصرفات حماس حين دفعت 750 ألف فلسطيني إلي أراضي شمال سيناء عقب انقلابها علي حركة فتح في 2007 بأشهر.

--
من المذهل أن جماعة الإخوان لم تخضع للتقييم كل تصرفاتها تجاه حماس، وانغمست في (سكر سياسي) إضافي، في هذا الملف، بلغ مرحلة جديدة مع اندلاع حرب غزة، واصطفاف الإخوان إلي جانب حماس وحزب الله وإيران ضد مصر، وبينما قد يتعاطف المصريون مع ضحايا الحصار الذي يعاني منه أهل فلسطين في غزة، فإنهم لم يستوعبوا أبدا تهديد المصالح المصرية، كما لم يتفهموا علي الإطلاق دور حماس في تفتيت الصف والأرض الفلسطينيين.

وإذا كانت جماعة الإخوان في 2007 قد وجهت ضربة لنفسها بتأييد حماس، وما لذلك من أبعاد دولية وإقليمية، فإن 2007 نفسه شهد مشكلة كبيرة للجماعة، حين تم إقرار التعديلات الدستورية التي أدت إلي فقدان التنظيم للقدرة علي استخدام الشعارات الدينية في الانتخابات، وفقا لنص دستوري مستحدث، وهو مالم تدرك الجماعة خطورته إلا بعد ذلك بثلاثة أعوام وقبل أيام.. حين عجزت عن أن تجد مضمونا يمكن أن تتوجه به إلي الناخبين البسطاء الذين كانت تخدعهم بشعار (الإسلام هو الحل).

قبيل هذا، وفي حدود ما بين 2008 و2009، وبعد ثلاث سنوات من التفاعلات التي تلت دخول الجماعة بهذا الحجم إلي البرلمان، لم تجد الجماعة في إمكانها أن تجيب عن مجموعة الأسئلة الكبري التي طرحت عليها في الفترة السابقة.. حول المواقف السياسية التي يمكن أن تقوم بها لو بلغت - فرضا - الأغلبية البرلمانية ذات يوم، وحين تصدت مجموعة إخوانية إلي مسألة إعداد برنامج حزبي فإن هذا أدي إلي ما يلي:

لم تطرح الجماعة موقفا اقتصاديا واجتماعيا واضحا ومميزا.

لم تضع الجماعة خطا فاصلا بين الحزب والجماعة، بل إن الحزب المفترض لم ينف وجود الجماعة، بمعني أنها سوف تبقي ويكون الحزب جناحا سياسيا لها.

أصرت الجماعة علي موقفين معلنين من مشاركة الأقباط والنساء في الحياة العامة بالرفض.

أعلنت الجماعة إيمانها بوجوب وجود هيئة شرعية وصية علي أي قرار سياسي. ما مثل مقابلا مصريا للخومينية.

رفضت أغلبية الجماعة نفسها فكرة الحزب برمتها.

لم تقو الجماعة علي مناقشة الرأي العام لبرنامجها وقالت إنها سوف تعيد مراجعته، وهي المراجعة التي لم تنته حتي الآن.

فيما بعد، فإن تغييرا انقلابيا جري في الجماعة ما بين نهاية 2009 وبداية 2010، أدي إلي تدهور تنظيمي فادح في بنيان الإخوان بفعل أيديهم، ذلك أن الصراع الطاحن بين جيل السبعينيات وجيل الستينيات، أو ما يعرف بجيل القطبيين، قد أدي إلي انكشاف حالة الانهيار الرهيبة في التنظيم.. وتبادل الاتهامات علنا.. وظهور عمليات تزوير مناقضة لمنطق الديمقراطية في الانتخابات الداخلية.. بل والطعن في أسس اللائحة التي قامت عليها الانتخابات.

هذا الانقسام المروع، المتزامن مع كتابات مختلفة في الصحف ومواقع الإنترنت، أدي إلي خروج بعض من أهم من أداروا المعركة الانتخابية السابقة.. وعلي رأسهم من حصد الفشل في السعي لمنصب المرشد محمد حبيب والدكتور عبدالمنعم أبوالفتوح.. فضلا عن أن التنظيم كان قد فقد نتيجة لإجراءات قانونية دور خيرت الشاطر الذي أصبح سجينا يؤدي عقوبة معروفة.. وهذا كله بدوره أدي إلي انهيار كبير في قدرات الجماعة انتخابيا.. في ذات الوقت الذي تصاعد فيه تيار قوي داخل الجماعة يطالب بمقاطعتها.. وليس هناك ما يدل علي أن هؤلاء الرافضين للمشاركة قد أدوا نفس الأدوار التي طلبت منهم رضوخا لقرار الجماعة بالمشاركة.

س : هل كانت هزيمة الإخوان حباً في الحزب الوطني؟

 ج: السياسة ليس فيها «حب». الرأي العام يثق أو يقلق.. ومن المؤكد أن حزب الأغلبية قد تلقي رسالة 2005 بمنتهي الاهتمام.. وتعامل معها بمنتهي الجدية طيلة السنوات الماضية.. بينما عاني الإخوان من «السُكر» و«التخدير» وتوهم اقتراب حلم السلطة

 س : هل نجحت تجربة اللجنة العليا للانتخابات؟

 ج: يجب أن تخضع أساليب أداء اللجنة، ومؤسستها، لتقييم شامل.. أولا من جانبها.. وثانيا من كل مهتم بالديمقراطية في مصر. لقد أدارت اللجنة العملية تحت نيران غير معتادة لأعضائها من كافة الاتجاهات.. ولاشك أنها واجهت مصاعب موضوعية وعرقلات قانونية وهي تحتاج إلي مساندات جديدة لتمكينها من أداء مهمتها بكفاءة

 

السؤال الثاني : هل خطط الوطني لسحق الإخوان؟

قولا قاطعا مستندا إلي معلومات دقيقة لاتعود فقط إلي الحملة الانتخابية وإنما قبلها بسنوات، نعم خطط الحزب الوطني لسحق سياسي للإخوان.. واستعادة المقاعد الـ88 وتوقع الإعادة مع مرشحيها علي 20 مقعداً

وعلي الرغم من أن هناك أصواتا توقعت أن تؤدي تحركات الحزب إلي أن يحصل الإخوان فقط علي نصف عدد المقاعد السابقة.. أو توقعات أخري بوصولهم إلي ربع الرقم أي نحو عشرين مقعدا.. فإن طبيعة المجريات السياسية والتنظيمية والقانونية في الحزب كانت تشير إلي أن هناك تحركات قوية تسعي إلي إبعاد سياسي كامل لكل مرشحي الإخوان من خلال الانتخابات. بخلاف المصارعة البرلمانية في جلسات مجلس الشعب، والعمل المستمر داخل المجلس في مواجهة مجموعة الـ 88 ومن وقف معهم، فإن الحزب علي المستويين السياسي والتنظيمي قام قبل ثلاث سنوات ببدء دورات تدريبية موسعة لكوادر قيادية منه بدءا من أمين المحافظة إلي أمين الوحدة الحزبية، استهدفت تنمية قدرات الجدل السياسي والديني لأعضاء الحزب في مواجهة الإخوان علي مستوي الدوائر والمحافظات.

لقد انعقدت إحدي هذه الدورات في مدينة 6 أكتوبر علي مدي ثلاثة أيام، ووصل مستوي التدريب فيها حد أمرين.. الأول هو عقد مناظرات تمثيلية بين أعضاء الحزب وبعضهم بعضا، بحيث يتقمص بعضهم دور الإخوان في مواجهة آخرين من الحزب، والثاني هو توظيف الإمكانيات الثقافية الدينية لدي بعض قيادات الحزب علي المستوي الإقليمي في مواجهة الإخوان، وعلي رأس هؤلاء الدكتور محمد عبدالهادي أمين كفر الشيخ.

شخصيا شاركت في إحدي هذه الدورات، وتناظرت بالمحاكاة مع الدكتور عبدالهادي، وجري تكرار هذا النوع من التأهيل السياسي في محافظات مختلفة، وصار لنتاج هذا العمل أرضية أيديولوجية تحولت إلي أدبيات توزع مرارا علي أعضاء الحزب، ما أثمر عن شحذ مذهل لطاقات المخالفة السياسية بين الوطني والإخوان.. وأسفر أيضا عن بروز قيادات غير معروفة علي المستوي المركزي وبين كوادر الأقاليم لعبت دورا واضحا في مواجهة الجماعة قبل الانتخابات بسنوات، من بين هؤلاء مصطفي عقل أمين الدقهلية وعبدالرحمن سليم أمين بني سويف وأحمد عبدالعزيز أمين أسيوط.

المؤكد أن الحزب الوطني قد شعر بلطمة كبيرة من نتائج انتخابات 2005، ليس علي المستوي الانتخابي فقط، بوصول كل هذا العدد من خصوم الدولة المدنية إلي مجلس الشعب، ولكن كذلك لأنه عاني من ترشيحات منشقة هائلة دفعته إلي تكوين هيئته البرلمانية بضم الأعضاء المنشقين بعد نجاحهم بعيدا عن لافتته، وقد لوحق الحزب بالمعايرة السياسية طيلة السنوات التالية للانتخابات في 2005.. واعتبر معارضون أن أغلبيته (ملفقة).

--

وفي ذات الوقت الذي كان فيه (الفكر الجديد) يواجه تحديا مذهلا، لأن هناك من نسب إليه هذه النتيجة، في حين أنه لم يكن مسئولا عنها، فإن عملية تطوير الحزب رأت أنها لكي تثبت قدراتها السياسية لابد أن تحقق نصرا انتخابيا كبيرا.. سعت إليه ليس فقط في السنة الأخيرة وإنما من العام التالي للانتخابات الماضية.

عمليا، وجد الحزب أن عليه أن ينتقل من مرحلة الركون إلي الدعة السياسية، إلي الهجوم السياسي الحاد علي خصمه الاستراتيجي حتي لو لم يكن له وجود قانوني، وقد تجلي هذا بصراحة في خطابات وكلمات قيادات الحزب المختلفة في المؤتمرات المتتالية سنويا في الأعوام الماضية، ولعل أكبر المهمات التنظيمية التي جرت بداية وقبل البناء من أجل الإعداد للانتخابات التالية كان هو التعرف علي حجم الحزب وتوثيق عضويته.. وهي عملية اقتضت جهدا كبيرا جدا.. لمعرفة ماذا كان الحزب لديه عضوية حقيقية أقل بقليل من 2 مليون مواطن.. أم أنه كما تقول الأرقام التي كانت متداولة لديه 3 ملايين عضو.

تنظيميا جري تعديل في بنيان الحزب، واختيرت قيادات جديدة في مختلف المحافظات، وتم وضع قاعدتين أوليتين: الأولي هي أن النائب الحالي هو مرشح المرة التالية.. بهدف ضمان توثيق العلاقة بين الحزب ومواقفه والهيئة البرلمانية له في مجلس الشعب.. والثانية هي أن كل من يرغب في القيام بعمل تنظيمي لن يكون من حقه أن يترشح في الانتخابات.. لمنع التضارب الحادث بين المرشحين والكوادر القيادية التي عليها أن تدير معركة المرشحين.

القاعدة الأولي تم التخلي عنها جزئيا. إذ أفرزت المتغيرات ضرورة التخلص من عدد من النواب الذين ساءت صورتهم وأساءت إلي صورة الحزب، والثانية سببت مشكلة كبيرة خلال عمليات انتقاء المرشحين.. إذ اعتقد كثير من القياديين علي مستوي المحافظات أنه يمكن التراجع عنها في اللحظة الأخيرة.

--

سياسيا، رقي الحزب مستوي أدائه الاجتماعي برامجيا وأيديولوجيا، وتبني جمال مبارك مشروع الألف قرية في مختلف أنحاء مصر بالتنسيق مع الحكومة، وتحول البرنامج إلي مظلة ذات أدوار متعددة في الاقتراب أكثر اجتماعيا وسياسيا من مختلف القوي المجتمعية في الريف.. وفي السياق ذاته أعاد الحزب توثيق علاقته السياسية مع قوي اجتماعية عديدة.. لاسيما الفلاحين.. وهو ما أعاد عليه البناء التنظيمي قبيل الانتخابات باللجوء إلي الترشيحات المزدوجة والثلاثية والرباعية.. التي كان من بين أسبابها إحداث ترضيات قبلية وعائلية معقدة لضمان عدم وقوف تلك القوي ضد الحزب في الانتخابات.

لقد تم تحليل مبررات التصويت العقابي ضد الحزب علي نطاق واسع ومتكرر بناء علي نتائج 2005، وبخلاف القناعة العامة التي تقول أن هذا النوع من التصويت كان مبنيا علي رفض للسياسات الاجتماعية للحزب، فإن تحليلا آخر رأي أن من أهم المبررات عدم قيام الحزب بتلبية المتطلبات القبلية والعائلية في الترشيحات.

أمين التنظيم أحمد عز، مبتكر الخطة الفريدة في الترشيحات التي أدت إلي وضع 770 مرشحا علي قائمة الحزب في الانتخابات الحالية، شرح في مؤتمر صحفي يوم الخميس الماضي تفاصيل عمليات التصويت التي كانت تؤدي إلي حصول الإخوان علي أصوات هي فرضا في جعبة الوطني.. وتكلم عن أن الانشقاقات كانت تؤدي إلي تربيطات تصويتية يستفيد منها الإخوان من بين مختلف المرشحين.. وفيما قبل ذلك أوضح أن الترشيحات المتعددة إنما أدت إلي تفتيت الأصوات المتجمعة للإخوان.. وقال إن توصيف الأمين العام صفوت الشريف لها هو (التكتيل). التحليق حول المرشحين الإخوان لم يكن هو الإجراء الوحيد، وإنما امتد التكتيك إلي تقديم مرشحين مختلفين وأقوياء في الدوائر العديدة التي تواجد بها المرشحون الإخوان، وعلي رأس هؤلاء الوزير عبدالسلام المحجوب في دائرة الرمل بالإسكندرية، وفي دائرته كذلك الوزير علي المصيلحي في الشرقية.. بخلاف الوجوه الجديدة.. ومن بينهم محمد البسيوني وهو ضابط شرطة سابق لديه مكانة جماهيرية متنامية في دائرة المنصورة.. حيث لم يقهر منافسة الإخواني إبراهيم العراقي فقط وإنما فاز أيضا علي مرشح الوطني إبراهيم الجوجري.

نموذج البسيوني بالنسبة للوطني تكرر في دوائر كثيرة، ومن الواضح أن التقرير الأولي الذي قدم إلي قيادة الحزب قبل الانتخابات، كان قد ركز علي ضرورة تضمين قائمة الحزب وجوها جديدة وأسماء مميزة قادرة علي المنازلة البرلمانية، كما ركز علي أن الهدف الاستراتيجي للحملة الانتخابية هو الوصول إلي ما يزيد علي أغلبية الثلثين بقليل.. ما يعطي الحزب القدرة علي تمرير ما يريد من قوانين في المجلس.. فبعض القرارات لابد لها أن تتجاوز الأغلبية العادية إلي أغلبية الثلثين +1.. لكن عوامل أخري مكنت الحزب من أن يحصل علي ما يفوق هذه الأغلبية بكثير.

في يوم الأحد الماضي، وحيث كنت متواجدا داخل غرفة عمليات الحزب، تابعت تفاصيل متنوعة في إدارة المعركة.. من أكثر من نقطة.. الأولي في القبو المعروف باسم (الغواصة) حيث يتواجد عناصر أمانة التنظيم والمنسقين السياسيين للمحافظات ومندوبي الاتصال.. والثانية من المركز الصحفي الذي نظمه الدكتور علي الدين هلال أمين الإعلام وحيث كان يتصدر المؤتمرات الصحفية الدكتور محمد كمال.. والثالثة من غرفة الأمين العام الذي كان متواصلا مع كل وحدات الحزب.. والرابعة من مكتب أمين السياسات حيث كان يتابع كل ملابسات العملية الانتخابية فضلا عن ردود أفعالها الإعلامية.. بمواجهة ثماني شاشات تليفزيون وعدة شاشات كمبيوتر. وقد شهدت النقاط المختلفة في غرف العمليات اجتماعات متنوعة علي مدي اليوم.. وصولا إلي متابعة تجاوزات عابرة قام بها أنصار المرشحين ومنعوا من الاستمرار فيها.. والقيام بتحديد الرسائل الإعلامية التي كان يتم تطويرها حزبيا كل ثلاث ساعات


س : اكتساح الحزب الوطني : شعبية أم نجاح أم تزوير؟

ج: أقرت اللجنة العليا للانتخابات بوجود تجاوزات، واستبعدت ما يزيد علي ألف صندوق، لكنها قدرت أن التجاوزات لم تؤثر في إرادة الناخبين، لم يكن هناك تزوير.. غير أن هذا لا يعني ارتفاع مستوي الشعبية بالمعني العاطفي وإنما قدرة الحزب علي إقناع الرأي العام بأنه يضمن له مصالحه ويضمن له الاستقرار

س: هل البلطجية مرتزقة للحزب الحاكم .. أم عورة مصريو؟

ج: البلطجة في الانتخابات ظاهرة مصرية يمكن رصدها في مختلف التيارات، وهي مرض اجتماعي، له علاقة بانخفاض مستوي النضج الديمقراطي.. واستمرار الإصلاح يقود إلي تجاوز هذا الأمر. ومن اللافت أن حوادث العنف تراجعت في الانتخابات الحالية مقارنة بما جري في 2005 تقريبا.

السؤال الثالث : لماذا خسرت المعارضة الحزبية؟

أحزاب في المعارضة اعتقدت أن هناك صفقة في الطريق مع الحزب الوطني وأنها سوف ترث مقاعد الإخوان.. وفي واقع الأمر لم يكن لدي الوطني أي استعداد لأي تفويت للترشيحات

يرتبط بهذا سؤال آخر: هل كانت هناك صفقة انتخابية بين الوطني وأحزاب المعارضة؟ ومن ثم: هل أخل الوطني بهذه الصفقة؟

في الإجابة عن هذا، أشير إلي مجموعة من الحقائق:

يعود حديث الصفقة إلي تصور بني علي أساس أن الوطني إذا كان يستهدف إقصاء انتخابيا للإخوان، فإن المقاعد التي سوف يتم خلوها سوف تكون بالتبعية ملقاة في حجر المعارضة الحزبية.. علي أساس أن الحزب الوطني لن يسعي إلي مزيد من المقاعد.. وقد تخيلت أحزاب تقسيمات بعينها.. وفسر البعض مؤشرات سياسية وتصريحات علي أنها تؤدي إلي ذلك.

- عمليا لم يدر أي كلام موثق بشأن هذه الصفقة، فهي أصلا تكون ضد القانون، وتعني أن الأحزاب راغبة في الإساءة إلي إرادة الناخبين.. وفي أروقة الحزب الوطني.. وعلي فترات مختلفة.. كنت أعرف معلومات من مصادر متنوعة.. عن أن استطلاعات الرأي التي تجريها آليات الحزب في الدوائر لا تظهر أي تأثير ملموس لأسماء معارضة حزبية من أي نوع تقريبا.. باستثناءات نادرة لها مكانتها لأسباب غير حزبية.. ومن ثم فإن عدم قدرة الأحزاب علي أن تتمكن من حصد تلك المواقع كان يعني أن الإخوان سوف يفوزون بها.. أو أن يتم الفرض المستحيل وهو أن يجري تزييف لصالح أحزاب المعارضة.

- جوهريا، استخدم الإخوان حديث الصفقة علي المستويين الإعلامي والسياسي لضرب القدرة الانتخابية لأحزاب المعارضة. فهم خصوم مؤكدون في الانتخابات.. بغض النظر عن الكلام المرسل الذي يقال في شاشات التليفزيون.. وفي الوقت ذاته فإن السيد البدوي رئيس الوفد الذي جد عليه في الأشهر الأخيرة كان قد استفاد من ترديدات صحفية حول هذا الموضوع في معركته مع محمود أباظة علي رئاسة الحزب.. لكنه ما لبث حين أصبح رئيسا للحزب أن صدق هو نفسه.. أو هكذا بدا في مجمل تصرفاته.. حديث الصفقة ذاته.

- قضت طريقة ترشيحات الحزب الوطني حين أعلنت في يوم إغلاق باب الترشيحات علي أي احتمال لهذه الصفقة، بخلاف تصريحات مختلفة لقيادة الحزب قبل ذلك كانت تنص علي أن الحزب سوف يخوض معركة علي كل مقعد، وأظهرت الترشيحات المتعددة أن الوطني لا يريد أن يترك أي فرصة للتراجع بل تعزيز أغلبيته.. لكن أحزاب المعارضة توهمت صدقية التحليلات التي ذهبت إلي أن هذا التعدد في الترشيح سوف يقود إلي مشكلة عويصة داخل الحزب الوطني وضد نفسه.. فخدعت نفسها.

بالإجمال، يتحمل الدكتور السيد البدوي رئيس الوفد المسئولية الكاملة ليس فقط عن خسائر حزبه المهولة في الانتخابات، ولكن عن خسائر كل أحزاب المعارضة في العملية برمتها، ذلك أن مجموع تصرفاته المتنوعة، وباعتباره قائد الحزب المعارض الأكبر، هي التي أدت إلي الإساءة لمواقف كل الأحزاب، وأضرتها بصورة بالغة.. خصوصا أنه في صدارة المعارضة الحزبية... ويمكن إيجاز الموقف وعيوبه في الوفد وغيره من الأحزاب فيما يلي:

- حتي وقت متأخر من بدء العملية الانتخابية لم يكن قد لاح في الأفق موقف واضح لأحزاب المعارضة بشأن مشاركتها في الانتخابات، وخضعت بطريقة أو أخري إلي ابتزازات سياسية من قبل جماعات غير قانونية ليس من بينها الإخوان، وفي صدارتها الجمعية الوطنية للتغيير وحركة كفاية وأيضا حزب الجبهة وهو (قانوني)، بقصد إثناء الأحزاب عن خوض المعركة.. وهو ما أدي بلاشك إلي نوع من الترقب الجماهيري.. بغض النظر عما إذا كان كل حزب يريد ضمنيا خوض الانتخابات ولكنه يناور بأنه قد يقاطع.

لقد عاني من هذا حزب الوفد أكثر من غيره، وقد استنفد وقتا طويلا في اتخاذ قراره وفي جدل علني حول هذا، وصولا حتي إلي قبول المشاركة في الانتخابات بأغلبية بسيطة، أعطت رسالة مرتبكة حول تردد حزب الوفد.. وأنه يخوض الانتخابات بقدم في داخلها وقدم في خارجها.

في الوقت ذاته كان مرشحو الإخوان يخوضون في دوائرهم، ويعملون علي قدم وساق، بغض النظر عن عدم الإعلان عن قرار مبكر من الجماعة، وهو ما اقتضي تصرفا من الوطني بني عليه حساباته، بحيث لايترك أمرا لتردد المعارضة بينما لديه هدف استراتيجي يقوم علي إقصاء انتخابي للإخوان من أغلب مقاعدهم إن لم يكن كلها.

- لجأت أغلبية أحزاب المعارضة إلي التعميم في الترشيحات، بناء علي أخبار الصفقة الكاذبة، فتقدمت بعدد كبير من الترشيحات التي تفوق طاقتها التنظيمية والتمويلية، وبحيث طبقت نظرية (العدد في الليمون)، في حين أنها لم يسبق لها أن تقدمت بنفس العدد من المرشحين باستثناء انتخابات القائمة في عامي 1984 و1987 ما أدي إلي مشكلة جوهرية في إدارة العملية الانتخابية.

في حزب الوفد تحديدا، تعامل السيد البدوي مع الأمر بمنطق فريق الكرة الذي يستقدم لاعبين من مختلف الأندية حتي لو لم تكن لديهم جذور وفدية أو ارتباطات تنظيمية بالحزب.. ما أدي إلي ثلاث مشكلات في وقت واحد أولا: الأعباء التي فرضتها عليه مواقف كل هؤلاء بمن فيهم أولئك الذين انضموا فجأة واستقالوا فجأة. ثانيا: حدوث تمرد تنظيمي في الحزب بين القيادات الإقليمية والقيادة المركزية علي أساس أنها لم تستشر في ترشيحات الحزب خصوصا الوافدة. ثالثا: ضعف قدرات الوافدين مقارنة بالوفديين.

علي سبيل المثال فإن الفنانة سميرة أحمد - مع كامل الاحترام لتاريخها - كانت هي مرشحة حزب الوفد في باب الشعرية.. وهي وافدة.. أما الوفدي الأصيل منير عبدالنور فقد تحول إلي وافد بدوره حين ترشح في دائرة جرجا التي لم يطأها بقدمه منذ 25 عاما.. وهناك وجد مجتمعـــا مختـلــفا وإخــوان وتيـــارات مناوئة مــا أدي به في بعض الأيام إلي أن يستقـــدم الشيخ أحمد نعينـــع لقـراءة القـــرآن في بيتـه هناك لعـلــه يتقــرب مــن النـاخبـيــن.. وهـــو تصرف في منتهي السذاجة.

- لم تطــرح أي مــن أحـــزاب المعـــارضة أي بديل فكري وأيديولوجي موضوعي متماسك يعطيها ولو دفعة للأمام، أو زخما مساعدا، أو يقدمها كمقابل للحزب الوطني، بل إن الحملات الدعائية التي لجأ إليها حزب الوفد كانت ساذجة لدرجة مثيرة للسخرية، ومضحكة في أحيان كثيرة، خصوصا إعلان (حقنة التغيير) التي استعان بها الحزب لكي يحض جمهور الناخبين علي أن يختاروا الوفد بدلا من الحزب الوطني.

بالإجمال، وخصوصا فيما يتعلق بحزب الوفد، فإنه حين فكر في مقاطعة الانتخابات خسر، وحين خاض هذه الانتخابات مني بخسارة كبيرة، وحين فكر في أن ينسحب من الانتخابات أيضا خسر، ثم حين قرر أن يخوض جولة الإعادة بدلا من أن ينسحب وفق ما أعلن كان أن حقق خسارة مهولة متضاعفة.


س : هل هناك قيمة لبرامج الأحزاب في الانتخابات ؟

 ج: لا ينشغل الناخبون في مصر جديا بالبرامج.. لكن يفترض في الأحزاب أن تعلن برامج محددة.. علي سبيل تحديد المواقف والتعهد أمام الناس وإبرام التعاقد مع الجمهور.. وتحديد السياسات في المستقبل. وفي الانتخابات الحالية لم يطرح برنامجاً واضحاً سوي الحزب الوطني

س: من الذي يتحمل مسئولية أحزاب المعارضة؟

ج: أكبر عبء يقع علي رئيس حزب الوفد الجديد.. فقد أحدث ارتباكاً هائلاً في الحزب المعارض الأكبر.. وفرض عليه اختيارات كلها خاسرة.. مقاطعة الانتخابات خسارة.. خوضها خسارة.. والانسحاب من الإعادة خسارة.. والمشاركة فيها خسارة


السؤال الرابع :
هل سيكون المجلس بدون معارضة؟

الانتخابات تكتسب شرعيتها بمن حضر بغض النظر عن نسبة التصويت.. والمجلس يكتسب شرعيته بمن انتخب

وحتي الآن لم تنته الجولة الثانية من الانتخابات... وإذا كانت جماعة الإخوان قد أعلنت انسحابها من التصويت علي الإعادة في 27 مقعداً لديها مرشحون فيها، خشية خسارة متضاعفة باصطناع موقف سياسي دعائي، وعلي أساس تقدير أن المعركة لن تسفر عن مكاسب حقيقية، وأن هذا الموقف قد يعفي قيادة الجماعة من المساءلة الداخلية لأنها لم تتمكن من أن تحقق أي شيء.. فإن أحزاب المعارضة الأخري وعديداً من المستقلين لديهم فرص كبيرة في الجولة التي تبدأ غدا الأحد.

عمليا، وقانونا، تكتسب الانتخابات شرعيتها بمن حضر، أيا ما كان عدد الأصوات التي شاركت في الاقتراع، بمعني أنه إذا كان من يحق لهم التصويت نحو 40 مليون ناخب فإن حضور شخص واحد للتصويت يكسب هذه العملية الانتخابية وفق المنطق الديمقراطي شرعيتها. كما أن المجلس يكتسب شرعيته بمن انتخب، بغض النظر عن انتمائه، وكون أن الأحزاب لم تتمكن من ملء الفراغ الذي تركه سقوط الإخوان فإن هذا لايفقد المجلس شرعيته.. وإن كان قد يفقده تنوعه المفيد في الرقابة علي الحكومة وتنمية الأداء البرلماني.

مبدئيا سوف تتغير صورة المعارضة في المجلس الجديد، ولن تكون كما كانت، وهذا الوضع يفرض علي الأحزاب أن تتحرك لكي تلحق بالانتخابات المقبلة، ليس من خلال المواقف الصاخبة وإنما من خلال مراجعات عميقة للأداء.. فإذا كان الحزب الوطني قد تلقي صدمة في انتخابات 2005 فإن من المفترض أن الانتخابات في 2010 تمثل لطمة لأحزاب المعارضة.. المهم هنا ما هي نوعية ردود الأفعال التي سوف تلجأ إليها.

مجلس الشعب بصورته الجديدة، سوف يكون مختلفا، فيه أقلية بالمعني الكامل للكلمة، لكن هذا لايعني أن الحزب الوطني نفسه بأغلبيته المتسعة وتياراته المتنوعة، سوف يتبني مواقف (البصم) علي كل ماتقول الحكومة.. وقياسا علي ما تلقاه الحكومة من محاسبة حزبية عنيفة في أروقة الحزب، وقياسا علي تراث برلماني يجعل عددا من أعضاء الوطني معارضين للأداء الحكومي بشكل أقسي من المعارضة، فإن توقعي هو أن تنتقل المحاسبة الحزبية للحكومة من أروقة الحزب إلي أروقة البرلمان.. وأن يفرض الوضع الجديد علي الأغلبية التعبير عن الاتجاهات المختلفة المدنية في المجتمع.

ولا ينسينا هذا ملاحظة جوهرية، وهي أن المجلس السابق لم يكن يحظي بتمثيل واسع لأحزاب المعارضة، وإنه إذا كان الوطني قد استعاد ما فقده من مقاعد لصالح الإخوان فإن المعارضة لم تكتسب جديدا.. وهي لم تتقدم خطوة.. وإنما محلك سر.. وهذا عبء سياسي تتحمل هي نتائجه ولاتتحمله شرعية مجلس الشعب.

ويرتبط بهذا السؤال سؤال آخر خارج البرلمان يطرح استفهاما حول ما إذا كان الإخوان نتيجة لأنهم لم يعودوا موجودين في البرلمان فإنهم سوف يعودون للعمل السري؟ وفي الإجابة عن هذا السؤال نشير إلي أن الإخوان لم يتركوا العمل السري قط من قبل، ولا حتي بعد أن دخلوا إلي البرلمان بكل هذا العدد الضخم.. بل إن هذا كما أشرت من قبل هو إحدي أهم مشكلاتهم التي انعكست علي الانتخابات.. ثم إن السؤال يفترض أن التنظيم ليس سريا وهذا غير واقعه.. كما أنه يفترض أن الالتحاق بالبرلمان هو مقابل التوقف عن العمل السري كما لو أنه جائزة مثلا مقابل الامتناع عن فعل ما.. وهذا كلام ضد الديمقراطية.

وإذا كان السؤال يحمل في طيه تهديدا للحياة العامة والمستقرة في مصر، فإن من المسلم به أن جماعة الإخوان كانت ولم تزل تتبني العنف ولم تتوقف عن الإيمان به.. وحين ترتكب هذه الأفعال فإن هذا سوف يكشف طويتها للرأي العام.. في وجود قانون حاسم وأجهزة قادرة علي ردع من يخالفونه.

إن المشكلة التي يصدرها الإخوان للمجتمع لا وجود لها من الناحية العملية. فالجماعات الإرهابية التي تبرأت من العنف لم تلحق بمجلس الشعب لكي تتوقف عنه. كما أن الجماعة الإخوانية المحظورة ليست هي الإسلام المعتدل لكي يعتقد البعض أن انضواءها في غياهب النسيان سوف يخلق فراغا يحتاج إلي من يملؤه.. هذه أسطورة تروجها الجماعة نفسها.


عبد الله كمال

يمكنكم مناقشة الكاتب وطرح الآراء المتنوعة على موقعه الشخصى

www.abkamal.net

أو موقع روزاليوسف:

www.rosaonline.net

أو على المدونتين فى العنوانين التاليين:

http//alsiasy.blospot.com

http//:abouzina.maktoobblog.com


أو للمتابعة على موقع تويتر:

twitter.com/abkamal

Email:abk@abkamal.net


التعليقات

برجاء تسجيل الدخول حتى تستطيع التعليق
عنوان التعليق
التعليق
  • سوف يحتاج التعليق إلى موافقة المحرر قبل نشره
  • Design and Development by Microtech