أرشيف بالمصري > مصر بين الاستقرار والانشطار
6 نوفمبر 2010 3:00 م
-

(الهبَّة) الجماعية المصرية التي اتخذتها جهات عدة، في مواجهة تهديد للكنائس المصرية صدر عن تنظيم مايسمي بـ (دولة العراق الإسلامية)، أظهرت إلي أي مدي يستشعر المصريون الخطورة مما يجري حولهم في إقليم (متقلب ويموج بالمخاطر)، وإلي أي مدي نحن نتوحد حين يلوح التهديد لأي منا.. سواء كنا مسلمين أو مسيحيين.. في النهاية، ومهما اختلفت العقائد، نحن أبناء بلد واحد.. وأي تهديد لأي منا هو تهديد لنا جميعا.

لكن هذا التهديد، أيَّا ما كان تقييم مستوي جديته، ومصدره، وهل هو من هذا التنظيم الذي حمل اسمه.. أم كان صادرا عن جهات غامضة.. أو دول تمارس نوعا من التآمر وربما العبث.. يعطي لنا في ذات الوقت مؤشرات حقيقية حول كوننا مستهدفين في وحدتنا، وأنه إذا كانت في مصر (ثقافة طائفية) مذمومة لابد أن نواجهها.. فإن هناك من هو خارجنا يريد أن تترسخ تلك الطائفية فينا وتعمق جذورها في ترابنا.. وأن يلهب عوامل الانفجار.. لكي يشتعل الفتيل بطريقة تدمر الأخضر واليابس.. ويصبح الوادي العريق الذي نعيش فيه.. (وادي الفتنة والموت).

لقد انشغل الكافة بالتهديد الذي بثه تنظيم (دولة العراق الإسلامية)، كما انتبه البعض إلي أن شعار التنظيم نفسه كان قد رفع من قبل في وقفات مصرية نظمت من قبل بعض الجماعات المتطرفة عند مسجد عمرو بن العاص، تلك التي تطالب بالإفراج عمن سُمين بالأسيرات المسلمات في الكنائس والأديرة.. وفقا لما نشر علي موقع مصراوي.. ومدونة (المحلة مصر).. وحتي إذا كان هناك من يقول إن الشعارات المشار إليها في الصور هي خاتم النبي «صلي الله عليه وسلم».. فإنه لايمكن أبدا تجاهل توقيت استخدام هذا العَلم.. بلونه الأسود.. وعليه شعار التنظيم العراقي الذي يقال أنه تابع لتنظيم القاعدة.. وقد كان توقيتا سابقا بأيام قليلة علي صدور التهديد الآتي من العراق.

إن استقرارنا مهدد، ويواجه تحديات حقيقية، ولا أعتقد أن هناك كثيرين سعداء بكوننا (واحة آمنة في صحراء النار)، لكن الأخطر هو أن فينا فريقين.. الأول لايقيِّم بدقة طبيعة وأهمية هذا الاستقرار الذي نتمتع به بمعانيه الاجتماعية والاقتصادية والأمنية والسياسية، والثاني فريق يري أن مهمته هي تحويل مصر إلي مكون جديد في حالة الانفلات التي تسود الإقليم.. وأن تتهدد مصر بأن تصبح دولة فاشلة.. تواجه مخاطر الإرهاب وتعيشه وتعاني من احتمالات التفرقة أو تغرق فيها.

وبغض النظر عن أن (المكون الخارجي) ليس له وجود ملموس في حديث الانتخابات المصرية، باستثناء ما يصدر عن الحزب الوطني صاحب الأغلبية، فإن علينا هنا أن نربط بين كل تلك الأمور والظواهر.. لكي نستوعب الحقيقة المرة.. وهي أن التصويت في الانتخابات المقبلة يمثل اختيارا لمصر ما بين أن تستمر كما هي (واحة الاستقرار في صحراء النار) أم أن تصبح واحدة من ولايات الدم ودول الانهيار التي يتزايد عددها حولنا كل يوم.

- دول الفرقاء

الانغماس في الشأن الداخلي، وتفاصيل احتياجات الدوائر، ومتطلبات الناخبين من المرشحين علي مستوي الشارع والحارة، هي أمور مفهومة ومتفهمة في الانتخابات، لكن هذا لاينفي أهمية أن ننتبه إلي أن طريقة الاختيار ونوعه في الصناديق الزجاجية الشفافة لابد أن تدرك ما يحيط بالبلد.. وشئونه الخارجية وتحدياته الإقليمية والتهديدات التي تلاحقه.. وأن الناخب عليه أن يقرر ما إذا كان يريد مصر الحالية.. بنهضتها.. ومحاولتها أن تتجاوز المصاعب.. أم أن هناك فريقا من الناخبين سوف يختار أن تصبح مصر واحدة من (دول الفرقاء) المتناثرة حولنا.. والمبعثرة من داخلها.. والتي تصيبنا أيضا بعض شظاياها.. لاشك في ذلك.

(دول الفرقاء).. هي النموذج الذي يتوالد حولنا بمعدلات تكاد تكون سنوية.. حيث المعدل مرشح للزيادة..

في السودان (فرقاء) يتوزعون بين الشمال والجنوب.

وفي العراق (فرقاء) يتوزعون بين السنة والشيعة والأكراد والمسيحيين وغيرهم.

وفي لبنان (فرقاء) يتوزعون بين السنة والشيعة والمارون.

وفي فلسطين (فرقاء) يتوزعون بين فتح وحماس وبين غزة ورام الله.

وفي اليمن (فرقاء) يتوزعون بين الشمال والجنوب وبين مختلف القبائل والتنظيمات الإرهابية وفصائل الحوثيين.

وفي الصومال (فرقاء) بين القراصنة والتنظيمات المتأسلمة والميليشيات التي تقتات من الحرب.. والبقية تأتي.

وليس هذا ببعيد عنا.. بل إنه في قلب اختيارات الانتخابات المصرية المقبلة.. ولو لم يكن الوضع في مصر الآن كما هو الحال في تلك الدول أو الكيانات التي تصارع لأن تظل دولا.. إذ اختفت الدولة تقريبا في بعض تلك البقاع.. وصارت المجتمعات تتنازع فيما بينها علي مستويات الطوائف والقبائل والتنظيمات.. ذلك أن التحدي الأهم الذي واجهته كل وحدة من هذه الكيانات يتعلق بانحياز المجتمع فيها لأي من الاختيارات التالية:

- الاختيار ما بين الدولة المدنية والدولة الدينية.

- الاختيار مابين وحدة تراب البلد أو تقسيمه.. ولو كان التقسيم لم يتم جغرافيا في بعض الحالات فإنه خطر قائم في أغلبها.

- الاختيار بين الطائفية والمواطنة.

- الاختيار مابين الولاء للتنظيم أو الولاء للبلد.

- الاختيار ما بين القرار الوطني المستقل أو القرار النابع من الخارج.. حيث تخضع فرق من هذا البلد أو ذاك إلي توجيهات خارجية لا تجعل قرارها يتمتع بمصداقية وطنية بل تكاد تلك التنظيمات أن تكون أدوات واضحة لدول بعينها.

- حالة السودان

في الأسبوع الماضي، جرت أحداث مختلفة في مصر وخارجها يمكن أن تضع أيدينا علي المشاهد الأخيرة والأحدث في دول الفرقاء، وهي إذا كانت أحاديث عن شئون خارجية لأنها في الواقع تصب في الداخل ومضمونه.

مثلا، في يوم الأربعاء حضرت بصفتي عضوا في مجلس الشوري لقاءً عقدته لجنة الشئون العربية بإدارة صفوت الشريف رئيس المجلس ورئاسة رئيس اللجنة الدكتور مصطفي الفقي، حيث أعطي وزير الخارجية أحمد أبوالغيط (ملخصا مطولا ومتعمقا) للوضع في السودان ومجموعة من الدول العربية الأخري.. وإن تركز النقاش علي (ظهيرنا الجنوبي الشقيق) الذي انفصل عنا في الخمسينيات ويواجه احتمالات انفصال متعددة جديدة.

الوضع في السودان استنتاجا وليس نصا، من كلام الوزير، هو كما يلي:

- قال أبوالغيط في إيجاز أولي: إننا نواجه أخطر لحظات علاقتنا بالسودان.. منذ انفصل عنا في 1956.

- في السودان الآن: ميل حاد إلي الانفصال لدي أغلبية الجنوبيين، مع عدم توافر (محبذات ومشجعات وحدوية) من أغلبية الشماليين، ما يشير إلي احتمال قوي للغاية بأن ينتهي الاستفتاء المقرر في يوم 9 يناير 2011 إلي اختيار الجنوبيين للانفصال.

- تـعـــــــدد المـلفـــات والموضوعات المعلقة بين الشمال والجنوب والتي من الواجب أن يتم حسمها قبيل اللجوء للاستفتاء.. ومن بينها ترسيم الحدود وتقسيم الثروة والأصول.. ما يشير إلي احتمالات شبه مؤكدة بأن هناك عنفا سوف يقع بين الجانبين.

- وجـــــود اقتراحيـــن مصريين.. الأول بأن يؤجل موعد الاستفتاء بضعة أشهر.. حتي يتم الاستعداد له.. علي اعتبار أن أمن المواطنين مقدس أكثر من قدسية موعد الاستفتاء.. والثاني هو اللجوء إلي انضمام الشمال والجنوب في دولة كونفيدرالية.. أي أن يكون لكل إقليم حدوده وجيشه وحكومته لكن أن يكون هناك مجلس جامع بين الاثنين يوحد بين مصيريهما.

- احتمالات نزاع طويل المدي بين الجنوب والشمال حول وضعية إقليم أبيي الغني بالبترول، الذي يمثل فضاءً شاسعا لحركة قبائل شبه متمازجة بين الجنوب والشمال، وهي قبائل مسلحة وبينها تراث من التفرقة والنزاع علي مصادر الرعي.

- تداخل عديد من القوي الدولية في النزاع بين الفرقاء سواء علي المستوي الدولي أو علي المستوي الأفريقي.. ولكل منها مصالحها التي لاتمانع أبدا في أن يتفجر الأمر من أجل تلك المصالح.

- تعدد نتائج الخطر.. بدءا من تأثير قضية انفصال الجنوب علي مستقبل دارفور.. وصولا إلي احتمالات تقسيم البقية من السودان إلي بضعة كيانات أخري.. وحتي انفجار العنف ما يؤدي إلي أمواج من اللاجئين يحتمل جدا أن تذهب في الاتجاه إلي مصر.

- احتمال أن تكون للصراع المتوقع، ولو كان سياسيا وغير عنيف، أبعاد طائفية، في ضوء أن أغلبية الجنوبيين من الأفارقة المسيحيين وأن الأغلبية في الشمال للعرب المسلمين.. ناهيك عن الأبعاد القبلية.

لقد نشأ هذا الوضع في السودان لأسباب عديدة، ومنذ سنوات طويلة، وقد كان السبب الأهم في ذلك هو أن فريقا (سودانيا) في الشمال تبني مشروعا سياسيا وثقافيا قال إنه (منتسب للإسلام) وأراد أن يطبق الشريعة الإسلامية.. وأن يعلن في السودان دولة مدنية.. ولم ينتبه.. إن لم يكن تجاهل.. التنوع الوطني.. وأن هناك فريقا من الشعب له وزنه السكاني ووضعه الجغرافي وثقافته الخاصة.. ينتمي إلي دين آخر.. وأن هذا الادعاء بالرغبة في تأسيس (الدولة الدينية) لايمكن أن يحافظ علي وحدة الدولة بغض النظر عن جدواه الاجتماعية والسياسية للشماليين.

لقد قاد هذا المشروع ورعاه ودعمه وساند الحرب ضد الجنوبيين بمؤداه: حسن الترابي وحركته، وحتي لو لم يكن موجودا في الحكم الآن فإن رجاله وأفكاره في كل مكان، ومشروعه هو الذي نحصد نتائجه حاليا، وفي وقت مبكر من التسعينيات كانت هناك فصائل سياسية مصرية تؤيده وتسانده وتذهب إليه وتحضر مؤتمراته.. وإن سكتت الآن عما يجري في السودان.. وأعني بذلك حزب العمل في وقت سيطرة أمينه العام عادل حسين (الراحل) وفي وقت تحالفه مع جماعة الإخوان.. الباقية حتي اليوم رغم كونها محظورة.

هذا المشروع الذي تبناه الإخوان، وحسن الترابي منهم وبهم وداخل تنظيمهم الدولي، هو نفسه الذي تريده هذه الجماعة لمصر.. وبالتأكيد يدرك الملايين من المصريين الآن كم يمثل هذا خطرا علي البلد.. وكم سنعاني من الخطر الذي أحدثوه في السودان.

- حالة لبنان

في اجتماع المجلس الأعلي للسياسات، يوم الثلاثاء الماضي، تكلم أمين السياسات جمال مبارك، عن أن أحد محاور البرنامج الانتخابي للحزب الوطني الذي يدافع عن أغلبيته في الانتخابات المقبلة، يتضمن الحديث عن الربط بين السياسة الخارجية والمتطلبات المصرية الداخلية.. بحيث يحافظ الحزب وهو في الحكم علي الأمن القومي المصري وفي ذات الوقت يتمكن من تحقيق التنافسية للبضائع المصرية في الأسواق المختلفة.. وهو ما لن يكون طبعا إلا من خلال علاقات مفتوحة ومنفتحة مع القوي الاقتصادية الدولية.. ناهيك عن ضرورة توفير الاستقرار في هذا الإقليم.. لأن مصالحنا لايمكن أن تتحقق كاملة بدون هدوء إقليمي.

الأهم في حديث جمال مبارك أنه تكلم عن أن (الوطني) يقدم نفسه نموذجا للثقة والأمان، الثقة من حيث إنه نفذ تعهداته في الانتخابات الماضية، وقادر علي تنفيذ ما سوف يتعهد به، والأمان من حيث قدرته علي حفظ استقرار البلد وحماية مواصفاته المدنية ومراعاة التوازن بين كل فئات المجتمع وطوائفه ومختلف المؤمنين فيه.. لأن الأغلبية التي يقدمها الوطني لا تدفع الدولة إلي مغامرات.. وليست لديها مشروعات مدمرة من النوع السوداني.. كما أنها تعرف كيف تحمي وضعية الاقتصاد.. ولاتسعي إلي تدمير للعلاقات فيما بين فئات المجتمع أو فيما بين مصر ومايحيطها من مكونات الإقليم. (دول الفرقاء) من حولنا عكس هذا.. بسبب أصحاب التوجهات المتأسلمة، والمتطرفين الذين ينازعون الدول داخل الدول علي سيادتها.. وليس أوضح مثالا من ذلك سوي حالة لبنان.. التي يمكن إيجاز الموقف فيها كما يلي في اللحظة الآنية:

- تشير أصابع الاتهام بوضوح إلي تورط حزب الله في عمليات الاغتيالات التي راح ضحيتها رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري وعدد من رموز السياسة اللبنانية.. وتتسارع الآن عجلة انعقاد المحكمة الدولية المدعومة من الأمم المتحدة لمحاكمة المتهمين المتوقع أن يكونوا من حزب الله.. ويدعو الحزب إلي مقاطعة المحققين.

- دفاعا عن نفسه فإن حزب الله حول مسألة الاتهام إلي أزمة سياسية طائفية مهددا بإلهاب البلد إن لم يكن إشعاله.. وقاطع ممثلوه الحوار الوطني الذي انعقد يوم الخميس الماضي.. كما يشن حملة ترويعية مستمرة بقصد تعطيل مختلف المسارات التي تؤدي إلي المحكمة.. وهناك توقعات بسيناريوهات خطيرة بصددها لبنان.

- يعاني لبنان من تشرذمه الطائفي الذي كان عنوان تنوعه، ونموذجه، منذ تحول حزب الله إلي أداة مناوئة للدولة وبمثابة دولة داخل الدولة، لها جيشها وأرضها ومؤسساتها، حيث يسيطر علي الجنوب، وبما في ذلك مناطق في بيروت، مؤججا التوتر السني - الشيعي، والشيعي - الماروني.

- تأسس حزب الله في الأساس بدعم وتمويل وتدريب وتسليح إيران، ومن خلال شبكة علاقات معقدة فإنه أصبح أداة في يد طهران تصل من خلالها إلي البحر المتوسط بينما هي في الخليج، بخلاف تبعيته لسوريا التي تري أن من حقها وحدها أن تهيمن علي لبنان دون اعتبار لمسئولية أبنائه وسيادة بلدهم.

- تستخدم كل من إيران وسوريا، عبر حزب الله، وضعه في أن يكون رهينة في نزاعات وصراعات كل منهما مع الولايات المتحدة والقوي الغربية، وبما في ذلك تصفية الحسابات الإقليمية مع أجنحة الاعتدال العربي.. وقد أدي هذا إلي حرب يوليو (تموز) 2006 التي فجرها حزب الله وأسفرت عن مليون شريد وسقوط 1200 شهيد.. ومن المتوقع أن تنفجر الأوضاع هذه المرة علي المستوي الداخلي في لبنان.. فضلا عن احتمال أن تستخدمه إيران في تعطيل مسار أي تحركات غربية في اتجاهها بخصوص الملف النووي.

إن وضعية لبنان المعقدة، التي تتأرجح علي حد السكين، تعود في أساسها إلي المشروع الذي يتبناه حزب الله، وهو علي شيعيته نموذج آخر لدعاة الدولة الدينية، وهو علي رأس تحالف إقليمي من المنظمات المشابهة التي تؤتمر بأمر إيران ومنها حركة حماس في فلسطين وحركة الإخوان المحظورة في مصر.. وقد ثبت هذا عمليا فيما يخص الإخوان حين قال مرشدهم السابق محمد مهدي عاكف إنه مستعد لأن يرسل عشرة آلاف مقاتل إلي لبنان لمساندة حزب الله في حرب 2006.. بالإضافة إلي المواقف المتناسقة والمخططة التي اتخذوها كلهم (حزب الله والإخوان وحركة حماس) إبان حرب غزة في عام «2008-2009».. وكان الخطاب العنيف والحاد جدا موجها منهم جميعا إلي مصر وليس إلي إسرائيل.

لا أنسي في هذا السياق أن المحامين الإخوان هم الذين دافعوا عن كثير من المتهمين في قضية تخابر حزب الله علي مصر.

- حالة العراق

في الأسبوع الماضي، تبنت السعودية لبعض الوقت مبادرة للدعوة لاجتماع يحضره (فرقاء العراق) في الرياض تحت مظلة الجامعة العربية بعد عيد الأضحي المبارك.. وقد علقت في قناة العربية علي التحديات التي تواجه هذه المبادرة.. من داخل العراق وخارجه علي الرغم من كونها تمثل تحركا عربيا ينقذ العراق من تدخلات الأطراف غير العربية التي تلاحقه.. لكن العراق الذي فرض نفسه علي الأجندة المصرية الداخلية في الأيام الماضية بعد تهديد الكنائس المصرية.. يبدو وضعه أكثر تعقيدا لأسباب أخري.. أهمها وجود الاحتلال وانهيار الدولة بسبب عملية الغزو التي تعرض لها في عام 2003:

- يعيش العراق منذ أشهر أزمة تشكيل الحكومة، التي تعوقها حسابات طائفية معقدة، وتدخلات خارجية متربصة.. هذان العنصران هما المكون الأساسي المسيطر علي المفاوضات الداخلية..إذ علي سبيل المثال قبل التحالف الوطني بنوري المالكي مرشحا لرئاسة الحكومة بعد أن رفعت الولايات المتحدة اعتراض التيار الصدري عن المالكي.

- القوي المنافسة سارعت إلي قطع الطريق علي ترشيح المالكي.. وعلي رأسها القائمة العراقية بقيادة إياد علاوي الممثلة للسنة العلمانيين فضلا عن بعض مكونات الائتلاف الوطني وعلي رأسه المجلس الأعلي بقيادة عمار الحكيم.

- تمارس إيران في هذه الساحة ألعابا مهولة.. بحيث إنها تدعم ترشيح المالكي (الشيعي).. من أجل تحقيق حكومة شيعية دينية.. تحتل فيها الميليشيات الشيعية المسلحة موقعا نافذا.. ويكون وجود السنة والعلمانيين فيها رمزيا.. وهدف إيران هو ترسيخ هذه الصيغة في حكم العراق ومن أجل الإطاحة بأي نتائج أسفرت عنها الانتخابات العراقية وأظهرت تواجدا ملموسا للسنة في البرلمان.

- استخدمت إيران لتعضيد المالكي أساليب متنوعة.. منها اتهام الرافضين له بشق الصف الشيعي.. وتوظيف الفتاوي التي يصدرها مراجع الشيعة في إيران.. ودعم الأجنحة العسكرية للكيانات السياسية علي حساب الأجنحة السياسية.. ووعد الصدر بأن تندمج عناصر جيش المهدي في الأجهزة الأمنية الحكومية.. وكل هذه الأجنحة العسكرية هي في النهاية خاضعة لإيران تمويلا وتدريبا وتخطيطا.

- يعني نجاح إيران في تحقيق أهدافها أنها تقول للعراقيين إن الوصول إلي الحكم يكون من خلال رضائها وليس من خلال صندوق الانتخابات.. وأنها يمكنها أن تصل بمن تريد وتمنع من تريد.. وبالتالي فإن من يصل إلي الحكم عبر هذه البوابة الفارسية عليه أن يدفع الثمن.. ليس من حيث كونه يتبع المشروع الإيراني فقط.. وإنما من حيث كونه لابد أن يرتمي في أحضان طهران لكي يبقي في موقعه.

خلاصة القول في وضع العراق تشير إلي أكثر من أمر، أولها أن النظم الديكتاتورية الحمقاء إنما تقود بلدانها إلي حتف مجهول.. كما فعل صدام حسين في العراق.. إذ كان أهم العناصر التي قادت إلي إتمام عملية الغزو ونجاحها.. وانفضاض الشعب من حول النظام بحيث إنه لم يدافع عن بلده.. إلي الدرجة التي صحا معها الوطن علي عراق منهار تماما.. انحل جيشه وأطلق اللصوص من سجونه.. وأصبح مرتعا لتنظيمات تختلط أدوارها ما بين المقاومة والإرهاب.. وميدانا للتناحر الطائفي بين مختلف العقائد والأعراق.

الديمقراطية التي اصطنعها الاحتلال في العراق بناء علي دستور مشوه وأوضاع طائفية تقوم علي المحاصصة الهشة، لم تنقذ العراق من مأساته في ظل ارتباك وتدهور أوضاعه الأمنية، كما أن الخلل الرهيب في أوضاع الأجهزة الأمنية أدي إلي انتشار الميليشيات المسلحة التي تمول وتدرب من أطراف خارج العراق، وأصبح أمراء الميليشيات أرقاما في السياسة.. وظلت التعقيدات تعوق أي نتائج يمكن أن تسفر عنها العملية الديمقراطية الشكلانية.

هذه المسألة المعقدة جدا، هي نتاج مهم وأساسي إلي كل دعوات الاستجابة لتطبيق الديمقراطية علي الطريقة الأمريكية التي تتشكل وفقا لمعايير لا تراعي الثقافات المختلفة، وهي كذلك ثمرة الحنظل التي جاءت من زراعة الطائفية في البلد لدرجة أن هناك من يتمني عودة أيام الديكتاتور الراحل صدام حسين .

- حالة فلسطين

وإذا كان السودان يتكبد الآن نتيجة تخريفات الدولة الدينية التي أرادها حسن الترابي، وإذا كان لبنان يعاني من هيمنة أطراف خارجية تستخدم أطرافا داخلية لديها مشروع آخر للدولة الدينية، وإذا كان العراق أرهقته نتائج الديكتاتورية والديمقراطية علي الطريقة الأمريكية والميليشيات الدينية، فإن ما جري ويجري في فلسطين هو نموذج حقيقي للانقلاب الذي يقوم به المتأسلمون علي آلية الديمقراطية.

لقد انتخبت حماس وأصبحت أغلبية في المجلس الفلسطيني بما أعطاها الفرصة لتشكيل الحكومة، غير أنها وكما يقول الجميع عن دعاة الدولة الدينية أطاحت بالسلم الذي وصلت به إلي الحكم.. منهية العملية الديمقراطية بعملية انقلابية علي السلطة الفلسطينية.. ومضت أبعد من ذلك حين اقتطعت من التراب الفلسطيني أرض غزة.. وفصلتها عن رام الله.. وتهدد مستقبل الجغرافيا الفلسطينية برمتها.. وفرضت حماس علي قطاع غزة واقعا مختلفا.. تغلق فيه نقابات الصحافة ويمنع فيه أي صوت سياسي آخر وتخضع فيه العمليات اليومية للابتزاز المستمر من ميليشيات حماس.. التي تراجعت عن عملية مقاومة الاحتلال وأصبحت تقوم بعملية إخضاع لشعبها في سجن كبير.

ومن المعروف أن قرار حماس ليس بيدها.. لا من خلال من انتخبها ولا من خلال كوادرها.. ولأسباب مالية وولائية وعسكرية فإنها تتبع الأجندات السورية والإيرانية.. وبما في ذلك الامتناع عن بلوغ وحدة الصف الفلسطيني.. والقيام بشكل مستمر بتخوين القيادة الشرعية.. ورفض أي صيغ يطرحها الأشقاء العرب وخصوصا مصر من أجل التصالح.. وبما في ذلك المحاولات الأخيرة التي نشطتها مصر من أجل التوقيع علي الوثيقة المؤجلة بين فتح وحماس.

والحاصل خلاصة لكل ذلك في أرض فلسطين هو أن الشعب منقسم بين أرضين وسلطتين إحداهما شرعية والأخري انقلابية.. ويعاني في قطاع غزة من أوضاع مأساوية.. وبينما يتمتع الاحتلال الإسرائيلي بأوضاع هانئة لايجد مقاومة ممن يقولون أنهم مقاومون فإن الجهود المبذولة من أجل إعلان دولة فلسطين تظل مقيدة بالانقسام الفلسطيني وبالتبيعة التي تجعل حماس ألعوبة في أيدي أطراف غير فلسطينية.

----

إن اليمن يحتاج إلي حديث تفصيلي، خصوصا أنه مقبل علي (حالة أفغانية) لكن النتيجة العامة لكل هذه الأوضاع الماسأوية من حولنا تثبت بما لايدع المجال لأي شك ما يلي:

- الديمقراطية لابد أن تترسخ في المجتمعات العربية.. خصوصا إذا كانت متنوعة.. والديمقراطية التي نعنيها ليست غاية في حد ذاتها.. حتي لو كانت آلية مقبولة ومقرة قانونا.. وإنما هي تستخدم من أجل تحقيق الاستقرار في المجتمع وليس من أجل تفتيته وتهديد أمنه.

- الدولة المدنية القائمة علي مبدأ المواطنة وتطبيق القانون والمساواة بين الجميع، مسلم ومسيحي، أسود وأبيض، عربي أو كردي، شيعي أو سني، شمالي أو جنوبي، هي الخيار الأوفق للحفاظ علي توحد المجتمعات والتمسك بثبات جغرافيا الدول، وحماية الوحدة الوطنية.. في حين أن مشروع الدولة الدينية هو الذي يقود في كل الأحوال إلي حالة (دول الفرقاء).

- انهيار الاستقرار في أي بلد يقوض أي فرص من أجل التنمية.. وتضعضع الأمن ينهي البيئة الواجبة للحياة الطبيعية.. ولا أعتقد أن هناك الآن حديثا عن مشكلات الناس اليومية في السودان.. أو البحث في هموم المواطنين في العراق.. أو السعي إلي تطوير الحياة في مستقبل لبنان.. فضلا عن أن هذه الأمور نفسها غير مطروحة أصلا في فلسطين المقيدة باحتلال والمسجونة في انقسام.

- الإرهاب والعنف هو النتيجة الطبيعية لأي اختيار يؤدي إلي شرذمة البلد بين فرقاء، حيث تسقط الدولة ويكون الحكم للتنظيمات، وتسود كلمة الميليشيات وأمراء الحرب.

- الانشطار فيما بين الفرقاء علي المستوي السياسي هو الذي يؤدي إلي نمو اتجاهات التقسيم والانشطار علي المستوي الجغرافي، خصوصا حين تختفي قواعد الاختلاف الحر والبناء في مجتمعات لها قانون.. وفي كل الدول التي سادها مشروع ديني كانت النتيجة هي التقسيم سواء حدث أو في طريقه إلي الحدوث.

- مختلف تنظيمات المشروعات الدينية تنقاد من خارج بلدانها.. إما لأنها تتبع دولة هي التي رعتها ومولتها.. أو لأنها تخضع إلي التزامات من قبل تنظيمات دولية تمارس الوصاية علي التنظيمات التابعة.. أو لأنها لديها التزام أيديولوجي بأن تذوب الدول في مشروع أكبر وأوسع مثل ذلك الذي يردده الإخوان فيما يخص حلمهم المسمي بتأسيس دولة إسلامية عظمي تكون فيها مصر مجرد ولاية من بين عشرات الولايات.

هذه هي ملامح الصورة ومواصفات الأوضاع التي يجب أن ترفع الطلب علي الاستقرار والدولة المدنية في مصر.. والتي تجعل من الواجب أن يركز الناخب المصري وهو مقبل علي الانتخابات التالية علي مستقبل بلده بحيث يحميه من كوارث محيقة وخطيرة.. نحن متأكدون من أنه يدرك تبعاتها علي مستقبله الشخصي قبل مستقبل البلد.


عبد الله كمال

يمكنكم مناقشة الكاتب وطرح الآراء المتنوعة على موقعه الشخصى

www.abkamal.net

أو موقع روزاليوسف:

www.rosaonline.net

أو على المدونة على العنوان التالى:

http//alsiasy.blospot.com

أو على صفحة الكاتب فى موقع الفيس بوك أو للمتابعة على موقع تويتر:

twitter.com/abkamal

البريد الإلكترونى

Email:abk@abkamal.net



التعليقات

برجاء تسجيل الدخول حتى تستطيع التعليق
عنوان التعليق
التعليق
  • سوف يحتاج التعليق إلى موافقة المحرر قبل نشره
  • Design and Development by Microtech