بالمصرى > رجال أيضاً محجبات
10 يوليو 2010 3:00 م
-

فتش عن صراع الرجل والمرأة حين تنظر إلى ما يثير الجدل فى مصر . لا تبعد كثيرا. ألق نظرة على الأسبوع الماضى.

لقد رحل المفكر الكبير نصر حامد أبوزيد.. هذا الذى كفروه عن أفكاره.. ولما قرروا أن يعاقبوه كان أن فرقوه عن زوجته.. فمثلت حكايته دليلا مروعا على بطش التطرف فى هذا البلد.. فغادر وهاجر.. ولما هدأ الإعصار كان أن تردد على بلده.. إلى أن مات.

وفى الأسبوع الماضى قضت المحكمة الدستورية بعدم الاعتداد بحكم الإدارية العليا بشأن الزواج الثانى للأقباط.. وهللت الكنيسة ومن يؤيدون موقفها الدينى. وبقيت المشكلة تنتظر حل إقرار قانون الأحوال الشخصية للأقباط.. لكن أحدا لا يتوقع أن تؤدى هذه التحولات القانونية إلى إنهاء الوضع المعقد بين الرجل الذى يريد أن يترك زوجته.. والمسيحية التى تريد أن تترك زوجها.. بينما الكنيسة بتعاليمها تبقى عددا هائلا من البيوت بين شريكين لا يريدان العيش معا.

إن أحد أهم معضلات الجماعة الأكثر تطرفا فى الحياة السياسية المصرية هى أنها لا تريد أن تعترف بحق المرأة فى الولاية.. وأن مكتب إرشادها يخلو من النساء.. وأن قياداتها لا تعترف بحق المرأة فى المشاركة فى الحياة العامة.

وقانون الكوتة النسائية الذى يمنح الحق التاريخى للنساء فى مقاعد خاصة بمجلس الشعب.. ليس سوى تعبير عن مشكلة عويصة فى المجتمع.. أى أنه لا ينتخب النساء غالبا.. ولايقبل بإعطائهن الفرصة فى معظم الأحوال.. إن القانون مكسب حقيقى وعصرى.. ولكنه فى النهاية اعتراف بتخلف المجتمع وعداء الرجل المبين للمرأة.

وحتى اللحظة فإن تعيين المرأة قاضية فى المحكمة الدستورية يمثل حدثا تاريخيا.. وتعيينها فى المحاكم العادية يمثل حدثا آخر.. ولكنها رغم الحدثين ممنوعة من دخول مجلس الدولة.. الذى لا يجد كبار سدنته أى غضاضة فى الإقرار بأنهم لايعتبرون ذلك أمرا ملائما فى عام2010.

إن الرجل يقهر المرأة . يستبعدها. وأحيانا يستعبدها. وهى لم تزل معضلة حياته. لا يمكنه بسبب حقوق الإنسان وضغوط العصر وقوة القانون أن يئدها. لكنه يحاصرها. فإن لم يكن بالتطرف.. فإنه يفعل ذلك بالاستهجان والحرب النفسية والملاحقة المعنوية.. وفى مصر من لم يزل يعتقد أنه يمكن حل مشكلة البطالة جزئيا لو عادت المرأة إلى البيت.

وحين لم يئد جسدها. فإنه سعى إلى وأد روحها. أغلب دعاة الحجاب والنقاب هم من الرجال. والداعون إليه رجال. والمنادون به رجال . حتى يبدو كما لو أن الحجاب على رءوس الرجال قبل النساء.. يغطى عقولهم قبل أن يغطى شعورهن.

المرأة هى الهدف . بالفكر . وبالأيديولوجية . وبالعادات . ولم تزل فى مصر ضرورة لأن تنظم الدولة حملة ضد ختان الإناث. لأن العائلات مأسورة بفكر الرجال إنما تمارس عادات بالية وتعتدى على جسد الأنثى بسكين حاد.. لعل هذا ينزع فتيل القنبلة التى يعتقد الرجل أنها سوف تنفجر فيه.

وفى مصر الآن أطفال محجبات . مدارس كاملة تجد فيها طفلات مغطيات الرءوس. والتى لا تتحجب تلاحقها كما لاحقت أمها من قبل لافتة تقول (الحجاب قبل الحساب).. وفى الكتب والثقافة ما يدفع إلى هذا دائما.. بينما التنوير اختنق أو زهق من يناصرونه لأن موج الرجال المحجبات أعلى من أى غيره.

وتتضخم المشكلة من السياسة والفكر إلى الأوضاع الاجتماعية .. فنعود مجددا لنجد أن كثيرا من مشكلات الجيل الجديد تتعلق بما بين الرجل والمرأة . العنوسة العابرة للجنس .. عنوسة الرجل.. وعنوسة المرأة .. هى إحدى معضلات المجتمع.. الضاغطة على الجميع.. أزمة زواج معقدة.. تفرض تبعات على الشباب .. أخلاقا وسكنا وعملا.. وبالتالى لها نتائج سياسية ونفسية عديدة.

وبينما تضغط العنوسة على السياسة.. فإن ارتفاع معدلات الطلاق يمثل ضغطا عكسيا أيضا على جنبات الحياة .. البيوت تهتز بسرعة.. والعائلات تنفصم بطريقة لم تكن معهودة من قبل.. والمحاكم مليئة بالقصص والملفات المتزايدة.. والمأذونون يطلقون بقدر يقارب مما يقومون بتزويجهم.. إن البعض يذهب للمأذون عدة مرات وهذه مشكلة كبيرة فى البلد.

ابحث عما بين الرجل والمرأة لكى تعرف بعضا من مشكلات هذا الوطن. فحين تستقر مبادئ المساواة على مستوى النوع لا نعتقد أنه ستكون هناك مشكلة على مستوى المساواة فى مجالات أخرى. وحين تستقر البيوت فإنه لن تنفجر فى المجتمع أمراض اجتماعية عديدة .

وحين يتراجع معدل التطرف الذى يمارسه رجال غير منضوين لجماعات دينية.. فسوف تنكشف فى البلد الحالة الحقيقية لحجم التطرف السياسى الذى يتستر وراء الإيهام بأنه يحظى بمساحة مهولة بين حملة الأصوات الانتخابية فى المجتمع على أساس أن كل المحجبات يعبرن عن انتماء لتلك التيارات.

هذه مشكلة ثقافية ودينية لها أبعاد سياسية واجتماعية .. تحتاج إلى جهد عميق النظرة لكى ينصلح الحال بين الرجل والمرأة.. ولكى تخف وطأة الرجال المحجبات.. والحجاب هنا ليس ملبسا فقط.. ولكنه تعبير عن ثقافة لا يتقدم معها المجتمع وإنما يحرز تخلفا وراء تراجع.. وعن عقول تأخذنا كل يوم إلى الوراء.. وتعتقد أن المرأة رجس.. والأنثى شيطان لابد أن يقنع.. أو يغطى رأسه لتمييزه.. والإيمان الشكلى بأن تغطيته سوف تؤدى إلى تحجيم ضغطه على هذا الرجل أو ذاك.

هذا العدد من «روزاليوسف» يقلب الأمر على أوجه عديدة . يناقش المسألة بطريقة مختلفة. يجعل النساء يتقمصن دور الرجال.. ويجعل الرجال فى موقف الرد على أفكار النساء.. ويطرح موضوعات مختلفة حول العلاقة بين الرجل والمرأة فى مجالات متنوعة.. لعل المجتمع يفيق.. ولعل الرجال المحجبات يخلعون الحجاب.. ولايفرضون على النساء وضعا لا يليق بالقرن الواحد والعشرين.

التعليقات

برجاء تسجيل الدخول حتى تستطيع التعليق
عنوان التعليق
التعليق
  • سوف يحتاج التعليق إلى موافقة المحرر قبل نشره
  • Design and Development by Microtech