بالمصرى > الغلاف الممنوع والعدد المسموح
3 يوليو 2010 3:05 م
-

حين يدخل زائر إلي مكتبي، فإنه يجد علي جدرانه عددا من الصور المختلفة.. اثنتان لـ «روزاليوسف» السيدة العصامية الرائعة والرائدة التي أسست المطبوعة العريقة التي شرفني القدر برئاسة تحريرها.. واحدة منهما لها وهي في هيئة (سارة برنار) الشرق.. إذ كان هذا هو الوصف الذي يطلق عليها باعتبارها نجمة مسرحية عظيمة.. والثانية هي الصورة الأشهر لها معبرة عن قوة الشخصية وحسم القيادة.. والصورة الثالثة عبارة عن لقطة لزميل مصور شاب هو الأستاذ «علي عمر».. التقطها لفرقة باليه إسبانية كانت تزور مصر.. في لحظة ارتقاء الراقصات فوق المسرح.. فتمكن من التعبير عن إبداع الراقصات في الهواء.. والرابعة هي (مسودة غلاف) منعت نشره لمجلة «روزاليوسف».. رغم أني تقريبا صاحب فكرته.

كنا في نهاية 2005. بداية شهر ديسمبر.. وكان رأينا في مجلس تحرير «روزاليوسف» أن الحكومة تفتقد التواصل مع الجمهور.. وكان أحد العناوين المطروحة علي مجلس تحرير المجلة هو: (هل تعرف الحكومة هذا الشعب).. وترك العنوان إلي المبدع القدير الفنان الدكتور سامح حسان.. المدير الفني للمجلة.. فأعد غلافا بدا فيه الدكتور نظيف كما لو أنه يتكئ إلي عصا تقود طريقه في مصر.. بينما كان يغطي عينيه بنظارة سوداء.. والمعني مفهوم.

أعجب جميع الزملاء بالغلاف.. فهو حاد.. رغم كونه غير مبهرج.. عنيف الانتقاد رغم تأنقه.. أكثـر ما أعجبني فيه هو أنه يتسق مع شخصية المجلة التي عرفت منذ 1925 حين صدرت قبل 85 عاما بأنها رائدة في فن الكاريكاتير.. وقد كانت لها بصمات مميزة في هذا المجال حتي إن بعض رسامينا في الأربعينيات كانوا يرسمون النحاس باشا بالبكيني.. غير أني وجدت أنه من الصعب أن أقرر نشر الغلاف.. لأن الحكومة وقتها كانت تفتقد بالفعل التواصل مع الجمهور.. لكن الغلاف يصل إلي الحد الأقصي ويصف الدكتور نظيف بأنه لا يبصر سياسيا.

وبقي الغلاف علي الحائط.. أحكي قصته لكل من يدخل مكتبي لأول مرة.. ولا أجد ضيرا علي الإطلاق في أنني لم أنشره.. فالقرار التحريري هو في النهاية تقدير سياسي.. والمبالغة الانتقادية لها حدود.. وفيما بعد لم يمنعني هذا من أن أكتب مجموعة شهيرة من المقالات في الجريدة اليومية عنوانها (حكومة الأيدي الناعمة).. وقد آثرت نشرها بعد منح الحكومة المجددة وقتها بعد انتخابات مجلس الشعب.. فرصة شهر العسل السياسي التي تتاح لأي حكومة.. مائة يوم.. بعدها يجب أن تخضع لسيف التقييم.

الغلاف في حد ذاته تعبير عن تطور فن الكاريكاتير في «روزاليوسف». الكاريكاتير كإبداع انتقادي لم يعد فقط هو الخطوط المرسومة.. بل إن الجرافيك كوسيلة طباعية تكنولوجية جديدة أعطي فرصا كبيرة للتعبير الانتقادي باستخدام الصور الفوتوغرافية.. مخلوطة برأي الفنان الذي يبدع كولاجه.. وفيما بعد وفي العام الحالي كانت صدفة أن أجد علي غلاف الإيكونوميست قبل الانتخابات البريطانية الأخيرة غلافا فيه صورا معدلة للمرشحين الثلاثة (كاميرون - براون - ونيك كليج) مع عناوين تعليقية تنوعت حول معني (الشيطان الذي نعرفه أو لانعرفه). لكن الصحافة المصرية في السنوات الأخيرة عرفت نوعا من العبث في محاولات بعض الصحف الأسبوعية - تحديدا - لكي تمزج بين الانتقاد والإمكانيات المتاحة في فن الجرافيك.. ووصل الأمر حد أن صحفا رسمت قرونا شيطانية للسياسيين.. ووضعت صحفا أخري إهانات علي صدور شخصيات دينية.. وعبرت رسوم كثيرة عن عجز بعض الصحف عن أن تقول معني عميق وحاد بدون أن تنجرف إلي الدرك الأسفل من انعدام اللياقة والذوق.

الكاريكاتير هو رحيق الصحافة.. وروحها.. وهو بالنسبة لـ «روزاليوسف» إكسير الحياة.. وعلامة مدرستها.. وأزعم أن أسلوبنا المكتوب قد تأثر بأسلوب رسامينا المتتابعين في البيت العريق.. عبورا علي أسماء من حجم صاروخان وعبدالسميع وصلاح جاهين وحجازي والليثي وبهجوري واللباد.. وكثيرون غيرهم من أيقونات المدرسة.. وحتي حين حاولت بعض الصحف المستحدثة أن تنقل من أسلوب «روزاليوسف» المدون باسمها تاريخيا وانتقل إلي شقيقتها «صباح الخير».. فإن تلك الصحف ارتبكت.. وتخبطت.. حتي لو كان بعضها قد أبدع.. والسبب هو أن هذا لايتسق فطريا مع شخصيتها.

في هذا العدد نحاول أن نعطي دفعة قوية جديدة لملمحنا الأهم تاريخيا ومهنيا.. نرسخ شخصية المطبوعة التي يمثل اسمها علامة في صحافة العرب الأسبوعية.. ولم نزل نقول بكل فخر إن تلك المجلة هي الأسبوعية السياسية الأولي باللغة العربية.. ونعتقد أننا علي حق. محاولتنا تلك هي عمل صحفي وفني وسياسي وإنساني.

صحفي من حيث كونه عددا نصفه بأنه مبتكر في سياق طبيعة المجلة.. يعبر بصورة عميقة عن تطور فن الكاريكاتير وعن أن تلك الصفحات هي ميدانه الحقيقي.. إذ لاطعم لهذا الفن الحاد إلا هنا.. ولابريق له إلا في «روزاليوسف».

وفني من حيث كونه يتضمن تيارات مختلفه واتجاهات متنوعة في الرسوم.. معبرا عن تطور الفن في الصحافة المصرية.. مقارنة بصحافة العالم والعرب.. ومن حيث كونه وجبة امتاعية.. لقطة كالطلقة.. وكتائب من رئيس الرسم تبدو كما لو أنها نصال خناجر.. تجرح ولا تدمي.. تؤثر ولا تنسف.

وسياسي من حيث كونه (احتجاجي).. فالكاريكاتير اعتراض في أوله.. ورفض في آخره.. وسخرية في كل الأحوال.. وتلخيص إيجازي ناقد.. ويسلط الأضواء بأبسط الأساليب.. وربما أكثرها عمقا.

وإنساني من حيث كونه يتسق مع طبيعة الشخصية المصرية الساخرة.. التي تنكت علي كل شيء.. حتي لو قيل إنها تعاني من الاكتئاب.. وحتي لو قيل إنها لا تبتسم كما اعتادت.. إنه عدد نابع من داخل نسيج مصر وثقافتها.

لقد حان الوقت لكي أنشر الغلاف الذي منعته.. علي سبيل التاريخ.. وعلي سبيل تأكيد أن النقد الذي يمكن أن يوجه إلي الحكومة وغيرها في «روزاليوسف» قد تجاوز هذه اللوحة التي أظهرت الدكتور نظيف علي أنه لا يري ما حوله من حقائق.. ففي هذا العدد عديد من الرسوم التي قد يبدو هذا الغلاف بالنسبة إليها أخف وطأة وأقل حدة.. وبالتأكيد سوف يتعامل كل من تعرض للانتقاد في هذا العدد بروح منفتحة.. إذ إنه بصدد اختبار لمدي تقبله للمناخ الحر الذي تعيشه البلد. فهل يمكنهم ان يحتملوا؟.. أتمني.

التعليقات

برجاء تسجيل الدخول حتى تستطيع التعليق
عنوان التعليق
التعليق
  • سوف يحتاج التعليق إلى موافقة المحرر قبل نشره
  • Design and Development by Microtech