الاولى > عبدالله كمال يحلل نتائج مجزرة البحر المتوسط: تركيا منحت إسرائيل نصرًا بلا ثمن
2 يونيو 2010 12:02 ص
-

انقلاب بالاتفاق في أنقرة: أردوغان رئيسًا.. وأوغلو رئيسًا للوزراء.. و جول ينسحب

أنقرة لن تقطع علاقاتها مع إسرائيل.. وجماعة الإخوان في مصر استفادت من «التطبيع المصري مع تل أبيب» رغم أنها ترفضه

إسرائيل قبلت بالفضيحة الدولية الثانية في ستة أشهر.. لأنها تريد توجيه رسالة ثلاثية إلي طهران وحزب الله وأردوغان

اضطر رئيس مجلس الأمن، لهذا الشهر، وهو رئيس وفد لبنان في الأمم المتحدة، أن يغادر قاعة المجلس أثناء إلقاء مندوب إسرائيل لبيانه بشأن «مجزرة المتوسط» التي ارتكبتها إسرائيل فجر الاثنين، وأسفرت عن مقتل عدد ممن شاركوا في قافلة «أسطول الحرية» التي هدفت إلي اختراق الحصار الإسرائيلي علي غزة.

كان تصرف مندوب لبنان غريبًا، ويقع بين تقاطعين، الأول: هو الضغوط الداخلية السياسية الواقعة عليه.. في إطار توازنات لبنان وتأثيرات حزب الله علي الحكومة.. والثاني: هو أن بلده يتولي مهمة دولية ترشح لها بإرادته.. لها تبعات والتزامات.. ومن بينها أن يدير جلسات المجلس خلال أزمة من هذا النوع.. لها أبعاد إقليمية.

لقد طرحت من قبل في بيروت تساؤلات حول المبررات التي تدفع دولة بظروف لبنان إلي أن تقحم نفسها في هذه التعقيدات الدولية من خلال الترشح لعضوية مجلس الأمن.. ما سوف يؤدي إلي فرض استحقاقات عليها قد لا تتسع لها مواصفاتها.

وفي هذا السياق، فإن لبنان، الذي لم يتحسب لواقعة اضطر مجلس الأمن لأن يتناولها، كان قد وصل إلي صيغة تنقذه من تقاطعات أخري بين مجموعة من الأفيال.. بأن قررت القوي الدولية أن ترفع عنه الحرج.. وأن تنتظر حتي تنتهي مدة رئاسته لمجلس الأمن ثم تطرح علي المجلس مشروع قرار العقوبات المقترح أمريكيًا بخصوص إيران.

وبسبب الأوضاع الداخلية، وولاء حزب الله المعلن لصالح إيران، ليس معروفًا كيف سيكون موقف لبنان حين يطرح مشروع قرار العقوبات.. إن وافق مندوب لبنان علي القرار فإن إيران ومن ثم حزب الله وسوريا سوف تغضب.. وإن رفضت القرار غضب الغرب.. وربما كان الامتناع عن التصويت هو أسوأ الخيارات الممكنة.. وهو اختيار قد لا يكون متاحاً.

• قوة بحرية!

موقف لبنان هو ــ بشكل نموذجي ــ تعبير عن تعقيدات الشرق الأوسط التي تدفع بعض الدول وبعض الأطراف إلي اتخاذ مواقف قد تفوق واقع مواصفاتها.. وتضعها في حرج بالغ.. أو تكشف حقيقة تلك الإمكانيات.. مقارنة بالدعاية التي تسبق حدوث الأزمات.

علي سبيل المثال، فإن حزب الله، وعلي لسان أمينه العام، حسن نصر الله، كان قد أعلن قبل نحو أسبوع عن امتلاكه قدرة بحرية عسكرية يمكنه أن يستخدمها ضد إسرائيل في البحر المتوسط إذا ما حاصرت شواطئ لبنان.. وقالت أصوات أخري في حزب الله إن الأمر يمتد إلي حد ملاحقة إسرائيل لو حاصرت شواطئ غزة.. وهي الدعاية التي تم اختبارها بعد أسبوع واحد.. ثم تبين أنه ليس في مقدور حزب الله أن يفعل شيئًا،وإلا كان قد قام باجراء لانقاذ قافلة البحر من قبضة إسرائيل.

وعلي سبيل المثال أيضًا، فإن جماعة الإخوان في مصر، التي ترفض التطبيع مع إسرائيل، وتنتقد اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، كان أن خضع اثنان من نائبيها في مجلس الشعب «حازم فاروق ومحمد البلتاجي» إلي الاستفادة من هذا التطبيع.. لأن سفارة مصر في تل أبيب تدخلت من أجل الإفراج عنهما بعد أن ألقت سلطات إسرائيل القبض عليهما في عرض البحر واقتيدا إلي ميناء أشدود.. حيث تمتعا بثمار التطبيع.

• معضلة تركيا

هذه وتلك لا تقارن علي الإطلاق بالموقف المعقد الذي تعاني منه تركيا الآن.. وهي تقدم نفسها كقوة إقليمية صاحبة دور قادر علي التحدي.. وبعد أن تم قتل العدد الأكبر من الضحايا إسرائيليا من بين الأتراك في «أسطول الحرية» فإن رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان قد اكتفي بأن قال لإسرائيل إن عليها ألا تواصل اختبار صبر تركيا.

ومن المدهش أن سفير تركيا في مجلس الأمن حاول أن يجد مخرجا لبلاده من المأزق التي هي فيه بأن قال أن ما جري في المتوسط ليس مشكلة بين تركيا وإسرائيل ولكنها مشكة بين إسرائيل والمجتمع الدولي كله!

لقد اختبر صبر تركيا بالفعل، وأنقرة في مأزق، وهي واقعة تحت ضغوط عنيفة، سوف تكشف عن حجم الفرق ما بين الدعاية التركية والواقع الذي يمكن أن تنفذه علي الأرض.. وبحيث يتبين لنا ما هي قدرتها علي أن تتحدي إسرائيل.. وإلي أي مدي سوف تذهب بعيداً.

كان يمكن لأنقرة أن تدفع منظمات الإغاثة التي راحت تمارس الاستعراض في البحر، لو أنها أرادت حقًا أن تغيث الشعب الفلسطيني، وأن تستثمر علاقاتها مع إسرائيل لتمرير المعونات وبما في ذلك مواد البناء لقطاع غزة.. بدون هذا الموقف الذي سقطت فيه.. وبدون أن تتعرض لهذه الإهانة المدوية التي لن تملك عليها رداً.

في هذا السياق نضرب المثل باستخدام مصر لكل قنواتها وأدواتها في سبيل توصيل المعونات الي الشعب الفلسطيني ومنها المعونات الاماراتية قبل أيام.. وفتح معبر رفح الذي تقرر بالأمس لرفع المعاناة عن غزة.

سحبت تركيا سفيرها في إسرائيل، لكنها لا تقوي علي احتمال أن تقطع علاقتها بتل أبيب، وسوف يعود السفير لاحقًا.. وحتي المناورات العسكرية التي تم إلغاؤها بين البلدين.. كاشفة عن وجودها رغم لغة العداء التركية لإسرائيل والمناقضة لهذا التعاون العسكري العميق.. هذه المناورات سوف يتم تقرير موعد جديد لها.

وبخلاف قدر من الصخب، فإن تركيا لم تحصل من مجلس الأمن علي إدانة صريحة لإسرائيل.. بل بيان رئاسي عائم.. وليس قرارا يعلق الجرس في رقبة إسرائيل.. والتوجه الهادف إلي إجراء تحقيق في «مجزرة المتوسط» التي ارتكبتها الآلة العبرية العسكرية سوف يقود إلي عملية استنفاد وقت.. لن تقود إلي الثأر القانوني لضحايا تركيا.. فهل لدي أنقرة القدرة علي القيام باختيار آخر، يوازي الدعاية التي تسوقها كقوة إقليمية؟ لا أظن.

• اختفاء رئيس

الملاحظة الأهم في هذا السياق، هي أن جميع المراقبين قد تابعوا اختفاء الرئيس التركي عبدالله جول من الساحة.. وعدم ظهوره في تلك الأزمة.. بينما قطع رجب طيب أردوغان زيارته إلي شيلي عائدًا إلي تركيا لمتابعة مجريات الموقف.. وقد لوحظ كذلك أن جول لم يظهر حين زار الرئيس الروسي ميدفيديف تركيا قبل وقت قصير.. وتشير الوقائع الأخيرة في ضوء المعلومات المتاحة إلي أن أزمة «مذبحة البحر» لن تؤدي إلي تسجيل نقاط لمصالح تركيا إقليمياً بقدر ما سوف تسرع بتفاعلات صراع تركي داخلي.. في ضوء ما يلي:

هناك خلاف عميق بين كل من جول وأردوغان حول طبيعة الدور التركي.. الأول لديه قدر من التحفظ والثاني يسعي إلي الاستعراض ذي الأبعاد الأيديولوچية .. بحيث تبدو وتركيا قوة إقليمية.. ما يؤدي إلي أن يسعي الاتحاد الأوروبي لضم تركيا في عضويته وليس العكس.

يعاني أردوغان من متاعب صحية قد تدفعه إلي ترك منصب رئيس الوزراء، في ذات الوقت الذي أصبح فيه رئيس الأركان التركي الحالي.. التابع عملياً ودستوريًا ـ لرئيس الجمهورية ـ من الطراز الذي لا يسبب معوقات لحكومة حزب العدالة والتنمية.

سوف يحدث قريبًا تغيير انقلابي بالاتفاق الصامت بين أطراف حزب العدالة، يؤدي إلي إبعاد جول من منصب الرئيس، ومن ثم يصبح أردوغان رئيسًا للجمهورية، ويكون وزير الخارجية الحالي أوغلو رئيسًا للوزراء.. ويسود الاتجاه الساعي إلي ممارسة الاستعراض الإقليمي الأيديولوچي غير المحسوب.. الذي يواجه الآن اختبارا قاسياً.

• أهداف إسرائيل

إسرائيلياً، تواجه حكومة نتانياهو اختبارًا دولياً صعباً بدوره، في ضوء الصدامات التي تخوضها للمرة الثانية في ستة أشهر مع مجموعة مختلفة من دول العالم.. فبعد خطيئة اغتيال المبحوح المسئول العسكري لحماس في دبي من خلال عملية مخابراتية غير نظيفة.. تواجه إسرائيل الانتقادات الدولية الحادة بسبب العملية العسكرية الدموية غير المبررة في عرض البحر وخارج المياه الإقليمية.

حتي الآن تتوالي تعنيفات دول حليفة لإسرائيل نتيجة لاستخدام عملائها لجوازات سفر تلك الدول في اغتيال المبحوح.. وبعد رد فعل حاد من بريطانيا كان أن جاءها رد فعل أكثر حدة من أستراليا.

لا يجد المحللون دوافع حقيقية يمكن أن تذهب بإسرائيل إلي ما ذهبت إليه في مجزرة المتوسط.. وتقول معاهد دولية إنه كان يمكن لإسرائيل أن تستخدم قنابل الغاز المسيل للدموع أو خراطيم المياه.. ولكنها اندفعت إلي فعل دموي عنيف وضعها تحت طائلة الانتقادات الدولية.

يبدو أن إسرائيل تدرك أبعاد التوازنات الدولية التي لن تذهب بعيدًا للضغط عليها، ولن تصدر قرارًا في حقها.. في ضوء محاولة حلفاء الغرب أن يبقوا علي إسرائيل قيد السيطرة فيما يتعلق بملف آخر بعيدًا عن غزة.. وهو هنا الملف النووي الإيراني.

الثمن الذي قررت إسرائيل أن تدفعه، يهدف إلي أن تقول أكثر من رسالة.. الأولي إنها يمكن أن تلجأ إلي القوة في أي وقت.. وإنها لن تسمح لملف غزة بأن يتم الضغط به عليها في إطار التفاعلات الإقليمية المتوقعة بعد صدور قرار العقوبات علي إيران.. ومن ثم فإن الرسالة التي تلقتها تركيا هي أيضًا رسالة لحزب الله وإيران.. خاصة أن هذا الاستعراض البحري له أبعاده في ضوء أن قرار العقوبات المنتظر علي إيران سوف تكون له أبعاد بحرية.

• رسالة إلي طهران

إن الجريمة البشعة التي ارتكبتها إسرائيل واجبة الإدانة، وهي تناقض أي قيم إنسانية، وتعبر عن عربدة لا أخلاقية، لكن تركيا التي كانت تمارس الاستعراض الإقليمي حققت فائدة كبري لإسرائيل.. ليس علي حساب أنقرة فقط.. وليس ضد مصالح أهل غزة فقط.. وإنما أيضًا علي حساب طهران.

التعليقات

برجاء تسجيل الدخول حتى تستطيع التعليق
عنوان التعليق
التعليق
  • سوف يحتاج التعليق إلى موافقة المحرر قبل نشره
  • Design and Development by Microtech