الاولى > عبدالله كمال يكتب (من نيس) : مذبحة في البحر
1 يونيو 2010 12:03 ص
-

 الجريمة الإسرائيلية والموقف المصري والمأزق التركي


تابعت بكل أسف، وبحزن كبير، ما تعرض له عدد من الناشطين الذين اعتلوا ما عرف بقافلة (أسطول الحرية) الهادف إلي تقديم الإغاثة لقطاع غزة.. ولا شك أن كل قطاعات الرأي العام قد انتابها شعور غاضب وهي تري البشاعة الإسرائيلية تؤدي إلي سقوط قرابة عشرين قتيلاً.. وإصابة عشرات غيرهم.. إثر عملية هجومية عسكرية في عرض البحر.. وحتي قبل أن تقترب القافلة من المياه الإقليمية لإسرائيل.

هذه الأنباء صدمتني، كما صدمت غيري، ونحن نتابع أخبار القمة الأفريقية ــ الفرنسية في مدينة (نيس)، حيث استيقظنا علي أخبار الفظاعة الإسرائيلية التي آثرت أن تلقي كل هذه السلبيات الإعلامية والصورة الإنسانية الشائنة حول العالم.. مقابل أن تمنع هؤلاء الإغاثيين من أن يصلوا إلي شواطئ غزة.

ولقد تبنت مصر موقفا واضحا لا يقبل الشك من اللحظات الأولي التالية للأزمة.. وقد استنكر بيان الرئيس مبارك من نيس التصرف الإسرائيلي ومن ثم فإنه طلب أن يتم إنهاء إجراءات الحصار.. في نفس اليوم الذي قامت فيه مصر باستدعاء السفير الإسرائيلي وتوجيه رسالة حادة له وإدانة التصرف الإسرائيلي.. وكان المتحدث باسم الخارجية قد أصدر بيانا أدان فيه عمليات القتل التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية.. مؤكدا علي موقف مصر المنبه دائما إلي وجوب إنهاء الحصار علي قطاع غزة.

ولا شك أن الموقف المصري الذي يعبر عن غضب الشارع وعن غضب الدولة كلها إنما يمثل جرس إنذار للأوضاع في الشرق الأوسط.. والتي تتأثر حتما بما يجري في فلسطين وخصوصا حصار قطاع غزة.

لقد تابعت السيناريوهات المتوقعة المختلفة في عدة عواصم بشأن طريقة التعامل مع القافلة المتحدية لسلطات الاحتلال والهادفة إلي كسر رمزي للحصار.. لن يقدم ولن يؤخر كثيرًا في الحالة الإنسانية لأهل القطاع بمجرد أن تنتهي الفعاليات الإعلامية للأمر.. وكانت بالطبع هناك سيناريوهات تتوقع أن تصل الأمور إلي حد التهور الإسرائيلي والتعامل العنيف مع القافلة.. ولكن أحدًا لم يفترض أن تصل إسرائيل إلي هذا المستوي من التصرف غير الإنساني.. الذي تحول إلي مذبحة.. وعنف.. ووقوف صارخ ضد المعايير الإنسانية.

بشكل عام، كان من الواضح أن هناك مشاعر تحد ضخمة تختلج كل من يشارك في القافلة.. وكان الكثيرون منهم يعتقدون أن مجرد تنظيم العمل في حد ذاته هو نوع من النجاح.. وأن مجرد تحرك القافلة إنجاز.. وقد قالت النائبة في الكنيست حنين الزغبي: إذا دخلنا إلي غزة نكون قد كسرنا الحصار.. وإذا لم ننجح نكون قد كسرنا الحصار الإعلامي والسياسي، والمعني أنه لم يكن ينتظر الكثير من القافلة البحرية لكي تفعله.

إن ما فعلته إسرائيل.. هذا العنف.. وتلك المذبحة.. وكل هذه الدماء.. يضع أكثر من دولة تشارك رعاياها في القافلة وفي الإعداد لها.. في مأزق رهيب.. خاصة تركيا التي استدعت خارجيتها السفير الإسرائيلي.. والأمور تتجه إلي التصاعد.. ذلك أن القافلة في الأساس هي مشروع تركي.. حتي لو كان عليها جزائريون وإنجليز ولبنانيون وحاملو جنسية إسرائيلية.. ومن ثم فإن تركيا تواجه تحديًا قاسيًا واختبارًا لابد أن تجيب عن أسئلته.. وإلا فإن كل ما تفعله في المنطقة سوف يتعرض لأخطار كبيرة.

وبغض النظر عن أن تركيا اتجهت جنوبًا.. إلي الشرق الأوسط.. بعد أن فشلت في أن تتجه شرقًا نحو آسيا الوسطي.. وتعثرت في محاولات ممارسات الأدوار مع اصطدامها بروسيا.. وفشل عمليات تقريبها لأرمينيا.. وبعد أن استبدلت المنطقة العربية بقضايا أخري لم تنجح فيها.. فإن تركيا تتعرض الآن لمشكلة كبيرة.. لابد أن تجد لها حلاً مناسبًا.. يلائم المشاعر المشبوبة بإدانة الجريمة الإسرائيلية.. وإلا فإن هيبة تركيا المتصاعدة إقليميًا سوف تنهار.

إن ما جري بالأمس يذكرنا بالتصعيد العنيف الذي وقع بين تركيا وإسرائيل إثر معاملة السفير التركي في تل أبيب بطريقة غير محترمة.. وفي حين لم يتضح حتي الآن ما هي أبعاد الهجوم العسكري الذي تعرض له ميناء الإسكندرونة وأدي إلي مقتل ستة عسكريين أتراك.. فإن المؤكد أن عملية (رياح السماء) الإسرائيلية التي أدت إلي كل هؤلاء القتلي في عرض البحر تفرض علي تركيا أن تتبني ردود أفعال واضحة ومحددة ومرضية للرأي العام.. ذلك أن مصداقية دورها علي المحك.

لقد فقدت تركيا الفرص التي كانت متاحة أمامها حتي تلعب دورًا في التوسط بين سوريا وإسرائيل.. وانتقلت من منطقة كانت تمكنها من ذلك إلي منطقة الاصطدام المتتالي مع إسرائيل.. رغم العلاقة الاستراتيجية بين المؤسسة العسكرية في كل من أنقرة وتل أبيب.. وقد آثرت حكومة أوجلان أن تحظي برصيد المشاعر المؤيدة والعاطفية بين الناس في الإقليم.. بدلاً من أن تنجح في أن تنال إنجازًا علي مستوي السلام الإسرائيلي ــ السوري.. ومن ثم هي اليوم في صدام جديد مع تل أبيب.. له شكل مختلف.. يتجاوز حدود ما جري تليفزيونيًا بين بيريز وأردوغان في منتدي دافوس.. وما جري للسفير التركي في إسرائيل.. إذ جرت في المياه دماء.. وسقط قتلي.

وبغض النظر عن أن الدور التركي برمته يواجه تحديًا، بعد إقصائه روسيا من آسيا الوسطي، فإن ما جري بالأمس في عرض البحر إنما يلقي بظلال كثيفة حول مسألة الحصار ومعضلاته.. وتأثيره علي الفلسطينيين.. الذين يعانون مما يلي:

< احتلال غاشم لا يتواني من حين لآخر عن أن يقوم بالهجوم علي الفلسطينيين جوًا وبرًا.. حتي رغم انسحابه من القطاع.

< حكومة مقالة تتبع فصيل حماس.. الذي يرفض أن يصل إلي صيغة مصالحة مع الشريك الفلسطيني الآخر للوصول إلي حل.. ولإمكان التفاوض مع إسرائيل.. ولفتح باب إمكانية فك الحصار.

< راعٍ دولي للسلام، هو الولايات المتحدة، التي لا تبذل الجهد الكافي من أجل تحريك عملية التسوية.. وتقديم الأمل للناس بأن هناك عملاً يتم.. بدلاً من تركهم إلي محاولات مثل أسطول الحرية.. التي تؤدي إلي مشكلات جوهرية وإن كانت لا تحقق فائدة حقيقية.

إن أهم نتائج الموقف المؤسف الذي جري بالأمس في عرض البحر هو أن الولايات المتحدة لا تقوم بما ينبغي من جهد يؤدي إلي إحساس الفلسطينيين بأن الحياة يمكن أن تسير.. وأن لقمة العيش لا تحتاج إلي مفاوضات للاتفاق علي وصولها إلي البطن مع المحتل في كل يوم وكل ساعة. نحن ندين المذبحة.. وندين أيضًا الصمت الذي قاد إلي مواقف معقدة.

 

abk@abkamal.net

www.abkamal.net

التعليقات

برجاء تسجيل الدخول حتى تستطيع التعليق
عنوان التعليق
التعليق
  • سوف يحتاج التعليق إلى موافقة المحرر قبل نشره
  • Design and Development by Microtech