الاولى > عبدالله كمال يكتب : الغباء السياسى فى ملف النيل
28 مايو 2010 12:03 ص
-

كان صفوت الشريف رئيس مجلس الشوري واضحاً للغاية في تصريحه حول مياه النيل، لكن صحيفة «الشروق» الخاصة.. وهي صاحبة منهج «معين» يتبلور ويتجسد يوماً تلو آخر.. ألبست كلامه ما لم يكن فيه أو عليه.. وذهبت به إلي مناطق تثير في الذهن تساؤلات حول التعمد والقصد في المعالجات الملفقة في الصحافة المصرية لـ«مسألة النيل».

لقد قال الشريف في حديثه مع قناة روسيا اليوم: «إن قضية النيل ليست صراع حياة أو موت كما يحب البعض أن يصورها.. مشدداً علي أن مصر لا يمكن أن تدير آلتها العسكرية تجاه دول المنبع.. ومن يردد ذلك إنما لديه قصور في الفهم وغباء فكري وسياسي قد يكون مقصوداً».

ولكن صحيفة «الشروق» ادعت علي الشريف أنه قال: «إن من يقول إن قضية مياه النيل حياة أو موت يتسم بالغباء الفكري».. وحين قرأت تلك المعالجة من الصحيفة لتصريحات الشريف استوعبت حقاً لماذا أردف في نهاية تلك العبارة من تصريحه قوله.. إن هذا الغباء قد يكون مقصوداً.

في كلام الشريف أمران.. الأول حقيقة مفهومة.. وإن صاغه هو بطريقة متجددة.. ذات مغزي.. والثاني جديد.. الأول هو أنها ليست قضية حياة أو موت.. ببساطة، لأن مياه النيل وفق الحقائق العلمية والجغرافية لا يمكن منعها.. أي أن خط الحياة لا يمكن قطعه.. أيا كان من أراد ذلك.. فإذا كانت 85% من مياه النيل ترد إلينا من هضاب إثيوبيا.. المرتفعة.. التي لا يمكن لأي مشروع أن يوقف هدرها.. ولو أوقفت لغرقت إثيوبيا نفسها.. فإن المعني يكون واضحاً.. ألا وهو أننا بصدد خلاف قانوني.. وليس قضية حياة أو موت.. أي لن نموت حين يوقع البعض علي اتفاقيات.،. لقد كتبت سابقاً: النيل لن يجف غداً أو أبداً..

ومن ثم أعود وأشير إلي أن دول المنابع هي «أعالي النيل» ..وما ينحدر من أعلي لا يمكن لأحد أن يوقفه. الأمر الثاني في كلام الشريف يتعلق بمسألة الحل العسكري.. الذي تندفع إليه تحليلات مصرية متهورة.. تحث علي هذه الأمور التي ليست مطروحة.. ومن يرددها إنما يتعمد الغباء السياسي.. ويهدف إلي إلهاب المواقف بين مصر وبلدان حوض النيل.. التي نتحدث عنها باعتبارها شقيقة ..وإن بدا في لغة بعض الدول أنها تستمرئ كوننا نعتبرها «شقيقة».

وقد نصح الشريف بألا يندفع بعض الصحف إلي ما ينشر في صحف دول المنبع.. ويذكرني هذا بتصريح السفير سليمان عواد المتحدث باسم الرئاسة حين قال في بداية الأسبوع: «يؤسفني أن صحفاً مصرية تردد ما تنشره صحف في دول حوض النيل علي أنه مواقف رسمية لبلدانها».. وهذا بدوره ينقلني إلي حالة أخري غير بعيدة.. وإن كانت عكسية.. انتبهت إليها بعد مقال نشر في صحيفة كينية.. وجدت فيما تنشره الصحف المصرية نوعاً من المداد لمساندة مواقفها وما تعتقد أنه مواقف بلدانها.

ذلك أن الغباء الذي تحدث عنه الشريف لا يقتصر فقط علي مسألة ترديد الحل العسكري.. ولا علي النقل عن صحف دول المنبع.. ولكنه أيضا يمتد إلي نوعية من كتاب مصر وجدوا في ملف النيل فرصة لتصفية الحسابات السياسية مع الدولة المصرية.. في إطار خصومتهم السياسية معها.. ضاربين عرض الحائط بالمصالح القومية الأهم .. هؤلاء الذين يدخلون أي ملعب .. ويبحثون أين تقف مصر .. فيذهبون للعب مع الفريق الخصم .. رغم أنهم مصريون!

مثل هذه الأساليب لجأت إليها نفس الأقلام تقريباً إبان اندلاع أزمة غزة.. ووقتها لم يكن ينشغل هؤلاء التصفويون بمصالح البلد.. وإنما راحوا يحولون أقلامهم إلي معاول هدم في المصالح المصرية.. وإلهاب المشاعر والتحريض علي البلد.. بدون النظر إلي أي من الأبعاد الاستراتيجية.. وهو ما يتكرر في ملف النيل، وفي هذا السياق لا أريد أن أذكر أسماء بعينها تكرر فعلها الأحمق في ملفي النيل وغزة.. وإن كانوا يريدون أن يعرفوا أنفسهم، فإن عليهم أن يراجعوا الصحف الكينية خلال اليومين الماضيين.

ومن المدهش أن تلك الحالة الغبية لها وجهان.. الأول هو وجه الذين يحرضون علي إلهاب الملف وتوتيره إلي أقصي حد.. وتحريض الرأي العام دفعاً بصانع القرار في اتجاهات الانغماس في خيارات خطرة.. لا ضرورة لها.. والثاني هو ما كنت قد تطرقت إليه قبل أيام.. ويتعلق بوجهات نظر تري أن علينا أن ننكفئ علي ملف النيل وألا ننشغل بمسائل وملفات أخري.. وأن نكفي خيرنا شرنا وننشغل إلي ما لا نهاية بموضوع المياه.

الصحف الكينية استعانت بوجهات نظر كتبت في مصر مجسدة الحالة الأولي.. والصحف الإسرائيلية راحت تردد ما قرأته من قبل في الصحافة المصرية قبل أيام ـ لعلها صدفة ـ حين سخر الكاتب «تسيفي برئيل» في صحيفة «هاآرتس» من أن لدي مصر قضايا أخري أخطر من مسألة تأمين الحدود علي غزة.. خالصاً في النهاية إلي أن علي إسرائيل أن تقلق علي أمنها من دولة تعاني الظمأ.. كما وصف مصر.

وكما فعلت الصحف الكينية، فإن «برئيل» راح يستخدم كتابات مصرية لكي يقول إن هناك انتقادات حادة لأساليب معالجة الحكومة المصرية لملف النيل.. وليس مثيراً أن تتوافق الصحف الكينية والصحف الإسرائيلية.. وأن تكون استناداتها في الحالتين للصحف والأقلام والأصوات المصرية.

هل يعني كل ما سبق أنني أدعو صحافة مصر إلي أن تتوقف عن تناول ملف النيل.. أو تمتنع عن انتقاد المعالجات الحكومية للملف؟ بالتأكيد النفي هو الإجابة.. ولكن ما نريد أن نصل إليه هو أن علينا أن نحشد العقل الوطني بكل تياراته في اتجاه المصلحة القومية.. لا تدليس.. ولا تلفيق.. وحتي إذا كانت الانتقادات واجبة فإنها يجب أن تنطلق نحو هدف تحقيق المصلحة المصرية وليس خدمة مصالح الآخرين.. سواء كانوا في إسرائيل أو كينيا أو إثيوبيا.

العقل الوطني عليه أن يكون إضافة لا خصماً.. بيت تفكير للبناء وليس خنجراً في الظهر.

abk@abkamal.net

www.abkamal.net

التعليقات

برجاء تسجيل الدخول حتى تستطيع التعليق
عنوان التعليق
التعليق
  • سوف يحتاج التعليق إلى موافقة المحرر قبل نشره
  • Design and Development by Microtech