الاولى > عبدالله كمال يكتب : السياسى السائح - مشكله البرادعى وورطه الكتاتنى
14 مايو 2010 12:03 ص
-

أهي ورطة للدكتور محمد البرادعي.. أم أنها ورطة لجماعة الإخوان.. أم هي ورطة الصحفي الذي أجري معه الحوار في مجلة (باري ماتش الفرنسية)؟.. تلك هي المعضلة.. فالتصريح الذي أدلي به المغترب العائد، الذي يخالجه الحنين لأيام كانت تربيه في مصر سيدة فرنسية ويشتري مضارب الإسكواش من بائع استرالي.. (كانت أيام).. هذا التصريح سبب له مشكلة.. واعترض عليه الإخوان لكنهم لم يكذبوه بعد.

أما وقد لجأنا بالأمس إلي منهج التحليل النفسي في التعامل مع تصريحات وتصرفات البرادعي، فإن إعلان البرادعي كما جاء علي لسان محمد الكتاتني، عضو مكتب إرشاد الإخوان الذي كان حاضرا في تأسيس جمعية المغترب العائد، إعلانه عن قبول الإخوان بعلمانية الدولة.. هو (أمر لم يحدث علي الإطلاق).. وقال الكتاتني كما ذكر موقع الجماعة وكما ذكرت جريدة الشرق الأوسط: اتصل بي الدكتور البرادعي.. ونفي هذا الكلام.. وقال إن السبب فيه هو خطأ الترجمة من المجلة!

حسب التحليل النفسي فإن هذا نوع من (الالتفاف)، وفرار من مواجهة الحقيقة المرة.. والحقيقة هي أن الدكتور البرادعي يقول كلاماً لا يستوعب أبعاده.. ولم يدرك خطورته في إطار أيديولوجية الجماعة التي تروج لبرنامج ديني ينتهز الإتاحة التي تقدمها الديمقراطية.. لقد هرب البرادعي بخطأ الترجمة.. وبينما كان يهرب فإنه ترك في الطريق بعض بقايا الواقعة.. إذ لم يذكر ما هي بالفعل الكلمة أو العبارة التي قالها للمحرر.. وأخطأ في ترجمتها. لكي نفهم من أين جاء هذا الالتباس المفترض.

هل كان هذا هو الخطأ الوحيد في ترجمة الحوار؟ أم أن بقية مضامينه كانت عامرة بأخطاء أخري؟.. ولماذا وقع الخطأ في تلك النقطة بالتحديد.. وليس في أمور أخري.. علي سبيل المثال - لا الحصر - يقول البرادعي في حواره هذا إنه ترك مصر قبل 35 سنة وكانت وقتها زعيمة الأمة العربية.. وللدقة فإنه ترك مصر في 1977 بعد استقالة رب عمله وزير الخارجية الراحل إسماعيل فهمي.. وكانت مصر وقتها منقطعة الأوصال تقريبا مع كل عالمها العربي.. بسبب زيارة السادات للقدس.. فهل هذا خطأ ترجمه آخر.. أم أنه خطأ ذاكره.. أم خطأ وعي.. أم لعل الدكتور البرادعي يقول كلاماً مع الصحف الأجنبية يظن أنه لن يراجع.. وأن أحداً لن يقف أمام ما (يدردش به)؟

لقد استوقفت حكاية قبول الإخوان بـ(علمانية الدولة) الكثير من المعلقين، وبينهم الأستاذ الكبير مكرم محمد أحمد.. الذي اضطر لإيقاف سلسلة مقالات عن ملف نزع السلاح النووي لكي يتساءل في أدب جم: (إن دعوة العلمانية هي نقيض دعوة الإخوان.. فهل لدي الدكتور البرادعي وثيقة بما دار بينه وبين ممثلي الإخوان)؟.. وعلق الكاتب السعودي المعروف طارق الحميد رئيس تحرير جريدة الشرق الأوسط قائلا: (هل مثلا يقبل الدكتور البرادعي تحالفاً أو تهادناً مع جماعة تريد استبعاد فئة مهمة في مصر هي الأقباط)؟

إجابة البرادعي هي أن هناك خطأ في الترجمة، ولكن هذا الفرار لا يعني أبداً نسيان الموضوع.. خصوصاً أنه لم يكتب هذا علي موقع تويتر.. كما اعتاد أن يفعل.. ولم يصدر بياناً.. وإنما النفي جاء علي لسان الكتاتني.. وقد يكون الأمر ليس سوي محاولة من الكتاتني نفسه لكي يهرب هو من ضغوط الإخوان عليه.. إذ ربما أعطي كلمة للدكتور البرادعي ولم يكن مخولاً بذلك من قبل جماعة الإخوان.

هناك أمر ما دار بينهما، لا شك في ذلك.. إذ ما الذي دفع البرادعي قبل الحديث الذي سبب المشكلة إلي أن يقول إنه يقبل بالأحزاب الدينية.. إلا إذا كان قد فتح قناة.. وأدار حواراً.. وجري اتفاق ما.. أو تفكير معين.. أو أنه كان يجتذب الإخوان باحثاً عن أي حليف.. ثم حين فوجئ بالضغوط الدولية والتصريحات المتوالية التي تنتقد كلامه هذا.. وكونه ضد قيم الدولة المدنية.. وكونه تعبيراً عن توجهات طائفية غير متوقعة منه.. كان أن قال إن الإخوان اقتنعوا بمبدأ علمانية الدولة.

لكن هذا كان فراراً من ضغوط الداخل والخارج بشأن الأحزاب الدينية.. إلي أحضان الإخوان.. وقد تصور المغترب الذي يبدو غضاً أن الإخوان سوف يمررون له الأمر.. يردون له الجميل.. أو أن كلمات مجاملة من الكتاتني في اجتماع أولي سوف تلزم الجماعة بما قال البرادعي.. أي مبدأ علمانية الدولة.. لكن كان أن فاجأه الكتاتني بأن قال إن هذا لم يحدث علي الإطلاق.. ما يعني تكذيبا شاملا.. ومخجلا.

أو لعل البرادعي كان يمارس قدرا من التذاكي.. ولم يناقش من الأصل الأمر مع الإخوان.. لكنه تصور أنه حين يقول هذا في مجلة فرنسية.. فإن الإخوان سوف يتعاملون مع كلامه علي أنه عرض سياسي.. صفقة يعني.. هو اعترف بأحقية الأحزاب الدينية في العمل السياسي.. وهم عليهم أن يقبلوا مبدأ علمانية الدولة.. عرض علي الهواء مباشرة.. قوبل بالنفي القاطع.. كاشفاً عن ضآلة الخبرة السياسية للدكتور الذي يبني شرعيته في صفحة بموقع (فيس بوك).. حيث يمكن لأي قرصان إلكتروني عابر أن يعبث بها.. فيضيع توهمه بأن لديه 250 ألف مناصر في الفضاء الافتراضي.

هل خذلوه؟ وبالتالي سوف يتعرض لصدمة نفسية.. تحاكي صدمته في افتقاد الأيام الخوالي مع المربية الفرنسية وبائع مضارب الإسكواش الاسترالي.. أم خدعوه.. أم أنه - بنفس منطق التحليل النفسي - لديه توقعات تخالف الواقع.. وفهم نظرات أعين بعض الإخوان علي أنها إشارات ذات مغزي توحي بقبوله وبالتالي قبول أفكاره؟.. إن هذا ما يعرف في التحليل النفسي بـ(التوهم) أو (تقمص الخيالات).. وفي السياسة بـ( التوقعات التي لا تستند إلي حقائق).. ومن كلتا الناحيتين نحن أمام سائح لا سياسي.. ومغترب يعيش في الخارج وهو هنا.. ويظن أن جاذبيته التي تأسر ذاته سوف تدفع الآخرين إلي القبول بأي شيء يقوله.

عملياً لم يكذب البرادعي ما جاء علي لسانه بخصوص قبول الإخوان لـ(علمانية الدولة).. لأن هذا التكذيب ورد علي لسان الكتاتني.. وبالتالي فإن المغترب أو السائح السياسي عليه أن يقول كلاماً واضحاً.. وعلي جماعة الإخوان أن تكشف ما هي حدود النقاشات معه.. هل قبلت فعلاً بعلمانية الدولة.. أم أنها كانت (تهزر) مع البرادعي؟

إذا كان الأمر جاداًً ، فإن علي جماعة الإخوان أن تبدل شعارها ذا السيفين، بزهرة عباد الشمس .. من ذلك النوع الذي يحيط ببيت الدكتور البرادعي في جنوب فرنسا.

abk@abkamal.net

www.abkamal.net

التعليقات

برجاء تسجيل الدخول حتى تستطيع التعليق
عنوان التعليق
التعليق
  • سوف يحتاج التعليق إلى موافقة المحرر قبل نشره
  • Design and Development by Microtech