الاولى > مراجعات الكتلة التقليديه: أي تقليدية نريد؟ ..بقلم :حسين نيازي
22 مايو 2013 1:58 م
-

     أظن أن الدعوة التي قدمها الكاتب السياسي عبدالله كمال إلى القوى التقليدية في مقاله المعنون: "حديث صريح مع القوى التقليدية بمناسبة تمرد"، هي دعوة تستحق أن تنال قدراً كبيراً من الإهتمام و العناية.
 

     فرغم أن المقال يبدو من عنوانه و كأنه يتعامل مع حدث حيوي و ساخن على الساحة السياسية، أظنه سيخبو سريعاً كغيره من الأحداث الساخنة، إلا أننا يمكن أن نقرأ المقال في سياق مختلف. بل أننا يمكن أن نعتبر (المقال/ الدعوة) نقطة إنطلاق لحوار موسع يهدف إلى إجراء مراجعات شاملة من قبل المنتمين إلى الكتلة التقليدية.. مراجعات لا تقتصر فحسب على إعادة تقييم موقف هذه الكتلة الأضخم من الوضع السياسي في البلاد، بل يجب أن تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك و أكثر إستمرارية. فالوضع السياسي هو نتاج لبنية سياسية هي بدورها إنعكاس لرؤى و أفكار عن الحياة و العالم. و التصارع السياسي هو في جوهره محاولة لفرض رؤية فكرية معينة بإعتبارها الأنسب و الأكثر ملاءمةً في توقيت معين.

     لقد طرح عبدالله كمال في دعوته للحديث الصريح مع الكتلة التقليدية التي ينتمي إليها عدة نقاط بالغة الأهمية تتجاوز في تقديري (بصفتي أحد المنتمين لنفس الكتلة) الموقف من حركة تمرد الداعية لإنهاء حكم الإخوان المسلمين. و هنا يجب التنويه أن هذا التقدير يأتي في ضوء فهمي الخاص للمقال و الذي لا  يستوجب أن يكون متوافقاً مع مقصد الكاتب صاحب الدعوة كما هو معلوم بالضرورة.

لقد تطرق المقال إلى:
* التركيبة الطبقية و الإجتماعية للقوى التقليدية.
* موقف القوى التقليدية من دولة يوليو.
* موقف القوى التقليدية من التعليم.
* موقف القوى التقليدية العام من الحداثة.

    و قبل التعليق على النقاط السابقة لابد من تسليط الضوء على الهدف الذي أظنه كان مقصد المحلل و الكاتب السياسي صاحب الدعوة ألا و هو "الإصلاح". لقد وردت هذه الكلمة في سياقات عديدة داخل المقال
   
    تلميحاً و تصريحاً وصل بالكاتب أن يصفه بأنه:" الإصلاح.. ذلك الهدف الذي نريده و لا نقوى على إحتمال تبعاته كمجتمع ينبغي أن يتدعم بمزيد من النضج".
في رأيي هذه هي العبارة المفتاح التي يجب أن نفهم الدعوة في ضوءها. لا تهدف هذه الدعوة إلى أن تتبنى الكتلة التقليدية مفاهيم تعارض قناعاتها السياسية، أو أن تتخلى عما تراه من ثوابت تشكل مصالحها و طموحاتها المشروعة، بل تهدف الدعوة إلى العثور على مواطن الخلل في ما يحكم رؤيتنا للعالم. هنا يمكننا أن نعود إلى نقاط المقال الهامة كنماذج يمكنها أن تعيننا على فهم أفضل لماهية الإصلاح.

التركيبة الطبقية و الإجتماعية:

      يصف عبد الله كمال القوى التقليدية (الذي كان له السبق في منحها هذا الإسم)، بأنها تتشكل من القطاع العريض من الطبقة الوسطى و من يرتبط بها من شرائح أغنى و أفقر. كما أنه يذكر بوضوح لا يجب إغفاله أنها تستند "إلى ترابطات عائلية و قبلية في القرى و المرتبطة بالدولة و المؤمنة بأهميتها في مختلف الأنحاء".
 
     هنا لنا أن نتساءل إن كانت هذه الترابطات التي تشكل عصب البنية الإجتماعية و الإقتصادية ـ ليس في الريف وحده بل و في الحضر و في العاصمة كذلك ـ قادرة على تحقيق الإصلاح المرجو! هل لا زالت البنية الإجتماعية التي تتخذ من العائلة و القبيلة وحدتها الأساسية صالحة للعصر؟ هل العلاقة بين الفرد
 
      و الجماعة الإجتماعية التي ينتمي إليها تسمح بإطلاق مواهب هذا الفرد كاملةً؟ إن رسوخ هذه البنية و إستمراريتها التاريخية قد يرى البعض فيها دليلاً على صحتها و ملاءمتها للواقع المصري، لكن قد يرى فيها البعض الآخر معوقاً من معوقات التنمية المجتمعية إستمر من عهد تكوين الدولة الحديثة في أوائل القرن التاسع عشر و إلى عصرنا الحاضر. لا تعني هذه التساؤلات أن علينا أن نلقي بتقاليدنا المجتمعية إلى قارعة الطريق و أن نقوم بتفكيك العرى التي نشأنا في ظلها. لا أحد يريد أن يهدم الأسرة المصرية و لا أن يزعزع القيم الإجتماعية، لكن في ذات الوقت علينا أن نعيد إكتشاف "الفرد" بوصفه المكون الأساسي للمجتمع الحديث. فالمجتمع الذي ينظر لأعضاءه بوصفهم أفراداً هو أكثر قدرة على تحفيزهم و إطلاق طاقاتهم من المجتمع الذي ينظر لأعضاءه بوصفهم أعضاء في ترابطات فرعية تحكم سلوكهم و تحدد لهم أن طموحاتهم مشروعة طالما لا تتعارض مع طموحات الجماعة الأصلية. أليس علينا أن نستبدل العائلة بالمؤسسة؟ تلك المؤسسة التي تسمح بأقصى قدر من التنافس النزيه بين من ينتمون إليها طمعاً في إعتلاء المراكز الأعلى فيها.

    دعونا نتذكر إننا نقرأ أخبار القرارات الحكومية بإعطاء الأولوية في التعيين بالمؤسسات  لأبناء العاملين بها دون أن تثير فينا كتقليدين شعوراً بالغرابة. بل أن كثيراً منا يرى في ذلك حقاً مشروعاً، كما نرى في تبوأ أبناء العديد من رجال الأعمال و أقاربهم لأعلى المناصب التنفيذية في مؤسسات الأعمال الخاصة شيئاً عادياً، حتى و إن أتصف هؤلاء في أحيان كثيرة بنقص الخبرة و الكفاءة. بل أن كلنا لنا أصدقاء إلتحقوا بالعمل في مؤسسات القضاء و الجيش و الشرطة ليس عن رغبة أصيلة، بل تحقيقاً لخطط عائلية ترى في إلتحاق أبناءها بهذه المؤسسات حمايةً لها و تعظيماً لدورها في الإتباط بالدولة. و هو ما يقودنا إلى النقطة التالية التي علينا أن ننظر لها من زاوية مختلفة.


الموقف من دولة يوليو:

      أصاب عبدالله كمال عندما قال في معرض وصفه للقوى التقليدية :"تلك التي تشعر بالحنين لدولة يوليو، و ترفض إهانة الرؤساء السابقين".. تعبير "الحنين" جاء دقيقاً للتعبير عن مشاعر غير دقيقة تعانيها القوى التقليدية تجاه تاريخ دولتها العتيدة. و رغم أن الكاتب إستخدم نفس اللفظ (الحنين) في سياقات أخرى داخل نفس المقال معتبراً هذا الشعور في أعماقه تعبيراً عن هدف سياسي، إلا أنني سأقتصر على معالجة دلالة الكلمة في إرتباطها بدولة يوليو كمعطى تاريخي لا يمكن إنكاره دون قصره على حقبة أي من الرجال الذين جلسوا على قمة هذه الدولة الستينية، و التي رأى الأستاذ عبدالله كمال أن القوى التقليدية ترفض إهانتهم.

      الحنين شعور جارف بالفقد و إفتقار للتعامل مع اللحظة الراهنة. نلجأ إليه عندما نعجز عن مواجهة الواقع هروباً للماضي الذي نعلم أنه لن يعود. يمنحنا الحنين راحةً مؤقتةً لكنه لا يزيل أسباب الألم، بل قد يزيده عمقاً في بعض الأحيان. و لكن لنسأل أنفسنا إن كانت دولة يوليو بهياكلها السياسية و الإجتماعية قد إختفت حقاً من واقعنا المعاصر و حلت محلها دولة أخرى لا نشعر في ظلها بالأمان؟ هل كانت دولة يوليو بالفعل دولة حداثية تسعى إلى دفع مصر إلى العصر أم كانت قشرة فوقية لامعة تخفي تحتها نظاماً إجتماعياً و سياسياً معادياً للتاريخ و التقدم في ذات اللحظة؟ التساؤلات في طرحها بهذه الصورة مضللة و فاسدة. لا يوجد في التاريخ أسئلة مباشرة و إجابات واضحة. و إنما قصدت من الصياغة السابقة أن أضرب مثالاً للعقل التقليدي و هو يطلق أحكامه على دولة يوليو 

      و رؤوساءها المتتابعين. تلك الأحكام التي تفتقر الحس التاريخي و تتماهى مع أكثر العواطف سذاجة و تسطيحاً. كما أن العقل التقليدي قد ترك نفسه فريسة سهلة لكل من سولت لهم أنفسهم أن يكتبوا مشاعرهم تجاه الرؤساء السابقين و سياساتهم و كأنهم يكتبون التاريخ وفقاً للمناهج العلمية المحترمة. ننظر للتاريخ نظرةً ملؤها العشق أو الكراهية.

        و الآن، و عندما نشعر أن دولة يوليو بكل إرثها التاريخي تنسحب كالبساط الأملس من تحت أقدامنا لا نجد سوى الحنين ملجأً. فهذا يحن إلى "بطش" عبدالناصر، و ذاك يحن إلى "دهاء" السادات ، و آخر يتغنى بما إمتلك مبارك من "حنكة".. و على الجانب الآخر تسمع أحكاماً مطلقة تفرغ الأحداث التاريخية التي مرت ببلد من حجم مصر من كل ما لها معانٍ و دلالات. فثورة يوليو مؤامرة مخابراتية غربية، و حرب أكتوبر تمثيلية سياسية، و إستعادة طابا صفقة مرتبطة بدور مصر في حرب الكويت (!!!!). و لا تقل هذه الأحكام قدرة على إثارة الدهشة من الأحكام المناقضة و التي تنبع من ذات القوى التقليدية، فثورة يوليو غيرت العالم، و حرب أكتوبر لم يشهد العالم لها مثيلاً، و التفاوض حول طابا كان درساً مذهلاً لعتاة الدبلوماسية في أركان المعمورة الأربع!!

       يقع العقل التقليدي أسيراً لقوالب جامدة آتية من خارجه. قوالب يؤججها الحنين الدائم لفكرة مشوشة. قوالب تعادي روح العلم التي لا تعترف بالأحكام المطلقة، بل بالدراسة المثابرة الدقيقة التي لا تهدف لإثبات أن عبد الناصر كان أفضل من السادات أو العكس، و لا تحاول إثبات أن كل ما نهجه مبارك من سياسات كان صحيحاً أو خاطئاً، بل لا تهدف سوى لإخراج مصر من أسر الماضي الميت و إعادتها لمجرى التاريخ الحي. و هو ما يقودنا تلقائياً إلى النقطة التالية.

موقف القوى التقليدية من التعليم:

      فلنكن صرحاء.. غاية التعليم عند كثيرين من الشرائح الأعلى من الكتلة التقليدية يتلخص في منح أبناءهم القدرة على التحدث بالغة الإنجليزية بلكنة سليمة و على أيدي معلمين أجانب، مع مهارة إستخدام أدوات العصر الحديثة التي توفرها التقنية الحداثية. من اللطيف أيضاً أن يشب هؤلاء في وسط راقٍ من أقرانهم من "أولاد الناس". أولئك الذين يتفاخرون بلا مناسبة أن فلذات أكبادهم لا يجيدون التحدث بالعربية!..

      الشرائح الأقل من أبناء الطبقة الوسطى يكافحون لمنح أبناءهم أفضل ما يمكنهم "شراءه" من تعليم. يرسلونهم لمدارس خاصة تتفاوت مستوياتها وفقاً لتفاوت الدخول و القدرة الشرائية. غرضهم الأساسي من ذلك هو منح الأبناء السلاح الذي يمكنهم به مقاومة المستقبل و العثور على فرصة عمل طيبة ( و على زوج كذلك في حالة الإناث). الشرائح الأعلى لا تشغلها هذه المشكلة. سيعمل الأبناء في مؤسسات الأباء، أو إذا لم يرغبوا في العمل يمكنهم فتح مشروعات خاصة من باب التسلية و إثبات الذات.. هناك ثروات لن تنضب في المدى القريب.
أما الشرائح الفقيرة أو التي يتهددها الفقر من آن لآخر، و التي لا تجد سوى مدارس الدولة، فهي محرومة من التعليم تقريباً. بل أن هذه الشرائح تعد البيئة الحاضنة لأكثر الإتجاهات راديكالية و خطورة كما يتضح في التركيب الطبقي لأغلب (و ليس كل) المنضوين تحت ألوية التيارات الدينية بأطيافها.

      فلنكن أكثر صراحة.. لقد تخلت الكتلة التقليدية عن دورها في حماية العقل المصري عندما قصرت فهمها للتعليم على ما يتلقاه الصغار في المدارس. فقد شهدت العقود الأخيرة و ما طرأ فيها على مصر من حراكات إجتماعية و طفرات إقتصادية ما يشبه العداء بين الثقافة التقليدية و المنتمين للكتلة التقليدية!

     أصبحت هذه الكتلة تنظر إلى الفنون و الآداب كأنشطة "غامضة" لا يمارسها سوى قلة تتصف برغبتها في التظاهر و التفلسف! قد يكون ذلك تحت وطأة الحياة و مشغولياتها العديدة، لكن في سلوكيات الكتلة التقليدية و أنشطتها الإجتماعية ما يؤكد أنها تمتلك من الوقت المتسع الكافي للترقي لكنها غير راغبة في ذلك، أو بتعبير أدق لا ترى فائدة في ذلك أو ضرورة لبذل الجهد. إنتشرت لذلك الفنون الرديئة المبتذلة في كل مجال، و أصبحت الكتلة التقليدية منصاعة وراء تلك الإتجاهات تحت ظن أنها ترى في نفسها إنفتاحاً و تسامحاً، و هي في الحقيقة تمارس الإنحطاط الفكري بشهوة عجيبة.

      يفتخر التقليدي أنه من موطن نجيب محفوظ و لم يقرأ له أكثر من كتابين في الغالب. يتشدق بأسماء المفكرين و الفنانين و تقتصر علاقته بالتقليدية "الفكرية" على تذوق الأغاني القديمة من آن لآخر. بينما يمتلك الإسلامي أدبياته و قناعاته الفكرية، و يمتلك اليساري نظرياته و مفاهيمه الثقافية، لا يمتلك التقليدي سوى السطحية و التسطيح. إننا ببساطة لا نملك "نظرية" نفهم من خلالها العالم. لا يعني ذلك الرغبة في إستحداث أيدليوجية تقليدية، حيث أن الأيدليوجية بطبيعتها معادية للعلم، و إنما قد نحتاج إلى منهج نفسر من خلاله ما نراه حولنا من أحداث!

و قد يقودنا ذلك من فوره إلى موقفنا من الحداثة:

     هذه هي أهم ركائز الدعوة التي أطلقها عبدالله كمال لمراجعة الذات و العمل نحو التجديد و الإصلاح. قدم الكاتب تصورات عديدة لما يعنيه التجديد، و عاب على القوى التقليدية ركونها و إكتفائها بنقد الآخر. بل أن الكاتب قد طالب الكتلة التقليدية بألا تكتفي بالتأييد الصامت لملفات شائكة كحقوق الإنسان، و قضية المرأة و غيرها، بل على هذه القوى أن تعلن عن هذا التأييد و تتبنى هذه الملفات.

      هنا يحق لنا أن نتساءل إن كانت القوى التقليدية بتكوينها "الثقافي" الحالي صادقة فعلاً في تبني معطيات الحداثة، ناهيك عن قدرتها على الدفاع عنها في مواجهة القوى الرجعية الحالية.
إن هذه النقطة الأخيرة هي نتاج مباشر للنقاط السابقة من تركيب طبقي و تعليم و ثقافة و تصور لدور الدولة و طبيعتها. و رغم أن الكاتب قد طالب الكتلة بأخذ زمام المبادرة إلا أن الشائع في هذا الوقت أن الكتلة لا تمتلك بعد الإرادة المبنية على قناعات راسخة بضرورة التحديث. لا يعني ذلك أن هذه الكتلة الأضخم غير قادرة على تحديث نفسها، لكن هل تستطيع أن تواجه الواقع و تعترف أنها ليست منزهة عن القصور و الخطأ؟
 
       إن حركة تمرد و غيرها من الإحتجاجات الشعبية أثبتت أن على الكتلة التقليدية أن تبحث عن مبادرات نابعة من داخلها. عليها أن تمتلك الفعل السياسي ولا تكتفي بردة الفعل. هذه الكتلة بحاجة ماسة للتكتل و التوافق الداخلي قبل أن تعلن التحدي الشامل على القوى الأخرى ذات التوجهات "اللا مصرية" في أساسها. علينا أن نحسم مواقفنا تجاه كل القضايا مرة واحدة و للأبد.
فلنكن تقليدين وفقاً للمعنى الأصيل و العريق للكلمة، و هو فعل الشىء بأفضل الطرق الممكنة لتحقيق أفضل النتائج الممكنة حتى يصبح هذا الفعل "تقليداً" يحتذى.. و ليس بالمعني الرجعي الذي لا يرى في التقليد سوى إعادة إنتاج ما قتله الزمن. فلنتسلح ببديهتنا 
و حسنا السليم. الأمر لا يحتاج كما يقول الإنجليز سوى للـ "Common Sense".

في النهاية الشكر و التقدير للكاتب الأستاذ عبدالله كمال على دعوته الجريئة و حديثه الصريح.

التعليقات

برجاء تسجيل الدخول حتى تستطيع التعليق
عنوان التعليق
التعليق
  • سوف يحتاج التعليق إلى موافقة المحرر قبل نشره
  • Design and Development by Microtech