الاولى > الديون السياسيه للاخوان - بقلم :عبدالله كمال
12 مايو 2013 10:37 ص
-

سينتهي حكم الإخوان ويترك الأجيال الحالية والتالية مدينة لكل جهات الإقراض المعروفة وغير المعروفة، فقد استطاع أن يحقق ما لم يجرؤ حكم على أن يقوم به من قبل ..واقترب بالديون الخارجية من سقف الـ٥٠ مليار دولار..والبقية تأتي.

مشكلة الديون المالية أن المواطن العادي لا يشعر بخطورتها الآنية، خصوصًا إذا كانت ثقافته الاقتصادية منعدمة، ولا يمكن لأغلب فئاته أن تميز ما بين الدين المباشر والوديعة والسند والصك والتمويل بالأجل والتمويل بالمشاركة. لاسيما إذا كان الرئيس يمكنه أن يخدع بساطة هذا المواطن ويحاول أن يُفهمه أن تكاليف قرض صندوق النقد الدولي المتوقع ليست «فوائد» بل «مصروفات إدارية».

يعرف الإخوان هذا جيدًا، ولهذا فإنهم غير منشغلين بذلك ، ولا يقتربون من معانيه، ولا يدافعون عن سمعتهم في ذلك الملف، بل يمضون في طريق الاستدانة حتى آخره، ويواصلون ابتداع الأساليب التي توفر مالاً بلا عمل وقروضًا بلا استثمارات. لا يشعرون بقلق من الاستحقاق، فالأقساط سوف تحل بعد الخراب.

لكن الديون واجبة الدفع هي التي سوف تفرض على الإخوان الخضوع لإجراءات الحجز على الأصول والأملاك ..ولن يدفعها الشعب المصري نيابة عنهم .. وسوف تجرجرهم إلى سجن الفشل والانهيار.. هذه التي أقصدها هي «الديون السياسية».

 في الطريق إلى السلطة بنى الإخوان تحالفات مع كل ألوان الطيف السياسي للتيارات الدينية، وبعضها مع غير الدينية.. وعدوا وتعهدوا ووقَّعوا شيكات على بياض.. فلما تبين أنها بلا رصيد ..بدأت التحالفات في الاهتزاز وطرق المستحقون الأبواب يطالبون بما لهم لدى الجماعة التي لا يمكنها السداد ولا تستطيع الوفاء بما وقَّعت علىه نظريًا.


الحلفاء المنتمون للتيار المدني ، القوى التي تنتمي في الأغلب لتيارات اليسار  ومنظمات المجتمع المدني والأحزاب والحركات المستحدثة، أدركت أنها قد تعرضت لعملية احتيال سياسي.. وهي الآن تلوك حصرم الندم وتواجه انتقادات وتعنيف تابعيها وإحباط المنتمين إليها .. إذ انكشف ظهرها وبدلاً من أن تسدد جماعة الإخوان الفواتير المقررة كان أن باعتهم جميعًا .. وتبرأت منهم .. وأكلت كل جهدهم السياسي بـ «السُحت».. على أساس أنهم ضعفاء ولا يملكون القدرة على المطالبة بما لهم ..ويقتصرون على نداءات الاستجداء والتوسل.

الحلفاء المنتمون للتيارات الدينية مختلفون .. ليسوا ضعفاء .. وتحالفهم مع الإخوان ليس وليد عام مضى وانقضى.. بل يعود في جذوره إلى سنوات السبعينيات ..وربما قبل ذلك . ليسوا حلفاء بقدر ما هم أفراد من العائلة.. تربوا على مرجعيات الإخوان ..وتبنوا أفكارًا تنتمي في التحليل الأخير إلى أيقونات الإخوان وأبرزهم سيد قطب «منظر التكفير وتجهيل العالم».

ومن ثم فإن التحالف المجدد بني على أسس متفق علىها ، تسمح ببعض المرونة ولكن لا تسمح بالطرف الرئيس أن يخرج عنها . ذلك أن الخروج عن تلك الأسس هو في حد ذاته طعن في شرعية وجود الحلفاء ـ الجماعات .. سواء كانوا ينتمون إلى تيارات السلفية المتنوعة ، أو جماعات الجهاد أو تنظيم الجماعات الإسلامية أو ما حول ذلك .. وكان له تنظيم حزبي علني أو لم يكن .

استخدم الإخوان المنتمين إلى تلك التيارات باعتبارهم أعضاء في فريق واحد يقوده الإخوان، يريد تطبيق ما يُعرف باسم «المشروع الإسلامي» ويسعى إلى تأسيس الدولة الإسلامية التي حاربوا الحاكم من أجلها ..ودخلوا السجون لكي يحققوها .. وأهدر الكثير منهم الدماء وقتلوا الناس لكي يبلغوها، متجاهلين اتهامهم بالإرهاب، ومحللين لأنفسهم كل عنف وعمل سري ومخالفة للقانون ..لأنهم يعتقدون أنهم سوف «يحققون شرع الله».

خالف الإخوان الاتفاق أولاً بأن حجبوا عن كثير من هؤلاء المناصب والمواقع ، وأبعدوهم عن الصورة التنفيذية، ووعدوهم مجددًا ثم أخلفوا، وبعد ذلك راحوا يطعنون هذه التيارات بعضها بعضًا، ويشقون - مثلاً - الصف السلفي ، حين لاح أن فريقًا منه قد يُصبح منافسًا للإخوان أنفسهم ، وواصلوا وضع بعض ممثلي التيار الديني في واجهة المدفع ..لينالوا بالنيابة عن الإخوان كل لوم المجتمع وكل لعنات المجتمع الدولي .. ولم يدافع الإخوان عنهم وإن تركوهم يفعلون ما يشاءون .

هذه المجموعات التي خرجت في «جمعة قندهار» و«مليونية حديقة الحيوان» ، وحاصرت مدينة الإنتاج الإعلامي وهاجمت وزارة الداخلية وهددت الجيش واستعدت الشرطة وحاربت كل نخبة مثقفة مدنية في البلد .. الآن تواجه ما لا يمكن احتماله .. بشريًا وعقيديًا .

لقد ظن حلفاء الإخوان من التيارات الدينية أن وضعهم الجديد في زمن حكم الإخوان سوف يعفيهم من السجون، لكن الملاحقات تطاردهم.. وهذه المرة بشرعية معلنة وأسانيد قانونية وبدون أن يكونوا قادرين على القول بأنهم يتعرضون لظلم وجبروت «حكم مبارك» .. وقبل يومين دفعت الداخلية إلى النيابة بمتهمين في تنظيم إرهابي استهدف تفجير سفارة أجنبية ومحطات لمترو الأنفاق، ويتم تجديد حبس المتحدث باسم حركة حازمون وابنيه ، واضطر حازم صلاح أبوإسماعيل إلى أن يتراجع عن تهديدات وجهها لوزير الدفاع حين أدرك أنه لن يجد الحماية الكافية من حلفائه ، وألقى القبض على أحمد عرفة في جامعة المنصورة.. وهو نفسه الذي قررت النيابة الإفراج عنه من قبل بعد أن ضبط بسلاح غير مرخص بسبب مظاهرة أحاطت بالنيابة ..وغير ذلك من أمثله.

لكن الأخطر من عمليات إلقاء القبض التي ظنت التيارات الدينية أنها ستكون معفاة منها مهما فعلت هو أن جماعة الإخوان تخالف الأصول العقيدية والأيديولوجية لأساس التحالف ..وفي كل يوم يثبت أنها تندفع نحو مزيد من التنازلات عن مبادئ بنت علىها هي وحلفاؤها شرعية مواجهة النظام السابق .

ومن ذلك العلاقات التي تتوثق يوميًا مع إسرائيل، بل وقبول التوسط بين تل أبيب والتنظيم الذي كان يعتبر رمزًا للمقاومة، أي حركة حماس ، وفتح الأبواب أمام الشيعة عن طريق التعاون الصريح والمعلن مع إيران .. المناقضة لكل التنظيمات السلفية، وتعميق العلاقات مع الولايات المتحدة، التي حاربت وتحارب التنظيمات التي انتمى إليها أغلب حلفاء الإخوان في الصراع السياسي في مصر.

إن الحلفاء الآن في حالة صدمة، علىهم أن يصمتوا ويتقبلوا السلام مع إسرائيل .. علىهم أن يصافحوا ويرتضوا التعاون مع الدولة التي واجهت تنظيم القاعدة، بينما هم يرفعون أعلامه في شوارع القاهرة.. وعلىهم أن يمرروا التحالف الجديد مع إيران .. التي تحارب بعضهم بطريقة غير مباشرة في سوريا حيث يتطوع جهاديون مصريون من أجل إسقاط حليفها بشار .. وعلىهم أن يخفوا وجوههم من المسلمين الذين قالوا لهم أنهم سوف يطبقون من أجلهم الشريعة الإسلامية .

إلى أي مدى يمكن أن يسكت الحلفاء؟ لا يمكن التنبؤ بأن الصمت سوف يطول ، خصوصًا أن فتاوى تكفير الرئيس قد بدأت تظهر في بعض الخطابات والبرامج .. وإذا كانت الديون المالية سوف تتأجل لبعض الوقت قبل إعلان الإفلاس الاقتصادي لحكم الإخوان .. فان هؤلاء الحلفاء لا يمكنهم الصبر على «شيكات» مستحقة، حيث في الأغلب يخرج من بينهم من يرفع شعار «الدفع أو الدم» .

 

 

التعليقات

برجاء تسجيل الدخول حتى تستطيع التعليق
عنوان التعليق
التعليق
  • سوف يحتاج التعليق إلى موافقة المحرر قبل نشره
  • Design and Development by Microtech