الاولى > «النهضة» الاخطر علي المصريين - بقلم عبدالله كمال
12 مايو 2013 10:28 ص
-

      بغض النظر عن حالة السخرية التي يقاوم بها المصريون حكم الإخوان، بـ «التنكيت الكاشف للخديعة» على وهم مشروع «النهضة» الذي تعهد به الإخوان قبل وصول الرئيس مرسي للحكم، ثم تبين أنه مجرد سراب.. فإن «النهضة» التي أعنيها هنا هي اسم السد الذي تبنيه إثيوبيا عند منابع نهر النيل.. ولا يجد اهتمامًا رسميًا أو عامًا أو شعبيًا يليق بمستوى خطورته على مستقبل مصر وأمنها المائي.

       إن أحد أهم مثالب الثقافة المصرية هي أنها لا تنظر إلا تحت قدميها، ولا تتمتع بخصائص الاستشراف، ولا القدرة على التوقع، أو التحسب للمستقبل، والاستعداد لقادم الأيام.. ويعيبها أنها لا تشعر بالخطر إلا إذا كان آنيًا وحاضرًا، فإذا ما كان بعيدًا عنها بمسافة يوم كان أن «أجلت عمل اليوم إلى الغد»..فما بالنا إذا كان الخطر بعد سنوات قليلة وليس حتى عقد.

      كان ملف المياه إحدى النقاط التي تعرض النظام للهجوم بشأنها، واستُخدم أداؤه فيه وسيلة للطعن في شرعيته، وإفقاده مصداقيته.. ضمن ملفات أخرى.. وقد تصور الكثيرون أنه بعد ١١ فبراير ٢٠١١ سوف تكون هذه الملفات وفي صدارتها «ملف الأمن المائي» في صدارة أولويات أي حكم جديد.. ليس من أجل جماهيريته وإنما لأنه يتعلق باحتمالات خطيرة على مستقبل مصر التي ينمو سكانها بمعدل ٢،٢ مليون نسمة سنويًا بينما حصتها لم تزد منذ زمن بعيد على ٥٥ مليار متر مكعب سنويًا من ماء النيل.

      لقد بنى الرئيس مرسي بعض دعايته على استعادة الدور الأفريقي بزيارة هنا وخطبة هناك، ثم أوحى بأنه سيولي ملف المياه قدرًا من الاهتمام حين عين وزيرًا للري في منصب رئيس الوزراء .. وتبين بمضي الوقت أنه لا الدعاية الأولى تنطوي على خطة أو رؤية أو جهد منظم .. وأن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد رحلات لبلاد القارة السمراء .. وأن تعيين رئيس الوزراء لا علاقة له بخلفيته المائية وإنما لكونه مطيعًا يمكن أن يتحمل حملات الهجوم لأنه قد لا يشعر بها من الأصل .

      وبينما تتفاعل الأزمة السياسية في مصر، لاسيما في جانب الفشل التنفيذي المتضخم، خصوصًا مع انعدام وجود الخطط والرؤى وانشغال الحكم بالحفاظ على وجوده والدفاع عن مربع وقوفه، فإن ملف الأمن المائي يواجه تحديات خطرة أهمها على الإطلاق ليس عدم ضمان ثبات حصة مصر من مياه النيل قانونًا.. ولكن عدم ضمان وصول هذه الحصة إلى مصر إذا ما تم تشييد سد «النهضة» الإثيوبي.. بافتراض ثبات الاتفاقيات القانونية المنظمة لحصص المياه بين دول حوض النيل.

    لدى إثيوبيا تمويلات جاهزة، وشركاء دوليون مستعدون للمضي قدمًا مع المشروع الذي يستهدف توليد الطاقة الكهربائية بخلاف مزيد من التنمية الزراعية كهدف تالٍ .. ولا يمكن لمصر بوضعها الحالي أن تحُدث تأثيرًا من أي نوع في مسار الشركاء الدوليين مع إثيوبيا في هذا المشروع، كما أنها لا تملك القدرة على إقناع إثيوبيا بالوصول إلى حلول لا تؤثر على حصة مصر من المياه. حيث يكمن الخطر الأساسي في أنه منذ لحظة إتمام البناء سوف تحتاج إثيوبيا لبضع سنوات لكي تملأ الخزان خلف السد حتى يبدأ العمل.. وعندها لن تضمن مصر وصول احتياجاتها الكاملة من المياه.. وقد تتعرض مصر لمجاعة مائية طوال تلك الفترة.

     إن المزعج هنا هو أنه لا توجد أي رؤية، أو خطة، ودليل ذلك البسيط أن حكم الإخوان يمارس أتفه حملات الدعاية لأحد وزرائه، بالقول أنه قد تمكن من تحقيق الاكتفاء الذاتي من محصول القمح.. في حين أنه وزير التموين لا وزير الزراعة.. وفي حين أن تلك العبارة تعني - لو صحت - أن الحكومة لا تعي خطورة هذا مائيًا.. وأن شراء نصف احتياجات القمح من الخارج قد يكون أفيد مائيًا، حيث يزرع القمح لدى أغلب الموردين على الأمطار لا الأنهار . ويعني الاستمرار في هذا الترديد أنه لا يوجد منهج أو خطة.. وأن الإخوان يريدون تحقيق أي مكسب لو ثبت أنه حقيقي لكان ذلك مشكلة كبيرة.. وقد تكون مفارقة أن تلك هي الدعاية التي سوف نسعد جدًا حين يثبت أنها مجرد كذبة.

       والأكثر إزعاجًا أن فئات مختلفة من الرأي العام، بل ومن النخبة، تعتقد أن أفضل حل لمشكلة «النهضة» الإثيوبي ودرءًا لخطره، أن تغير طائرات مصر عليه.. كما لو أنه لا يوجد أي حل سوى الحل العسكري.. وكما لو أنه لا يعلم الكثيرون أنه لا يتم اللجوء للحلول العسكرية إلا بعد استنفاد كل الحلول السياسية والقانونية الأخرى.. وكما لو أنه لا يدرك الجميع الخطورة الأبدية لأن تنشأ عداوة مزمنة بين دولة المصب ودولة المنبع. ناهيك عن أن الجميع ليست لديه تصورات عن الإمكانيات العسكرية لكل طرف وقدرة الآخر على صد الهجوم وردود الأفعال الدولية التي لا يمكن أن تسمح بمثل هذا النوع من الإجراء.. وقتها لن يكون الخطر مائيا فحسب بل وأيضًا عسكريًا وماليًا وتجاريًا وسياسيًا.

      نحن مقبلون على خطر كبير.. ولكن أغلبنا لا يرى ولا يهتم.. وإذا كانت الثقافة المصرية تدفعنا إلى أن ننظر تحت أقدامنا فإن علينا أن ندرك أن هذا الخطر كونه على بعد سنوات ليس طويلة.. إلا أنه بالفعل تحت أقدامنا.. وقد يكون على مسافة شربة ماء ستمتنع عن الوصول إلى أفواهنا في طرفة عين .   


التعليقات

برجاء تسجيل الدخول حتى تستطيع التعليق
عنوان التعليق
التعليق
  • سوف يحتاج التعليق إلى موافقة المحرر قبل نشره
  • Design and Development by Microtech