الاولى > «كود القطاوية» في الازمه المصريه ..بقلم : عبدالله كمال
7 مايو 2013 4:49 ص
-

 

بقلم : عبدالله كمال

دون أن تدري ابتدعت «القطاوية» لنفسها «كود» خاصًا في الأزمة السياسية المصرية المعقدة. و«القطاوية» اسم قرية مصرية غير معروفة تتبع محافظة الشرقية شمال شرق دلتا مصر، حيث لم يكن من الممكن أن يسمع عنها أحد من قبل لولا وقائع عنف مروعة تفجرت بسبب تعليق على صفحة في موقع «فيسبوك».

«بيوت التفكير» تحلل الأزمة المصرية بأساليب «سابقة التجهيز»، تعتمد على قياسات سبق تجريبها، وتتوقع السيناريوات بناء على الاحتمالات السياسية والاقتصادية والقانونية، وفي الأسابيع الأخيرة تركز الاهتمام حول دور الجيش المصري المتوقع بخلاف التأثيرات المتصاعدة لأزمة اقتصادية عصية على الحل، لكن يومين من العنف الدموي في «القطاوية» يجب أن يدفعا المحللين إلى عوامل خفية يمكن أن تفجر الموقف في مصر خلال لحظة دون أي تحسب.

التفاصيل مهمة: ميكانيكي، عمره 40 سنة، كتب تعليقًا ضد الرئيس محمد مرسي على صفحته على «فيسبوك»، مثلما يفعل ملايين من المصريين الآن يوميًا. صادفه في الطريق ابن أمين وحدة صغيرة في القرية تتبع حزب الحرية والعدالة الحاكم، تناقشا، تشابكا، أخرج الشاب الإخواني مسدسه وأطلق عدة أعيرة نارية، تداخل مواطن عابر لفض الاشتباك فأصابته طلقة قاتلة، وأصابت طلقة أخرى فخذ صاحب التعليق ضد الرئيس. ثار الأهالي، طاردوا الشاب القاتل، هاجموا بيت أبيه حيث اختفى، وحاصروه بالأسلحة البيضاء وزجاجات المولوتوف. واعتلى القاتل سطح البيت وألقى بعض الأحجار، فأصاب مواطنًا في رأسه وقُتل بدوره.

 


القتيل الاول :محمد زكي

 

حاولت الشرطة التدخل، لكن الأهالي حرقوا الطابقين الأول والثاني من البيت، وتفاوض ضابط كبير على إخلاء النساء والأطفال، ثم تبين أن هذا كان ستارًا لتهريب المتهم، إذ ضبطه الأهالي وقد ارتدى نقابًا، وكشفه طفل من أسرته دون أن ينتبه، أمسكوا به وسحلوه لمسافة نصف كيلومتر، إلى أن مات. والمحصلة مقتل ثلاثة وإصابة رابع وحرق بيت بسبب تعليق انتقادي لمرسي على شبكة اجتماعية.

القرى المصرية المماثلة ليست بعيدة عن جرائم القتل، لكنها عادة لا تقع لسبب سياسي، باستثناءات قليلة في مواسم الانتخابات. و«القطاوية» نفسها لم تشهد مثل هذا من قبل وربما لم تشارك في أي من الاحتجاجات التي شهدتها مصر خلال العامين الماضيين. في المعتاد يسخر المصريون من هذه القرى غير المعروفة بأن يقولوا إنها ليست على الخريطة، لكن تلك القرية اندفعت فجأة إلى صدارة الأحداث، التي قد تكون مؤشرًا على ما هو كامن.

يلاحق المئات من أعضاء اللجان الإلكترونية التابعة لجماعة «الإخوان» جميع التعليقات التي تًنشر على الإنترنت، في محاولة لاهثة لمطاردة أي توجهات سلبية تحقيرا وهجوما، لكن هذا لم يعطل موجة عارمة ومستمرة من الانتقاد الشعبي الحاد للرئيس مرسي في جميع الشبكات الاجتماعية. ومن بين 35 مليون مستخدم للإنترنت يشارك المصريون بـ 12 مليون حساب على «فيسبوك»، وقد استخدم الموقع الأشهر في التحريض والتحفيز والحشد السياسي، لكن تلك هي الواقعة الأولى التي تقع فيها جريمة قتل بسبب تعليق مكتوب على صفحاته.

المتابعون في القاهرة والمدن الرئيسة منشغلون بالصفحات الكبرى التي تشهد الاحتكاكات والمبارزات بين التيارات السياسية المختلفة، لكن واقعة «القطاوية» تشير إلى أن هناك تفاعلات أخرى غير ملحوظة تؤثر على المستويات المحلية لدرجة تنتقل معها الاشتباكات الافتراضية إلى معارك على أرض الواقع.

لقد حاول فرع حزب الحرية والعدالة في محافظة الشرقية أن يخفف من وطأة الواقعة المركبة، وأصدر بيانًا أعاد فيه ترتيب التفاصيل بطريقة مخففة. وقال البيان إن «ما حدث لم تكن له أبعاد سياسية». وحين نشر الحزب بيانه على «فيسبوك» توالت التعليقات المحلية الغاضبة. اتهم تعليق أمين الوحدة الحزبية بأنه لم يرب ابنه، وتساءل آخر لماذا يحمل شاب سلاحًا في الطريق العام، واتهم ثالث البيان كله بأنه كاذب.

قبل أسبوعين كتبت تحليلا عنوانه: «أخطر تحد يواجه الإخوان.. هم الإخوان»، وأشرت في التحليل إلى حالة الالتهاب السياسي التي يتسم بها شباب الجماعة، الذين يطالبون قياداتهم باتخاذ إجراءات صارمة، ولو كانت عنيفة ضد المعارضين، ويكشف ابن أمين الوحدة الحزبية عن نموذج دال على هذه الحالة المتصاعدة لدرجة كانت قد دفعت مرشد الجماعة الدكتور محمد بديع لأن يوجه رسالتين متتاليتين للشباب مطالبا إياهم بالتزام الهدوء.


مؤتمر للاخوان في القطاويه يوضح حجم الجماعه في القريه ومن ثم لمن وجه العنف

 

 وتواجه الجماعة نوعًا من التناقض الذي يخرج عن السيطرة يومًا تلو آخر، ففي الوقت الذي تحاول أن تبدو فيه ملتزمة بقواعد اللعبة السياسية فإن خطاب عدد كبير من قيادتها وحلفائهم من خارج الجماعة يدفع إلى مناخ متوتر، يبدو كما لو أنه يجهز لمعركة قادمة، وقبل ما يزيد على شهر أدى تصعيد إعلامي من هذا النوع إلى اندفاع أعضاء في الجماعة للتعامل العنيف مع محتجين أمام المقر العام للجماعة بحي المقطم، وتلا ذلك مظاهرة احتجاجية تحولت إلى معركة دموية خسرها أنصار الإخوان ولم تزل التحقيقات جارية فيها.

ونتيجة لحالة متنامية من الغضب العام ضد الحكم الإخواني، تعاني قيادات الجماعة على المستوى المحلي من عدم قدرتها على المواجهة المباشرة مع المواطنين في الشوارع، في ذات الوقت الذي تلتزم فيه قيادات الجماعة المعروفة التحرك داخل سيارات مغطاة بالستائر الداكنة، ومع حراسات مرافقة، وقبل أيام اضطر وزير التموين باسم عودة لأن ينهي جولة تفقدية بين المخابز بعد أن تعدى عليه صاحب مخبز وسط مرافقيه.

وتظهر وقائع «القطاوية» قدرا كبيرا من الحنق الذي لم تستطع أن تسيطر عليه الشرطة لدرجة دعت مدير أمن المحافظة أن يتواجد بنفسه، وقد تزايد الغضب بعد سقوط القتلى لدرجة أن الأهالي عطلوا عمليات الدفن لساعات. يمثل هذا دلالة كبيرة في ثقافة تؤمن بقاعدة أن «إكرام الميت دفنه».

وتكشف ذات الوقائع عن عملية تسليح متبادل تنتشر الآن في المجتمع المصري، ففي الوقت الذي كان يتحرك الشاب الإخواني بالسلاح في الطريق العام، تسلح الأهالي الغاضبون بأسلحة بيضاء وزجاجات مولوتوف، ولم تفلح قوة الشرطة في السيطرة على حالة جمهور حانق وملتهب.

«القطاوية»، بحالتها تلك تمثل بُعدا جوهريا في المجريات المصرية، لاسيما أنها تنتمي لمحافظه يزيد فيها عدد المنتمين للإخوان، وينتمي إليها الرئيس محمد مرسي، وينتمي إليها مرشد راحل للجماعة، وقد شهدت عاصمة المحافظة عديدًا من عمليات التعدي والاحتجاج على بيت الرئيس نفسه.

التحليلات العميقة التي تستقرئ الأزمة المصرية وفقًا للقواعد التقليدية تبدو منطقية لكن الواقع المصري مليء بالتفاصيل التي تفجر أحداثا مفاجئة لم تكن في الحسبان، وتمثل «القطاوية» دليلاً على أن باطن هذا المجتمع مليء بالكثير الذي يجب الانتباه لتأثيراته في إعداد السيناريوات المستقبلية.

 

 

التعليقات

برجاء تسجيل الدخول حتى تستطيع التعليق
عنوان التعليق
التعليق
  • سوف يحتاج التعليق إلى موافقة المحرر قبل نشره
  • Design and Development by Microtech