الاولى > ديموقراطيه المالديف المنسية - بقلم : د.عبدالله المدني
7 مايو 2013 4:39 ص
-

د.عبدالله المدني 

يعرف بعض العرب جزر المالديف كوجهة سياحية رخيصة مقارنة بغيرها من الوجهات السياحية في آسيا، لكني أشك في معرفتهم بديمقراطية هذا البلد التي تعرضت العام الماضي لهزة عنيفة بسبب الإنقسامات الداخلية وصمت القوى الإقليمية والدولية.

فهذا الأرخبيل الواقع في المحيط الهندي على بعد 700 كلم من الهند و400 كلم من سريلانكا إستعمره البريطانيون منذ عام 1153 ، ثم وضعوه تحت إنتدابهم في عام 1887 ، قبل أن يمنحوه الإستقلال في 1965 مع أفول نفوذهم في منطقة شرق السويس.

ومع الإستقلال تحولت المالديف من سلطنة إلى مملكة يقودها "محمد فريد ديدي" الذي نصب نفسه ملكا رغم إعتراض البريطانيين الذين كانوا يفضلون بقاء البلاد كسلطنة لمدة 3 سنوات أخرى ريثما يتم إجراء إنتخابات حرة يقرر فيها الشعب شكل النظام الذي يريده. هذا علما بأن محاولة كانت قد جرت في عام 1953 لإعلان الجمهورية، لكن السلطان بالتعاون مع البريطانيين تمكنوا من إفشالها. ويقال أن تلك المحاولة دفعت السلطان إلى الاسراع في الموافقة على إنشاء قاعدة عسكرية للبريطانيين على الأراضي المالديفية للمرة الأولى وذلك في عام 1957 ، مقابل حصول إدارته على ألفي جنيه إسترليني سنويا.

في نوفمبر 1967 أجرى البرلمان المالديفي المكون من 44 عضوا تصويتا للإختيار ما بين التحول إلى ملكية دستورية أو التحول إلى جمهورية ديمقراطية، فصوت 40 عضوا لصالح الخيار الثاني. تبع ذلك إجراء إستفتاء شعبي حول الموضوع ذاته فجاءت النتيجة 93.34 بالمئة لصالح النظام الجمهوري. وهكذا أعلنت الجمهورية في الأول من نوفمبر 1968 من بعد 853 عاما من الحكم الملكي والسلطاني، لتبدأ البلاد حقبة من اللاإستقرار السياسي.

تولى "إبراهيم ناصر" السلطة كأول رئيس للمالديف في عام 1968 ، وفي ظل رئاسته شهدت البلاد إجراء أول تعداد سكاني، كما شهدت تطور قطاعها السياحي وتحوله إلى مصدر رئيسي من مصادر الدخل القومي. غير أن الانقسامات السياسية والحزبية ما بين أنصاره ومعارضيه، وما تبعها من إلقاء القبض على رئيس الوزراء "أحمد زكي" ونفيه إلى خارج البلاد في عام 1975 أدت إلى تدهور الأوضاع الإقتصادية، وتوقف السياحة ومعها صادرات البلاد من الأسماك المجففة. ولعل ما تسبب في إستفحال الأمور أكثر قرار بريطانيا بتصفية قاعدتها العسكرية.

إزاء هذه التطورات لم يجد الرئيس "ناصر" وسيلة لتفادي نقمة الشعب سوى الفرار إلى سنغافورة في عام 1978 ومعه ملايين الدولارات من أموال شعبه الفقير.

هنا برز الرئيس الثاني للبلاد "مأمون عبدالقيوم" الذي هيمن من خلال حزبه السياسي القوي على مقاليد الأمور لست فترات رئاسية متتالية إبتداء من عام 1978 وحتى 2008 . وعلى الرغم مما نـُعت به من ديكتاتورية وفساد، إلا أنه نجح نجاحا باهرا في تامين الأمن والإستقرار وتنمية الإقتصاد وإستعادة الروح السياحية لبلاده.

لكن ما يجدر بنا ذكره هنا هو أن "عبدالقيوم" تعرض خلال حقبته الرئاسية الطويلة لثلاث محاولات إنقلابية، أبرزها تلك التي وقعت في 1988 حينما إستولى نحو مائتين من المرتزقة الهنود المدعومين من الرئيس الهارب "ناصر" وأعوانه على المطار الرئيسي في البلاد. وقتها ظل "عبدالقيوم" يقاوم متنقلا من مكان إلى مكان إلى أن عاد إلى قصره الرئاسي بفضل تدخل نفذته القوات الهندية من البحر والجو في نوفمبر 1988.

في تبرير تدخلها قالت نيودلهي أنها معنية بالأمن والإستقرار في هذا البلد الواقع ضمن مجال مصالحها الحيوية، وأنها، فوق ذلك، حريصة على تعزيز ديمقراطية المالديف وعدم تشجيع الإستيلاء على السلطة بالقوة.

في انتخابات 2008 الرئاسية (أول إنتخابات تعددية حرة في تاريخ المالديف) كانت مشاعر النقمة الشعبية ضد ديكتاتورية "عبدالقيوم" قد وصلت ذروتها، الأمر الذي إستغله جيدا المرشح الرئاسي "محمد نشيد"، أحد مؤسسي "الحزب الديمقراطي المالديفي" المعارض، والرجل المعروف شعبيا بإسم "مانديلا المالديفي" كونه أعتقل وسجن أكثر من 20 مرة خلال حقبة "عبدالقيوم". ورغم شعبية "نشيد"، وإختياره لمعارض آخر ذي جماهيرية هو "محمد وحيد حسن" كنائب للرئيس على تذكرته الإنتخابية، فإنه لم يستطع الفوز من الجولة الأولى التي تقدم فيها "عبدالقيوم". إزاء هذا المأزق لم يجد "نشيد" بدا من التحالف مع كل الجماعات الأخرى المناوئة للنظام – بما فيها المتطرفة دينيا او إيديولوجيا من تلك المتصادمة مع أفكاره – فكالنت النتيجة أن حقق فوزا بنسبة 54.25 بالمئة في جولة الإعادة.

خلال فترة رئاسته ما بين 2008 و2012 تعرض "نشيد" لجملة من التحديات الإقتصادية والسياسية والإجتماعية. فإضافة إلى ما تركه له النظام السابق من عجوزات في الموازنة، وعملة محلية متدنية القيمة، شهد القطاع السياحي تراجعا ملحوظا بسبب تداعيات كارثة تسونامي 2004 ، وبالتالي أرتفعت معدلات البطالة والفقر والفساد.

أراد الرئيس الجديد معالجة هذه التحديات بغية زيادة شعبيته في مواجهة الجماعات السياسية التي تحالف معها أثناء حملته الإنتخابية، ولا سيما الجماعات الإسلامية المحافظة التي راحت تطالبه بتطبيق الشريعة ومنع السياحة.  فتبنى حزمة من السياسات مثل زيادة ايرادات الدولة عن طريق فرض ضرائب على البضائع والخدمات، ومنح المساعدات الاجتماعية للمعاقين وذوي الحاجة. كما تبنى فكرة تكوين صندوق سيادي من أجل شراء رقعة جغرافية جديدة تنقل إليها البلاد وشعبها ومؤسساتها قبل غرق المالديف المتوقع بسبب إرتفاع منسوب مياه المحيط الهندي. لكن أيا من هذه السياسات لم تجد طريقها إلى التنفيذ بسبب إعاقة البرلمان لها.

في خضم هذا المأزق، وتحديدا في ديسمبر 2011، قامت الجماعات الإسلامية بدعم خفي من الرئيس السابق "عبدالقيوم" بتحرك جماهيري واسع تحت شعار "حماية الإسلام"، فكانت هذه نواة حملة تأجيج وتحريض تفاقمت بتوقيف السلطات لقاضي قضاة المحكمة الجنائيـــة " عبدالله محمد" بتهمة الفشل في مساءلة مرتكبي جرائم الفساد والإعتداء على حقوق الإنسان أثناء عهد "عبدالقيوم".

وبتوسع حركة الإحتجاجات وإنضمام الشرطة إليها بدلا من تنفيذ الأوامر بلجمها، شعر "نشيد" أن الأمور قد خرجت عن نطاق سيطرته، فظهر على شاشات التلفاز ليقدم إستقالته، قائلا أنه لا يريد إدارة البلاد بقبضة حديدية"


لكن هذا الخطاب وتر الاجواء أكثر. إذ سرعان ما خرج أنصار "نشيد" إلى الشوارع، وإشتبكوا مع الشرطة، فيما راحت كوادره الحزبية تردد أن رئيس البلاد الشرعي أجبر على الإستقالة تحت حراب العسكر في ما يشبه المحاولة الانقلابية المبيتة، وأنّ سرعة إستلام "محمد وحيد" لرئاسة الجمهورية يثبت تورطه في الإنقلاب.

إن ما يعنينا في ختام هذا الحديث هو موقف أكبر دولتين ديمقراطيتين في العالم (الهند والولايات المتحدة) مما حدث لديمقراطية المالديف الوليدة. فالهند، على خلاف موقفها السابق في عام  1988 ، قالت أن التغيير في المالديف قد حدث بصورة "دستورية وسلمية"، وهو ما لا يمكن الجزم به. وهنا يقول البعض أن ما أملى على نيودلهي هذا الموقف هو خوفها من ميل "وحيد" نحو غريمتيها التقليديتين (باكستان والصين) فيما لو تدخلت إلى جانب "نشيد".أما واشنطون فقالت انها لا تؤيد دعوة "نشيد" بإجراء إنتخابات جديدة سريعة، وأن كل ما يعنيها هو عدم إنتهاك حقوق الإنسان.


د. عبدالله المدني

*باحث ومحاضر أكاديمي في الشأن الآسيوي من البحرين

البريد الإلكتروني: elmadani@batelco.com.bh


التعليقات

برجاء تسجيل الدخول حتى تستطيع التعليق
عنوان التعليق
التعليق
  • سوف يحتاج التعليق إلى موافقة المحرر قبل نشره
  • Design and Development by Microtech