الاولى > تصدير «الثورات»لايحتاج تصريحاً..حين تكون ثورات - بقلم عبدالله كمال
5 مايو 2013 7:49 ص
-

المقال المنشور في موقع ميدل ايست اونلاين

بتاريخ ٥ مايو ٢٠١٣ 

 

    قَدر الصديق الكاتب اللبناني خيرالله خيرالله، أن حضور الملتقى الإعلامي العربي بالكويت لم يجد في كلام وزير إعلام الإخوان صلاح عبدالمقصود ما يريحه سوى: " أن مصر لن تصدر الثورة"..ثم أردف خيرالله في مقال له ، بموقع ميدل إيست أونلاين: "هل لدى مصر - الإخوان - ما تصدره غير الأزمات؟!".

     يعود بنا هذا القول إلى كنه "الانتفاضة الثورية"، أو كما أسميتها بداية "الفعل الثوري في مصر". ذلك أن الثورات الحقيقية لا تحتاج إلى تصريح بالتصدير، كما أنها لا تنتظر إفساحا، ولا يمكن منعها، وإذا كانت "ثورة" بالمعنى الكامل للكلمة لا يقدر من قام بها على تقييد انتقالها ولا يمكن لمن ينبغي أن تصل إليه أن ينجو منها..تثبت ذلك وقائع وقيم وتواريخ كل الثورات الحقيقية مع استثناء وحيد.

    الثورة الإنكليزية، الثورة الفرنسية، الثورة الأميركية، الثورة البلشفية..كل منها انتقلت قيمها ورسالتها من الشعوب التي قامت بها إلى شعوب أخرى جاورتها أو كانت بعيدة عنها. إن حركة الإنسانية في نطاق جغرافي ما، من أجل هدف إنساني، لا يجعلها مقيدة بالحدود، ولا يخضعها لإرادة تقرر أن عليها أن تنتقل أو لاً تنتقل إلى حيث تعيش بقية الإنسانية. وتترسخ هذه الحقيقة كلما كان لتلك الثورة عمق فلسفي يمثل إضافة إلى الرصيد الإنساني، في نضاله من أجل تحقق الإنسان ومسعاه للعدالة ورفضه للظلم.

    الثورة بمواصفاتها الإنسانية تختلف عن التحرك السياسي الشعبي، أيا ما كان حجمه، من أجل تعديل أوضاع أو إعادة ترتيب معادلات مجتمع، وهي بذلك تتجاوز فكرة تغيير نظام أو إقصاء إدارة إلى ما هو أبعد في أوضاع اجتماعية وثقافية أعمق، تكون لها بالتالي نتائج سياسية واقتصادية.


    ومن ثم فإن الإنسانية حين تناضل بالثورة تسعى إلى إرساء مفاهيم جديدة.. بينما التحركات الشعبية، أو الانتفاضات، هي محاولات من بشر آخر، ليس من أجل الإضافة وإنما من أجل تطبيق مفاهيم سبق أن تم إرساؤها.

    وفق هذا فإن الأديان، باعتبارها في عمق مضمونها ثورات، كانت تنتقل مفاهيميًّا وقيميًّا قبل أن يتولى المؤمنون بها ـ في بعض الحالات ـ نشرها توسعيًّا.

    وتطبيقا على هذا فإن الثورة المصرية في ١٩٥٢، تدرجت في انتقال معانيها..إقليميًّا، ليس لأنها كانت تضيف مفهوما جديدا للإنسانية، وإنما لأنها كانت تحفيزا لقيمة التحرر من الاستعمار التي كانت قد تبنتها شعوب منطقة الشرق الأوسط بطريقة أو أخرى..كما أن مشروعها المصري توزع فيما حول نطاقه الجغرافي لأنه تبنى المشروع العروبي الذي مثل إضافة بدوره لشعوب بينها روابط وقيم وتاريخ ودين..تلهفت وقتها لهذا البديل السياسي الثقافي بعد تحررها من الاستعمار الذي كان يفرض عليها مشروعا ثقافيا ضد قيمها وتاريخها بصورة أو أخرى.

   لا ننسي هنا أن تحفيز المسعي للتحرر كان قد إنتقل كذلك الي افريقيا في ذات الوقت..كما أن الفكرة العروبية كانت قد سبقت ثورة ١٩٥٢ من حيث التأسيس الثقافي والسياسي، ومُنحت زخماً شعوريا مع بروز قضيه فلسطين وإعلان دولة اسرائيل وتحقيق المشروع الصهيوني لاول انتصارين كبيرين في ١٩٤٧ ومن ثم في ١٩٤٨.

   بنفس المنطق فإن الثورة الإيرانية فيما بعد ثورة مصر بثلاثة عقود، تقريبا، و التي عدلت جوهريا وضع المجتمع الإيراني، لم تتمكن من تصدير ذاتها مفاهيميًّا، لأنها استحالت في وقت وجيز إلى مشروع "شيعي"، يطرح ديكتاتورية بديلة، قائمة على نظرية "ولاية الفقيه". حدث هذا في بيئة أغلب من يعيشون فيها من السُّنة..وبينهم تناقضات قومية مذهبية مع المشروع الشيعي المرتبط بالقومية الفارسية.

    وهكذا فإن بعض تصديرات الثورة الإيرانية انتقلت إلى بقاع جغرافية أخرى، قسريا، عن طريق الزرع، وبتأسيس تنظيمات وتحالفات..لم تجعل منها متطلبا إنسانيا وشعبيا عاما..إذا ما اعتبرنا نشوء حزب الله في لبنان هو نوع من تصدير الثورة الإيرانية.

    "الانتفاضة الثورية"، التي تعيش مصر نتائجها منذ يناير ٢٠١١، لا يمكن وفق هذا السياق وصفها بأنها "ثورة". كانت مسعى شعبيا كبيرا من أجل التغيير، تبنى في البداية مطالب شعارية هي في حد ذاتها لا تمثل إضافة إلى المفاهيم الإنسانية بقدر ما كانت تسعى إلى تطبيق ما سبق أن بلغته الإنسانية من قبل.

     وقد كانت نخبتها ترفع شعار "مصر تستحق ما هو أفضل"..وهو ما يعني أن مسعى التغيير نتج عن شعور بعدم الرضا لم يصل إلى حد الرفض الكامل لكل ما هو موجود..ومن ثم فإن المنتفضين كانوا يهتفون "الشعب يريد إسقاط النظام"..شعار لم يكن يعني رفض كل القواعد والنظم الاجتماعية القائمة..ثم أثبتت الأحداث أنه - هذا الشعار - كان يعني في مفهوم النداء "الشعب يريد تغيير الإدارة".

     طبقيا، تساندت فئات مختلفة من الطبقة الوسطى في الخروج للانتفاض، لكن الطبقة الوسطى كلها لم تخرج إلى الشارع..كما أن الأحداث التي شهدتها مصر في يناير وفبراير ٢٠١١ أثبتت أن الحركة الاجتماعية الداعمه لهذا (الفعل الثوري السياسي) كانت في أغلبها مدينية وقاهرية، ولم تمتد إلى كل المحافظات في وقت واحد..بل إن أقاليم الصعيد حتى اللحظة تتعامل مع ما يجرى في القاهرة منذ عامين باعتباره حدثاً بعيداً..بغض النظر عن أن الثائرين السياسيين يرددون كثيرا أن "التحرير" لم يكن ميدانا واحدا..وأن المفاهيم التي نودي بها فيها كانت منتشرة في مختلف الميادين في كل أرجاء مصر.

     بالمقياس ذاته، جسدت "الانتفاضة الثورية" تحالفاً سياسياً، أكثر منه نداءً اجتماعيا شاملا، فلما دارت الأحداث، وتعددت المراحل التالية في مسار العملية الانتقالية المصرية، كان انفرط هذا التحالف السياسي..وتشابك المدنيون مع الدينيين..كاشفاً عن حقيقة أنه لم يحظ بالغطاء الاجتماعي الكافي لإبقاء جذوته مشتعلة ومطالبة متقدة.

     إنه نفس التشخيص الذي يجعل من "حكم الإخوان" الآن مجرد "إدارة لقمة الحكم" من دون أن يكون قائماً على ظهير اجتماعي مساند..أو تحالف عريض من فئات مختلفة في كل مصر تجد أن لها مصلحة في بقائه.

     وضع سياسي مثل هذا، لا يمكن تعريفه بأنه "ثورة"، حتى لو كان قد حقق "نتيجة سياسية ثورية"..عندما وصل خصم ثورة يوليو إلى قصر حكم يوليو. وما دامت لم تكن "ثورة" فإن تخيل تصديرها يكون ضرباً من الخيال، ونفي الرغبة في تصديرها يكون بمثابة تعبير عن ادعاء..سواء قال هذا وزير إعلام حكم الإخوان..أو رئيس حكم الإخوان في مصر.

     إن أهم ما سوف تقوم مصر بتصديره مصر خلال الفترة الحالية هو "قيم ومفاهيم" رفض مشروع الدولة الدينية، ولن يحتاج ذلك الي "تصريح" من أحد..ليس لأنه تعبير عن "ثورة" غير معلنة ولكن لأنه بالفعل أصبح مطلباً للغالبية في المنطقة..لا في مصر وحدها.

 

التعليقات

برجاء تسجيل الدخول حتى تستطيع التعليق
عنوان التعليق
التعليق
  • سوف يحتاج التعليق إلى موافقة المحرر قبل نشره
  • Design and Development by Microtech