الاولى > «غني أزمة» ....بقلم : عبدالله كمال
28 أبريل 2013 2:35 م
-

«غني أزمة»

بقلم :عبدالله كمال

      يئن ملايين المصريين من ضغط الأزمة الاقتصادية، ويتحسب الكثيرون منهم لما بين أيديهم، إيمانًا بأن الأيام المقبلة سوف تكون أسوأ، في ذات الوقت هناك بضعة عشرات من الأشخاص تتضخم ثرواتهم وفقًا لإيقاع «متوالية هندسية» .. هؤلاء هم فئة «غني الأزمة» التي توُمض الآن في سماء حالكة.

      لقد كان للفعل الثوري في ٢٨ يناير ٢٠١١ أسباب عديدة، في اتجاهات مختلفة، وقد كان في صدارتها - قبل أن تستغل هذا التحرك الجماهيري جماعات ودول - أن فئات شعبية عريضة رأت أن عليها أن تجيب بنفسها عن «سؤال اليوم التالي».. أي من الذي سوف يحكم غدًا.. إذا كان نظام الحكم لا يريد أن يضع إجابة يمكن ترتيب المعادلات والتوازنات من حولها.. وكان من بين الأسباب الاعتراض على منهج وزارة الداخلية.. وغير ذلك من أسباب يكشفها الشعار الأشهر «عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية».

     لكن التحليل العميق يُظهر أسبابًا أخرى، كان من بينها رغبة بعض الفاعلين في السوق في إعادة ترتيب السوق، وإحداث تغيير في قواعدها وتوازناتها، بحيث تتسع الساحة الاقتصادية إلى قائمة أسماء أوسع وأكبر .. أو أن تخرج قائمة أسماء لكي تحل مكانها مجموعة جديدة. لا يعني هذا أنه كانت هناك اتفاقات حول ذلك تمت في غرف مغلقة.. لكن حركة الأحداث أدت إلى ذلك وكشفت عنه .. وفي تفصيل هذا يمكن فيما بعد أن نناقش جدلية وغرائبية العلاقة الغامضة بين متطرفي اليسار المصريين .. وهم فئة جوهرية في تحريك الفعل الثوري والحركة الاحتجاجية ضد حكم الرئيس السابق مبارك ..وعديد من رموز الرأسمالية المصرية.

      ابتلعت السجون عددًا من الرأسماليين عقب تخلي الرئيس مبارك عن حكمه، وأدرك آخرون أن الأيام تخفي الكثير فغادر العشرات مصر واختاروا البقاء بعيدا حتى لو كانوا يديرون أعمالهم من العواصم الأوروبية والعربية المختلفة.. وظلت فترة الحكم الانتقالي للمجلس العسكري رمادية بلا مؤشرات حقيقية تحدد ما سوف يجري في السوق.. باستثناء عملية مراجعة واسعة النطاق تصدت لها أجهزة رقابية وأمنية مختلفة.. وشعور عام بالتوجس من الأيام التالية.. كان يتزايد توترًا مع ارتفاع وتيرة الركود والترقب.


      لكن الملامح ظهرت بدءًا من يوليو ٢٠١٢، ومع تولي رئيس إخواني لحكم مصر، كان أن اتضح أن هناك عملية جديدة لترتيب السوق وفقا لمعايير مختلفة.. بدون إدراك حقيقي أن قيم السوق الحر لا يشترط فيها أن تتطابق مع تلك المعايير. إن من الملفت أن محاولة فرض هذه المعايير قد صاحبتها تصرفات أقل ما تُوصف به اقتصاديًا أنها ساذجة، وتصطدم مع واقع متجذر، يحتاج وقتًا لكي يتغير، حتى لو كان هذا التغيير قسريًا.. وأن أي إجراء يتخذ، أو تصرف يتم ولو كان سرًا، تكون له أصداؤه ليس فقط محليًا وإنما إقليميًا وربما دوليًا.. ولا يمكن القول أن هذه المحاولة لفرض نخبة اقتصادية ومالية جديدة قد باءت بالفشل، لكن يمكن القول أنها تتعثر، وأنها تواجه عيوب سذاجتها، وعدم استيعابها لحقائق اقتصادية ومالية، فضلاً عن أوضاع سوقية تحتاج إلى وقت طويل من أجل أن تتبدل، أو أن تسمح بتضخم الكعكة لكي تستوعب مقتسمين جددًا.

     تدليلًا على هذا الاستنتاج يمكن مراجعة عدد الرحلات التي قام بها ممثلون لجماعة الإخوان في الخارج، ومراجعة قائمة طويلة من أسماء المستثمرين المحليين والإقليميين والدوليين، الذين عقدوا لقاءات تخص البيزنس مع قيادات في جماعة الإخوان.. دون أن تظهر أي بوادر أو علامات حركة في السوق نتيجة للاتفاقات الشفوية والمناقشات التي دارت.. ما دعا الحكومة في أحيان كثيرة أن تعيد افتتاح مشروعات سبق أن بدأت العمل في عصر مبارك، أو أن تنسب لنفسها إنجازًا تحقق قبل عام ٢٠١١.

     ومع تضاعف الأزمة الاقتصادية، التي تأخذ المجتمع على منحدر يتجه إلى بئر مظلمة، لا يعرف أحد أين يبعد قاعها، كان أن نشأت ظاهرة «غني الأزمة»، صائد الفرص، قانص التصفيات.. باعتبار أن مصر مجتمع يترنح اقتصاديًا.. ويفر منه القلقون ..وغير القادرين على تحمل أعباء الأزمة.. والذين لا يثقون في أن تغييرًا يُمكن أن يحدث قريبًا.. هؤلاء كان يلاحقهم، ومازال، الذين يعتقدون أن تلك فرصة للاصطياد .

      «غني الأزمة»، مثل «غني الحرب»، والحرب في حد ذاتها هي أزمة حادة وعنيفة لأي مجتمع، لكن الأزمة التي تواجه مصر الآن لم تنتج عن حرب .. غير أنها ذات نتائج أوسع وأكبر.. ومن ثم تفرز هؤلاء الذين وجدوا أنه لا يُمكن لهم أن يكونوا نخبة اقتصادية فقرروا أن يحققوا الصعود المالي بطريقة مختلفة.. بغض النظر عما يتحقق على المستوى السياسي .

      ونتيجة لأن هذه الفئة القانصة، التي لم ترتق لمستوى النخبة الرأسمالية بعد - وقد لا تُصبح كذلك - نتيجة لأنها في عمق معتقداتها لم تعد هي بدورها تثق في طبيعة الموقف السياسي.. فإن الملاحظ الآن أنها تتحرك بإيقاع لاهث ومنفعل وغير مخطط.. وتتحرك على مستويات مختلفة بسرعة كبيرة.. كما لو أنها تدرك أن الوقت المتاح أمامها لن يكون ممتدًا.. وأن عليها أن تلحق بما هو متاح وبأي شكل.

      الملاحظة الأهم في هذا السياق، ليس فقط معدل الإيقاع اللاهث، لكن أي من المفترض فيهم أن يكونوا نخبة رأسمالية جديدة، أو إضافية، لم يظهروا أي رغبة علنية في أن يضيفوا مما تحصلوه إلى السوق.. أو أن يضخوا استثمارات تحت أسمائهم لعل هذا يضيف «سمعة» يفتقدها الاقتصاد.. أو يعطي مؤشرات مشجعة. العكس هو الحاصل.. يتصرفون بطريقة متوجسة، ولا يضخون مالًا بقدر ماهم يندفعون إلى حصد الفرص في صمت، وهو ما يعكس كذلك حقيقة انعدام ثقتهم في الغد السياسي قبل الغد الاقتصادي. 

التعليقات

برجاء تسجيل الدخول حتى تستطيع التعليق
عنوان التعليق
التعليق
  • سوف يحتاج التعليق إلى موافقة المحرر قبل نشره
  • Design and Development by Microtech