الاولى > الحكم الحافي ! - بقلم : عبدالله كمال
10 فبراير 2013 6:06 ص
-

الحكم الحافي !

بقلم :عبدالله كمال


ثلاثة مشاهد لا تفوت في أيام الإخوان  .. ستبقى خالدة لاتنسى .. على الرغم من أن هناك مشاهد كثيرة احتجزت مكانها في الذاكرة العامة عنهم ولهم  .
 
المشهد الأول في جنازة الشهداء المصريين الستة عشر ..الذين قتلوا لحظة الإفطار في نهاية يوم صيام رمضاني ..حيث كانوا يؤدون واجبهم على الحدود. في مسجد آل رشدان وبعد الصلاة على الجثامين ..لاحق الأهالي رئيس الوزراء الدكتور هشام قنديل ..بالهتافات الشرسة وكادوا يهاجمونه .. فاضطر إلى أن يغادر المسجد مسرعًا ..بدون أن يتمكن من أن ينتعل حذاءه .
 
إن المصريين جميعا لاينسون أن غضبهم العارم يومها لم يُمكن الرئيس محمد مرسي من أن يحضر تلك الجنازة .. بل إن عددًا من المصريين مازالوا يُحاكمون، بعد أن تعرضوا لموكبه الخارج من مستشفى كوبري القبة العسكري ..وقد برأتهم المرة الأولى للمحاكمة .
 
المشهد الثاني كان للرئيس نفسه .. ففي صلاة للجمعة .. هتف المصلون ضده بعد أن انتهت الركعات والتسبيحات .. ووجد الحراس أن علىهم أن يبتعدوا بالرئيس فورا .. فما كان منه إلا أن لحق بسيارته بدون أن يتمكن من أن ينتعل حذاءه ..وكانت بعض من الكاميرات تقف متربصة وسجلت هذا المشهد بدورها للتاريخ .
 


المشهد الثالث لم يره أحد .. لكن الجميع يعرفونه ويتداولون تفاصيله .. ففي منتصف أحد ليالي الأسبوع الماضي .. قطع الطريق على سيارة محافظ كفر الشيخ عدد من الملثمين .. وأوقفوه بينما هو في طريقه إلى بيته في مدينة المحلة .. وتحت تهديد السلاح .. أخذوا منه كل شيء .. سيارته .. وسلاح حارسه .. وملابسه ..وتركوه في الطريق من دون حذاء .
 
تحليل المشاهد الثلاثة يقود إلى استخلاصات عديدة .
 
أولًا: لم يقتصر الأمر على موقع دون غيره . شملت الملاحقة الغاضبة الرئيس والمحافظ مرورًا برئيس الوزراء .. كل درجات القيادة التنفيذية العلىا .. علما بأن عددًا آخر من المحافظين والوزراء تمت مطاردتهم في مشاهد مختلفة .. وهم إن تمكنوا من الحفاظ على أحذيتهم في أقدامهم .. إلا أنهم لم يمكنوا من البقاء في مكاتبهم لبعض الوقت ..وهو ماحدث في بورسعيد والسويس والإسكندرية .
 
ثانيا : في مشهدين من الثلاث جرت الوقائع في مسجدين .. مع الرئيس ومع رئيس الوزراء .. ما يعني أن الحنق لم يدفع المصلين إلى أن يمتنعوا عن التعبير عن غضبهم داخل بيوت الله أو على بابها .. كما لو أن المصريين يقولون للسلطة إنها طالما أرادت من المسجد أن يكون مكانًا لإضفاء هالة على وضعها .. فإنها سوف تواجه رد الفعل في ذات المكان .. ربما تعبيرًا عن إصرار المواطنين على إبعاد المساجد عن السياسة .
 
في إحدى المرات وبدون الوصول إلى مشهد مغادرة المسجد بسرعة كان أن سمع الرئيس بنفسه هجوما حادًا من المصلين على خطيب المسجد لأنه قرر أن يؤيد الدستور وأن يدعو من هم في المسجد لذلك .
 
ثالثا : لم تستطع أطقم الحراسة .. مهما بلغ حجمها وتدريبها .. حسب حجم الشخصية .. أن تمنع المشهد من الوصول إلى مرحلته الغريبة في المرات الثلاث .. إما اضطرارًا بالمغادرة مرتين .. أو رضوخًا وتحت تهديد السلاح كما حدث مع محافظ كفرالشيخ .
 
رابعا : لم يتح لأي من المشاهد أن يبقى بعيدًا عن الأنظار .. أو يتم إخفاؤه عن الرأي العام .. حتى المشهد الثالث الذي جرى بعيدًا عن أعين الصحافة .. وفي عز الليل ..فإن الخبر بتفاصيله تسرب .. وأصبح معروفًا .. ما اضطر المحافظ لأن يجري حوارًا صحفيًا يقول فيه إنه لم يكن مقصودًا بذاته .. وهو ما يحتاج منه إلى دليل لتصديقه ..لأن سياره أي محافظ تحمل رقما مميزًا يعرفه المواطن العادي ..رقم (١) ..ورغم معرفة الملثمين بذلك فإنهم لم يتورعوا عن أن يفعلوا ما يريدون ..وفيما يبدو فإنهم لم يكونوا يريدون سوى توجيه رسالة فقد أعادوا السيارة المسروقة بعد وقت قصير ..ولم تشر الأنباء هل أعادوا بقية الأشياء وبما في ذلك الحذاء أم لا !!
 
لقد عرف الحذاء طريقه إلى الثقافة السياسية العربية الحديثة في مشهد شهير ، عندما ألقى صحفي عراقي بما في قدمه على الرئيس الأميركي جورج بوش أمام كاميرات العالم .. وقد لجأ إلى هذا الأسلوب قبل أيام عدد من المتجمهرين المصريين احتجاجًا على زيارة أحمدي نجاد في ساحة المسجد الحسيني .. والنيابة تحقق في ذلك .. لكن مشاهد إجبار السلطة التنفيذية على «التحفي» لم تكن معروفة من قبل ..بكل مافيها من رمزية وتعبير عن سقوط هيبة الدولة التي يفر المعبرون الجدد من مواطنيها في لحظات مثيرة للتساؤلات .
 
إن المفارقة هنا تكمن في أن «الحكم الحافي» أصبح كذلك رغم أنه جاء إلى السلطة بشرعية الانتخاب .. وفي أنه قدم نفسه للمصريين وللعالم على أنه الحكم الذي طال انتظاره .. وفي أنه سيكون قادرًا على أن يحقق المعجزات ..وينقل البلد من عصر إلى عصر .. ثم تبين أنه غير قادر على أن يجد بضعة ثوانٍ لكي ينتعل حذاءه ..ويقف صامدًا في وجه المواطنين المحتجين .. وأين .. داخل المساجد في أغلب الأحوال !!
 
وليس مشهد الحذاء سوى تدليل على بعد المسافة بين الحاكم والمحكوم .. وهو مفرده في نسق متكامل يعبر عن فجوة تؤكد أن الشرعية غير مكتملة إن لم تكن منهدرة .. فإلى جوار مشهد الحذاء المخلوع .. هناك مشهد حرق مقرات حزب الحرية والعدالة .. ومشهد إلقاء المولوتوف على قصر الاتحادية .. ومشاهد اختراق قرار حظر التجول في مدن القناة .. وغيرها من الوقائع التي تثبت أن المسافة التي يفترض أنها منعدمة بين الحكم والمحكومين صارت بعيدة جدًا .. وتحتاج إلى تغيير جوهري لايمكن للحاكم أن يقدر علىه ..ولا يمكن للجماعة التي ينتمي إليها أن تقوم به ..وبالتالي فسوف يظل (حافيًا) !!

التعليقات

برجاء تسجيل الدخول حتى تستطيع التعليق
عنوان التعليق
التعليق
  • سوف يحتاج التعليق إلى موافقة المحرر قبل نشره
  • Design and Development by Microtech