الاولى > اليوم التالي في مصر .. أو مابعد الأزمة ! - بقلم :عبدالله كمال
10 فبراير 2013 5:07 ص
-

اليوم التالي في مصر .. أو مابعد الأزمة !

بقلم :عبدالله كمال

المقال المنشور في جريدة الراي يوم ٧ فبراير ٢٠١٣

مرر الرئيس محمد مرسي أزمة الإعلان الدستوري الصادر في 22 نوفمبر الماضي، خاسرا مؤسسة القضاء ودافعا إلى الساحة - دون قصد بالطبع - بـ «جبهة الإنقاذ» المعارضة له، والتي لم يكن لها وجود قبل ذلك.

ومرر هو كذلك الدستور المثير للجدل والمرفوض من كل معارضيه.. وقد خسر رسميا أصوات العاصمة التي صوتت ضد الدستور، فأصبح الرئيس لأول مرة على نقيض القاهرة التي يحكم منها، وبعد شهر من ميلادها تحدت "جبهة الإنقاذ" الرئيس، ولم تعد تطلب إسقاط الإعلان الدستوري، بل الدستور نفسه.

وبعد المرحلة الأولى من الأزمة التي تفجرت بصورة مختلفة في 25 يناير الماضي، خسر الرئيس مرسي علنا ثلاث محافظات بطول شريط قناة السويس، تخضع عمليا لسيطرة القوات المسلحة، بعد أن شهدت مظاهرات حادة ضد الرئيس مرسي وتحدىًا علنيًا لسلطته وقراره.. حتى إن أهالي المحافظات الثلاث كانوا يتعمدون إخلاء الشوارع نهارا والخروج إليها جماعيا ـ تقريبا ـ ليلا، في وقت حظر التجوال الذي فرضه الرئيس مرسي.

لى القاهرة التي صوتت ضد الدستور، تٌضاف الغربية التي نهجت مثلها، مع الوضع في الاعتبار أن شكوكا تحيط بنتائج التصويت على الدستور.. وكلتاهما - القاهرة والغربية - مناطق متأججة بالمظاهرات ضد الرئيس، ومعهما كذلك: الإسكندرية وكفر الشيخ والفيوم، ومحافظات القناة الثلاث ما يعني أن دائرة الاحتجاجات قد شملت جغرافيا 8 محافظات، فضلا عن متناثرات في أسيوط والدقهلية والمنيا والبحيرة والقليوبية، حدثت ولكنها لا ترق إلى مستويات الغضب في بقية المحافظات الثمانية، علما بأن الوضع الأمني في شمال سيناء يجعلها خارج أي سيطرة وإن كانت لا تصب في اتجاه الاحتجاج ضد مرسي على الرغم من كونها تمثل تحديا لسلطته.

بخلاف العدد، الواضح أن بعضا من مناطق مصر تبدو هادئة لكنها تتحول في لحظة إلى كُتل متأججة، وبدون توقع، ما يشير إلى أن الاستقرار في بقية المحافظات هو من النوع «الهش».. كمثال، تركت مدينة طنطا في محافظة الغربية لمدينة المحلة ممارسة الاحتجاجات وظلت هي ساكنة، ثم انفجرت مساء «الاثنين» بعد تشييع جنازة الناشط محمد الجندي، وتحولت إلى موقع ملتهب جديد.

القياس الجغرافي من ناحية المضمون قد يدفع إلى المقارنة بين الحالة المصرية الآنية، وما كانت علىه ثورة تونس في ديسمبر 2010 - يناير 2011 وكانت تتحرك من الولايات في اتجاه العاصمة تونس.. بعكس الموجة الثورية المصرية الأولى في يناير - فبراير 2011 التي تركزت في القاهرة مع أحداث معاونة في كل من السويس والإسكندرية بالأساس.


وفي «حصيلة الأزمة»، إلى اللحظة، مظاهر ومواقف ذات دلالات:

* قصر الحكم «الاتحادية» أصبح مقصدا متكررا للمتظاهرين، وهدفا للتجرؤ، والقصف بزجاجات المولوتوف، بل والسعي إلى تكسير بوابته مرة بجذوع خشبية ومرة باستخدام «ونش»، وقد شوه المحتجون جدران القصر الخارجية وأسواره وكتبوا علىها شعارات وشتائم عنيفة، أخفها يقود إلى السجن إدانة بالسب والقذف.

* الرئيس الذي يتولى الحكم من قصر الاتحادية تزايدت قسوة الهتافات الموجهة ضده في المظاهرات، وفيها ترابط بين شعاري «الشعب يريد إسقاط النظام» و«يسقط حكم المرشد».. وفي ذات الوقت رفعت صحف من سقف تعاملها مع الأمر، ووصل الأمر حد وصف الرئيس بـ «الكاذب» و«القاتل»، كما فعلت جريدة «الفجر» في عدد خاص.. وصار عاديا أن تناقش البرامج فرضية محاكمة الرئيس مرسي بتهمة قتل المتظاهرين.

* حلفاء الرئيس وأنصاره، إما أنهم انفضوا من حوله، أو أنهم غير قادرين على خوض غمار مساندته، فقد تجمع بضع مئات من الإخوان يوم الجمعة الماضي في منطقة قريبة من الاتحادية دون أن يتمكنوا من الذهاب إلى هناك لمواجهة معارضي الرئيس، وحزب النور السلفي دعا إلى مبادرة لإنهاء الأزمة تقوم على ما يناقض ثوابت الإخوان وتفتح بابا للتحالف بينه وبين جبهة الإنقاذ.

والجماعة الإسلامية تراجعت عن دعوة لتنظيم مليونية، قالت إنها لنبذ العنف، بينما هي واقعيا كانت من أجل التعبير عن مساندة الرئيس، ويتداول الكثيرون الآن نقاشات حول مصير «المشروع الإسلامي» ومستقبله بعد الخسائر المتتالية لأول رئيس إخواني يصل إلى سدرة الحكم في مصر.

* كثير من خصوم الرئيس، وبما فيهم قيادات في جبهة الإنقاذ، انتقلوا من مرحلة المطالبة بإسقاط الدستور إلى الحديث عن إسقاط الرئيس نفسه، وقد أصبح هذا الافتراض قائمًا بصورة أو أخرى في نقاشات عامة.. والأهم هو الحديث عما يلي ذلك، بل إن المعارض الذي يعيش في أبوظبي المرشح السابق لانتخابات الرئاسة الفريق أحمد شفيق قال لقناة العربية: «لقد انتهى النظام في عقل وقلوب المصريين.. وأصبحت مسألة وقت»، علما بأنه ليس منضما إلى «الإنقاذ».

* واجهت سلطة الدولة، ممثلة في الرئيس تحديات سافرة عبرت عنها مظاهر مختلفة للعصيان المدني والعصيان العنيف.. سواء في زيادة وقائع قطع الطرق أو إيقاف السكك الحديدية أو اقتحام المباني الحكومية خصوصا مقرات المحافظات وملاحقة المحافظين، كما جرى في السويس وكفر الشيخ والإسكندرية وبورسعيد، والإعلان عن الرغبة في الاستقلال، وهو ما جرى في المحلة والسويس وبورسعيد والفيوم.

* ارتفاع أعداد المتوفين في الأحداث، سواء أثناء المظاهرات، أو بعدها نتيجة لتدهور حالة المصابين، وهو ما زاد ويزيد من حجم الغضب وتعميق التوتر العام وتنامي الإحساس المضاد من قطاعات عائلية وسياسية تجاه الرئيس وتكرار اتهام الإخوان باستهداف نشطاء والتورط في أعمال عنف ضدهم.

* حالة عدم الاستقرار والمواجهة المستمرة التي تورطت فيها الشرطة، أدت إلى نتيجتين، الأولى: هي عودة الحلول الأمنية لما لم تتمكن السياسة من أن تجد حلا له. والثانية هي احتمالات اقتراب جهاز الشرطة نفسه من «الانهيار» المماثل لما جرى في 28 يناير 2011، نتيجة لاستمرار الاحتجاجات منذ ما يزيد عن عشرة أيام، فضلا عن حالة التشتت التي تعاني منها الداخلية، بينما المظاهرات تتبعثر يوما تلو آخر في أماكن مختلفة.

في عمق المشهد، وليس خلفيته، يقبع الجيش، يعلن باستمرار أن ولاءه للشعب، ويكرر حرصه على تماسك وحداته، وأنه ليس في مواجهة مع الاحتجاجات أو المحتجين، وأنه لن يقوم بمهام الشرطة بل يحافظ على المرافق الحيوية.

وبينما هو في هذا التموضع كان أن فجر الفريق عبدالفتاح السيسي بتصريحه الأشهر عن احتمالات انهيار الدولة، فجر أجواء صاخبة حول الأزمة المصرية، إذ اعطى هذا التصريح لها زخمًا لم تكن قد تحصلته، وعلى الرغم من أنه تصريح تحذيري فإنه نقل الأزمة من صفاتها المحلية المسموعة إقليميا، إلى مستوى دولي مثير للجدل في نطاقي أوروبا والولايات المتحدة.

في سياق كل هذا وصلت الأزمة إلى نقطة لا يمكن أن تتراجع عنها، ويمكن أن تتطور بعدها، لكن هذا التطور المتوقع لن يؤدي إلى حسمها، لا لصالح الرئيس ولا لصالح مطالب الشارع، بل سيجعل من المشهد المصري «مراوحا لمكانه» فترة من الوقت.. للأسباب التالية:

- لا يبدي الرئيس أو جماعة الإخوان أي قدر من المرونة في اتجاه الاستجابة لمطالب جبهة الإنقاذ أو شعارات الشارع، وسقف المعارضة يصل إلى تعديل الدستور، وحكومة إنقاذ وطني، وضمانات الانتخابات المقبلة.. أما سقف الشارع فهو يصل إلى مرحلة «الشعب يريد إسقاط النظام».

- لا يمكن لجبهة الإنقاذ التراجع بأي خطوة نحو الوراء، فقد جربت بعض التراجع وأدى هذا إلى لوم عظيم، خاصة أن الشارع المصري الجديد يسبق الجبهة بمراحل ولديه عليها تحفظات متكررة.

- لا يريد الجيش أن يتقدم، أو يستجيب لمطالبات شعبية بأن يحاول إنهاء الموقف بتدخله، ولكنه في ذات الوقت يمارس ضغوطا واضحة على الأطراف بحيث تجد فرصة للتقارب.. والوصول إلى صيغة تبقي على الأوضاع مع إصلاح ما تهدم.

- الفئات المحتجة من الشارع ليس لديها أدنى رغبة في أن تتراجع للخلف، خاصة أنها بلا قيادة حقيقية، ولاسيما مع ارتفاع معدلات التعامل مع احتجاجها بقدر من العنف، وخصوصا مع زيادة ضغوط الأزمة الاقتصادية.

- الفئات المؤيدة للرئيس مرسي وجماعة الإخوان ليست لديها القدرة على أن تتقدم للأمام، لأن دخولها على الخط يضره أكثر مما يفيده..وفي كل مرة تلوح هذه النوايا فإن الجميع يحذر من احتمالات حرب أهلية.

عند هذه المرحلة بدأت المناقشات حول احتمالات اليوم التالي، ما الذي سوف يجري غدا، بافتراض بقاء الأوضاع على ما هي عليه، أو حدوث تغيير في منصب الرئيس، بأي صورة. وبقدر ما تفاجأ الجميع بأن الأزمة انفجرت بتلك الطريقة المدوية، فإنه لم يكن لدى الكافة تصور حول ما سوف تكون عليه الأمور وما هي البدائل.

وحتى يُكوّن الجميع تصورا لهذا المستقبل القريب، وبما في ذلك الإخوان، فإن الأزمة في مصر سوف تبقى ملتهبة ومتفجرة، تستهلك أوقات ومالا ونفوسا.. ليس لأن السياسيين والأطراف المختلفين لم يستقروا بعد على ما سوف يحدث بعد، ولكن لأن المجتمع نفسه لم يقرر ماذا يريد بعد أن أعلن رفضا حادا للإخوان؟.

لم تعد المشكلة الان في مصر: كيف سوف تمضي مراحل الأزمة؟ بل ما هي ترتيبات ما بعدها.. فقد انتقلت مصر عمليا الى مرحلة جديدة ليست كما قبلها.

 

التعليقات

برجاء تسجيل الدخول حتى تستطيع التعليق
عنوان التعليق
التعليق
  • سوف يحتاج التعليق إلى موافقة المحرر قبل نشره
  • Design and Development by Microtech