الاولى > الجيل المخدوع - بقلم : عبدالله كمال
5 فبراير 2013 3:29 م
-

المقال المنشور في مجلة (٧أيام)

بتاريخ ٥ فبراير ٢٠١٣

بقلم : عبدالله كمال

     رحم الله عمر سليمان، نائب الرئيس السابق حسني مبارك، كان رجلا وطنيا وداهية . لم يشأ أن يمنح مظاهرات واعتصام التحرير، التي طالبت بإسقاط النظام في فبراير ٢٠١١ ، وصفا يفرض علىه تبعات سياسية .. فلم يقل أنها «ثورة» ولم يطلق علىها وصف «انتفاضة» ،واختار أن يقول عنها : «مطالب الشباب» ..فهل إذا كان على قيد الحياه كان سوف يطلق وصفا مماثلا على مايحدث الآن؟


     كانت مبرراته مفهومة بحكم منصبه ومسؤولياته، لكن الوصف الذي أطلقه لم يخالف الحقيقة .. بل كان واقعيا جدا .. ففي عمق الموجة الثورية الأضخم في تاريخ مصر تجذرت مطالب فئات شبابية متنوعة .. طاردها خوف عظيم على المستقبل .. وشعرت أن نظام الحكم لم يعد قادرا على أن يُلبي طموحها .


      اختلفت - مثلي - مع هذا المنطق .. أو اتفقت وأيدت وكنت بين الثائرين .. ذلك لاينفي أن جيلا جديدا رأى أن ساعته قد حانت .. وأن نظام الحكم هو الذي يعطل عقارب زمنه . حقيقة الأمر أنه كان هناك فرق في الإيقاعات ..ولو أردت تشبيها لتقريب الصورة فإن الشباب كانوا يلهثون بسرعة إيقاع عقرب الثواني ..بينما الحكم يتميز بتؤده عقرب الساعات .. ورصانة الأجندات السنوية !

    ذات مرة قال الفنان الهولندي الأشهر (فينسنت وليم فان جوخ) : « لم أكن مغامرا باختياري ، ولكن هذا قدري» . نكون واقعيين أكثر إذا عدلنا هذه العبارة .. ذلك أن بعضنا يختار أن يكون مغامرا لكي يصنع قدره .
  

    وقد تكون هذه المغامرة إبحارا في أفق لانهائي للفن يجعل (فان جوخ) معلما للمدرسة ( الانطباعية الوحشية) .
 

     وقد تكون رحلة في قارب تعصف به الأمواج دون أن يصل إلى الشاطئ الآخر .. ويصبح من فيه ضحايا لمافيا تهريب البشر ..مثل آلاف من الشباب المصريين الذين حسمت مأساويات مائية مصير أحلامهم .

     وقد تكون المغامرة تآلفا بين مجموعات من الحالمين .. يجدون أنفسهم في التحليق داخل مدرجات كرة القدم .. والتوحد مع رفاق تربطهم وشائج لايعرف أحد كيف تتعمق .. وفجأة يصبح الحالمون متناحرين !
 

     أو أن يكون مشاركا في موجة ثورية، معتقدا أنه بمجرد أن تنفض المظاهرات في ميدان التحرير ..ستنطوي تلك الصفحة من تاريخ البلد .. وتتغير الحياة كلها .

    الحياه اختيارات، ومرة جديدة .. سواء اختلفت مع هذا - مثلي - أو اتفقت معه وكنت أيضا منه .. فإن صرخة يناير / فبراير ٢٠١١ كانت في حد ذاتها تمرد جيل على جيل .. ومطالبة بإحلال هذا مكان ذاك .. كان للشباب نداء .. فلما دارت الدائرة .. اكتشف أن شيئا لم يتغير .. وأن الشمس أشرقت على الأمس لا الغد .


      لقد تبرم الغاضبون في ٢٠١١ لأن الزمن كان  يراوح مكانه .. محلك سر .. وبدلا من أن يتقدم في ٢٠١٢ فإنه وصل إلى ٢٠١٣ كما لو أنه قد ركب قطارا سريعا في اتجاه الخلف .. يمضي بإقدام نحو الماضي السحيق .. سقوط بدلا من ارتفاع !
 

      عين المتابع لايمكن أن تغفل (المكون العمري) لمن التهبت الشوارع بغضبهم في عديد من المحافظات خلال الأيام الماضية .. الجيل التالي لجيل غضب في يناير ٢٠١١ .. من يمكن أن نطلق علىهم علميا وصف الشباب .. لكن المجتمع ينظر إليهم باعتبارهم (يافعين) .. كثيرون منهم تحت الثامنة عشرة .. كتلة جديدة في تكوين الإحباط المصري.

      ما الذي دفع هؤلاء لأن ينضموا إلى قافلة التبرم التي يمتد طولها في صحراء الغضب .. بحيث لم يعد يعرف لها أول من آخر ؟ ولماذا يتمكن التمرد وحده من أن يتجدد في مصر ويستقطب أجيالا أحدث في حين تعجز عن ذلك بقية الظواهر ؟
 

     لعلي لا أسبب صدمي حين أكرر تعريفي لما جرى في يناير ٢٠١١ بأنه (فعل ثوري) لم يرق إلى ثورة ، وإن كان حقق نتيجة ثورية لفصيل واحد هو الإخوان . هو (فعل ) لأنه لم يحرز نتائج (ثورة) في كل المجتمع .. وهو حقق نتيجة ثورية حين دخل خصم يوليو .. أي الدكتور محمد مرسي ليتصدر قصر حكم أسسته وصنعته ثوره ١٩٥٢ . هذا (الفعل الثوري) كانت نواته الضخمة غضبا عظيما .. وتداخلت فيه أطراف محلية وإقليمية ودولية .. كما أثبتت الأحداث .
 

     لكن الجيل الثائر أطلق علىها وصف (ثورة) ، وكان يهاجم بعنف من لايصفها بذلك .. ومازال بعضه يفعل .. في ذات الوقت كانت تقارير الصحافة الغربية وبيوت التفكير الأميركية تطلق على مجريات مصر وصف (انتفاضة) ، وأحيانا ( اضطرابات) ، وقليلا ماكانت تمنحه وصف (الثورة) .
 

     التعريف له تأثير بالغ ، فهو يحدد سقف الأحلام ومداها . انفجرت الأماني، وعانقت السحاب، لأن (الثورة) يفترض فيها أن تقلب كل شيء رأسا على عقب .. وأن تعيد بناء المجتمع . ولأن (الفعل الثوري) كان بلا قيادة .. تعددت آباؤه .. وتحكمت في مقدراته أطراف عديدة .. كل منهم أراد أن يذهب به إلى الاتجاه الذي يحقق أهدافه . وحين تتصارع الإرادات تكون النُصره لمن يملك الحنكة والقدرة والأدوات .. هؤلاء لم يكن بينهم من يمثل الشباب .
 

     في مناخ الانتشاء الثوري ، وتحت شعارات نبيلة واصل الشباب المطالبة بها ، تمكنت السياسة من أن تفرض إيقاعها، وأجندتها .. وبينما كانت الاجتماعات تعقد بحضور بعض ممثلي الشباب كان أن أصبحوا أدوات تستخدمها الأجيال الأقدم لتوظيف طاقتهم وحماسهم .. بينما الهدف الحقيقي هو أن يستمر مقود السياسة في قبضة الأجيال الأكبر سنا ..لقد مثل هذا (هزيمة عمرية)، بينما كان الأمل تحقيق انتصار لجيل أقل سنا .  


      الطعنة السياسية الأبرز تلقاها الشباب في انتخابات مجلس الشعب .. ومن ثم في انتخابات مجلس الشورى .. فالأعداد التي تمثلهم كانت محدودة .. والأسماء التي صنفت على أنها تعبر عنهم كانت في حدود الأربعين سنة .. وأغلبها رضخت لقواعد السياسة وضحت بكثير من المبادئ التي كانت تعلنها تأكيدا على انتمائها السابق للجيل الثائر .
  

      تجددت مياه البئر بمزيد من روافد الغضب، شعر الشباب أن البساط يسحب من تحته ، وأن ( الثورة) تضيع من بين يديه .. ولأسباب مختلفة - ليس هنا مجال شرحها - كان أن توجهت الطاقة المتوترة إلى مؤسسات الدولة التي اعتقد الشباب أنها تعوق طموحه .. ثم تركز في اتجاه المجلس العسكري . ولاينبغي أن نخجل من القول بأنه قد تم استغلال ضغط أحلام الشباب لاستنزاف قيادة الجيش باعتبارها هي أهم سبب في تعطيل تحقيق الأحلام .

     في هذا المناخ كان أن عرف الثائرون الشباب عنفا لم يعتادوه ، وتجلى ذلك في مشاهد غذت نفسها بتفاعلات في اتجاهين ، أثناء أحداث شارع محمد محمود المتكررة ، وخلال فعاليات كان يشهدها ميدان التحرير وتخرج عن قواعد السلمية المعروفة . لقد ترسخ يوما تلو آخر لدى الثائرين الشباب أن تخليهم عن (العنف الثوري المبرر) كان سببا أساسيا في عدم تحقيق أهدافهم .

     وجاءت صدمة جديدة للجيل الحالم ، حين لم يتمكن من أن يكون له مرشح حقيقي في الانتخابات الرئاسية .. إن حمدين صباحي الذي اعتبر ممثلا لقطاعات من الشباب قارب الستين .. وأبرز المتنافسين كانوا حول السبعين .. وفاز بها من لا يمكن تصنيفه على أنه ينتمي لهذا الجيل .. لا من حيث العمر ولا من حيث الأفكار .

       فاز الدكتور مرسي بالرئاسة بمساندة فئات عريضة من الشباب الثائر، الذي اعتقد أن هذا المرشح المعارض لنظام الحكم السابق سوف يكون أكثر إخلاصا لـ( الثورة) من مرشح يفترضون أنه خصم لها .. وثبت فيما بعد أن الرئيس المنتخب لم يكن يمثل أحدا سوى جماعته ..ولايعبر إلا عن الإخوان ..وليست لديه أجندة سوى تلك التي يريدها أهله وعشيرته .

      في الطريق إلى مشهد الدماء الذي صنعته فئات شباب يافعة جديدة في الذكرى الثانية لـ٢٥ يناير .. كان أن أضيف إلى بركان الإحباط عوامل وأسباب يمكن أن تفسر بعضا مما جرى .. والعنف الذي صارت علىه الأمور .. والغضب الهائل الذي يمكن لأصحابه أن يفعلوا أي شيء ردا لصاع خديعتهم .

      بإيقاع مدهش ، وبتأثير من ثورة الاتصالات والإنترنت، كان الجيل الثائر الذي صنع الموجه الأولى يورث أحلامه وإحباطاته لفئة عمرية جديدة .. تنضم يوما تلو آخر إلى سياق الأماني التي تعانق نفس السحاب .. وبطريقة سباق التتابع كان أن نحى الإحباط بعضا من الجيل الأول لصالح الشباب اليافع .. الذي اكتشف أن أماني من سبقه لم تتحقق بوسيلة سلمية فبدأ يفكر بطريقة مختلفة ..ويتصرف بطريقة غير معتادة .

      وبينما هذا يجري ، كان الإخوان يذهبون بعيدا يوما تلو آخر، بالأحلام الثورية وحادوا بها عن مسارها ويأخذونها اختطافا إلى طريق الإخوان والدولة الدينية ..في حين أن أساس الأماني التي تسلح بها هذا الجيل والجيل الذي تلاه هو الانتقال إلى دولة عصرية حديثة .. منفتحة .

      وتوازى مع هذا ضغوط الأزمة الاقتصادية التي أكدت للشباب الصاعد أنه لا أمل ..وأن الغد سيكون عصيبا .. والمستقبل مظلما .. بينما العائلات تصرخ .. والآباء يوجهون اللوم للأبناء الذين (قلبوا حال البلد) بدون أن تتحقق له فائدة .. ما يعني تحميل هؤلاء الشباب مسؤولية الفشل الذي تعانيه مصر الآن.. وهذا عامل مهم جدا ولا يمكن إغفاله، حيث الأسرة هي الميدان الأول للتباري بين الأجيال .

      حين خرج هذا الشباب ليتظاهر مطالبا بعصر جديد .. أراد أن يطمئن إلى الغد ، فازداد (اليوم التالي) غموضا وضبابية . وخطط لأن تحقق له (الثورة) انتقالة نوعية في مستوى الحياة .. فتراجعت المعيشة إلى درجه أدنى مما ثار ضده .. وكان يبحث عن (مشروع قومي) يلهمه ، وقد حول ( الحلم الثوري) إلى هذا المشروع القومي الذي يريده .. فكان أن تاه الحلم وانهار المشروع .. وتبخرت وسيلة الإلهام النفسي والمعنوي .

      تأكد الشباب أنه قد تم الالتفاف علىه، وتبين له أن علىه أن يعيد مناقشه ذاته ، لكي يجيب عن تساؤل مهم وجوهري : هل كان علىه أن ينفجر ثائرا قبل سنتين .. أم إنه كان يمكن أن يطور الحياة بوسائل ضغط أخرى ؟ هل يمكن أن يواجه حقيقة أن ماكان يثور ضده كان أفضل كثيرا مما صارت الأمور إليه ؟ تلك أسئلة لم يحن وقت إجابتها .. أو ربما وصل الشباب إلى إجابة لكنه قرر أن يحاول بطريقة أخرى لعله لايصل إلى نفس النتيجة .
 

      اليافعون الذين اكتشفوا الخديعة، والذين يتحملون بكتمان، وفي صمت ، مسؤولية أنهم سبب ماوصلت إليه ضفاف الوطن، الممتلئون بحمم بركان مائج ، ويريدون إثبات أنهم لم يفشلوا، ولم يكونوا سببا في الفشل، والراغبون في الثأر ممن اختطف منهم الأماني .. هؤلاء هم الذين يعبئون الشوارع الآن .. ولن يخلوها قريبا ..حتى إذا تصادف وهدأوا لبعض الوقت .

التعليقات

برجاء تسجيل الدخول حتى تستطيع التعليق
عنوان التعليق
التعليق
  • سوف يحتاج التعليق إلى موافقة المحرر قبل نشره
  • Design and Development by Microtech