الاولى > مرسي .. حكم ذو وجهين ..دوله علي مسارين ! بقلم عبدالله كمال
31 يناير 2013 7:10 ص
-

 

كتبت هذا المقال في ٢٠ يناير ٢٠١٣

" يتمتع الرئيس المصري بشرعيه قانونيه بإعتباره رئيسا منتخبا ، لكن أداءه يؤدي الي تراجع شرعيته الدينيه وتآكل شرعيته السياسيه "

بقلم :عبدالله كمال


         رداً علي الإنزعاج الامريكي ، قال الرئيس المصري محمد مرسي أن وصفه لليهود بأنهم "قرده وخنازير" قد أُقتطع من سياقه . لقد طالب مرسي في خطبة له عام ٢٠١٠ قبل أن يصبح رئيسا بأن يتم إرضاع الاطفال والأجيال الجديده (كراهية اليهود) . وفور تداول التقارير الإخباريه عن تسجيل فيديو تم إكتشافه للخطبه ، وزع مساعد الرئيس عصام الحداد بيانا باللغه الانجليزيه موجها للصحافه الغربيه يؤكد فيه علي "إحترام مرسي لكل الاديان" . في وقت لاحق ، قال الحداد في حوار لقناة الحياه المصريه : " الرئيس لم يتراجع عما قال بشأن اليهود ولكنه شرحه" . في هذه المره كان مساعد الرئيس يخاطب الجمهور المصري باللغه العربيه .

        لقد قال السيناتور جون ماكين للرئيس مرسي خلال لقائهما الآخير بالقاهره : " لغة الكراهيه لاتبني استراتيجيه" . ويمكن ان نضيف ان ازدواج اللغه السياسيه لايقود الي بناء المصداقيه . إن مرسي يحرص دائما علي أن يؤكد إحترامه لإتفاقية السلام المصريه - الاسرائيليه ، لكنه في ذات الوقت لايُضمن أيا من خطاباته الموجهه للرأي العام المصري كلمة ( إسرائيل) . وبينما هاجم اسرائيل بعنف في حرب غزه الاخيره ، فإنه وقع خطاباً بروتوكولياً موجها الي رئيس إسرائيل يخاطبه فيه ب(صديقي العظيم) ويتمني فيه لاسرائيل (رغد العيش) . وقد ناضلت الآله الاعلاميه لجماعة الاخوان حتي تؤكد لأنصارها أن الخطاب لايعبرعن المعاني التي تضمنها .

مرسي رابتا علي ظهر عبدالجليل الشرنوبي قبل ان يستقيل الشرنوبي من الجماعه

ولاتقتصر هذه اللغه المزدوجه علي ملف بعينه ، إنما هي منهج ثابت للرئيس والجماعه التي ينتمي اليها ، إعتقادا بأن هذا الازدواج يمكن ان يحقق توازناً بين مايلتزم به الرئيس تجاه مؤيديه -  وأغلبهم من المنتمين لجماعة الاخوان وحلفائها من الاحزاب الدينيه والجماعات المتطرفه - و ماتفرضه عليها إلتزامات الحكم داخليا وخارجيا . لايكاد يمر اسبوع بدون ان يواجه الرئيس إنتقاداً إعلامياً وسياسياً حادا ، علي أساس المقارنه بين تصريحاته السابقه وتصرفاته الحاليه . ويجد معارضوه في ذلك فرصه كبيره لإفقاده صدقيته ، في حين يرهق مؤيدوه في  تبرير مواقفه المتناقضه .

         هذه ليست لعبه مسليه ، بقدر ماتؤدي الي تآكل احد جوانب الشرعيه التي يستند اليها الرئيس مرسي . فالي جانب كونه (الرئيس المنتخب) ، يُنظر الي مرسي في الدوائر الغربيه علي انه يتمتع ب (شرعيه دينيه) قد تمكنه من إتخاذ قرارات (شجاعه) بدون ان يثير هذا حفيظة التيارات الدينيه التي تعارض هكذا قرارات ، لاسيما إذا كانت في إتجاه اسرائيل . يقول معارضوا مرسي إن كل ماوجهته جماعات الاخوان من إنتقادات الي حكم الرئيس السابق مبارك بشأن علاقاته مع اسرائيل والولايات المتحده قد قام به مرسي وزايد عليه . في هذا يركز الكثيرون علي رعاية مرسي لاتفاق هدنة ممتد لسنوات بين كل من حماس في غزه وإسرائيل ، وهو ماكان مبارك يحقق بعضه من حين لآخر .
 
        وتضع الدوائر الغربيه ، لاسيما الامريكيه ، آمالا كبيره ، علي أن يتيح إنتماء مرسي لاقدم وأكبر جماعه دينيه في منطقة الشرق الاوسط ، الوصول الي حلول إقليميه تشارك فيها جماعة الإخوان مباشرة او بالتأثير الضاغط علي حركة حماس في غزه او بتحفيز فرع الاخوان في سوريا . لكن تلك الدوائر لاتنتبه الي اعتبارات عقيديه تعطي بها الجماعه لنفسها الحق في (ازدواج اللغه) وتعدد الوجوه .

    وتؤمن الجماعات الدينيه المنخرطه في العمل السياسي بمبدأ ( التقيه) ، وهو يعني :( الحذر من إظهار مافي النفس من معتقد للغير ، والقبول بإظهار مواقف مؤقته خشية الضرر). لقد وظفت إتجاهات التطرف الديني هذا المبدأ الذي كان يُتبع في صدر الاسلام خوفا من اضطهاد غير المسلمين للمسلمين  ، بحيث جعلته مبرراً شرعيا للخداع السياسي .

    في مصر يتتبع الرأي العام المتحفز تناقض اللغه الحاليه للرئيس مرسي والإخوان مع التعهدات التي تم انتخابه علي أساسها ، ويسود إنطباع متزايد بان الرئيس لم يلتزم بها ، بل ويمارس نوعاً من الإلتفاف علي ناخبيه . كما إن الامر لم يعد يقتصر الان علي منهج ( إزدواج اللغه ) بل يمتد تدريجيا الي أن الرئيس يدير دوله وفقا لمنهج المسارين .. احدهما علني والآخر نصف خفي .

      لقد استنفذ المعارضون المصريون جهدهم  في حملة إنتقاد لحكومه ضعيفه عينها الرئيس مرسي ، بقياده رئيس وزراء ليست لديه خبرات سياسيه او اقتصاديه هو الدكتور هشام قنديل . ويواجه قنديل أمواجا من الهجوم العاتي نتيجه للازمه الاقتصاديه وفشل الاداره والخلل الامني الذي ادي الي ارتفاع معدلات العنف والجريمه . هذا هو المسار العلني .

   في جانب آخر ، يمضي الرئيس مرسي قدما نحو تكريس سلطاته ، وتعميق سيطرة جماعة الاخوان علي الحكم في مسار غير معلن بدأ بابعاد المجلس العسكري الاعلي بقيادة المشير طنطاوي ، ثم فرض الاعلان الدستوري المؤقت في ٢٢ نوفمبر الماضي ، الذي منح الرئيس سلطات لاتراجع من اية جهه.

    وبينما لم يعن مرسي بأن يدخل تعديلات جوهريه علي حكومته تؤدي الي امتصاص غضب الشارع ، ورفع مستوي الاداء ، بل ولم يهتم بإختيار مجموعه وزاريه اقتصاديه كفوءه ، فإنه بمسانده جماعة الاخوان مضي خطوات أخري في إتجاه المسار الثاني . هكذا مرر الدستور المصري الجديد المختلف عليه ، و حمي مجلس الشوري من أي طعن دستوري ، ولم يقبل ملاحظات المعارضه علي قانون الانتخابات .

       وبدلا من تطوير أداء مؤسسات الدوله ، إتجهت جماعة الاخوان -  باستخدام صلاحيات الرئيس - الي إختلاق مواقع وكيانات موازيه تقوم هي تدريجيا بعمل تلك المؤسسات . في عديد من المحافظات عين الرئيس نوابا للمحافظين موالين له ومنحهم صلاحيات تتخطي صلاحيات المحافظين . مايدفع الي التساؤل اذا كان من حق الرئيس ان يعين المحافظين فلماذا يحرك من خلفهم نوابا ؟ في ذات الوقت يسود توترا في وزارة الخارجيه التي تراجع دورها بينما يتقلص دور وزيرها لصالح مساعد الرئيس عصام الحداد .

       وربما يري المراقب من بعيد ان هذه محاوله من الرئيس للسيطره علي ادواته في مواجهه مقاومه بيروقراطيه يقول الاخوان انهم يعانون منها داخل المؤسسات التي ترفض التعاون معهم . لكن هذا يثبت أن الرئيس لايملك رؤيه لتطوير الامكانيات القائمه ، مايؤدي الي اهدار قدرات متاحه . كما يؤكد ان الجماعه تفتقد الي القدره علي تحديث المؤسسات التي تري ان الجماعه تريد (أخونه) الدوله لاتطويرها .

    إستخدام اللغتين ، والعمل علي مسارين ، يُفقد الرئيس بمضي الوقت الثقه التي حصل عليها لكونه (الرئيس المنتخب) .. وكما أنتخب باغلبيه علي الحافه (٥١،٣٪)  فإنه يظل علي الحافه . ومثلما يهدر المنهج الاول مصداقيته فان المنهج الثاني يؤكد عدم الشفافيه في اداء الحكم . ويؤدي هذا الي إتساع الهوه بينه وبين معارضيه ، مايعمق الازمه السياسيه التي لم يكن من المتوقع ان تكون بهذا الحجم في بدايه حكم (رئيس منتخب) .

     إن الرئيس مرسي يتمتع بالشرعيه القانونيه ، لكن اداءه خلال الاشهر الثمانيه الماضيه ادي الي تراجع (شرعيته الدينيه) ، ويقلص يوما تلو آخر ( شرعيته السياسيه) .
  

التعليقات

برجاء تسجيل الدخول حتى تستطيع التعليق
عنوان التعليق
التعليق
  • سوف يحتاج التعليق إلى موافقة المحرر قبل نشره
  • Design and Development by Microtech