بالمصرى > (الكريز) الثائر ....بقلم : عبدالله كمال
22 يناير 2013 6:27 ص
-


الطبقه (المستريحه) .. لماذا قادت وستقود .. التغيير في مصر ؟!

بقلم : عبدالله كمال

المقال المنشور في العدد الاول من مجلة (٧ أيام) ٢٢ يناير ٢٠١٣



      تقبل مني هذه الحقيقه : ليس أقل من نصف الذين تظاهرو يوم ٢٥ يناير ٢٠١١ كان لديهم قناة إتصال (مباشرة)  مع نُخبة الحكم . بعضهم كان يمكنه أن يجري إتصالا بالقصر الجمهوري . كان فيهم : أبناء وزراء سابقين .. وقاده عسكريين متقاعدين .. ومنتمين لعائلات البيزنس المعروفه . أحدهم كان زميلا لجمال مبارك في المدرسه الإبتدائيه ..وهو صاحب شركة (سوفت وير) معروفه !

       راجع معي هذا التحليل : في نوفمبر ٢٠١٢ .. أي بعد ٢٣ شهراً .. خرجت مظاهرات شعبيه ضد الرئيس (الموصوف) بالمنتخب .. د.محمد مرسي . كانت تنطلق من عدة مناطق ارتكاز في إتجاه القصر الجمهوري . لاحظ : مظاهرة تبدأ من أمام مسجد (رابعه العدويه) .. تتحرك في إتجاه شارع الطيران .. ومنه الي شارع العروبه .. ثم الي شارع الميرغني . تضم في بدايتها ألف متظاهر .. وحين تصل القصر الجمهوري فإنها تكون قد تضخمت  الي قرابة عشرين ألف متظاهر . الذين إنضموا إليها هم اولئك الذين يعيشون في تلك المناطق المميزه إجتماعيا .

     من هؤلاء ؟ إنهم أبناء الفئه (العليا) من الطبقه الوسطي . دور الطبقه الوسطي في تغيير مصر خلال العامين الماضيين صار معروفا . (الوسطي) هي عماد المجتمع .. هي الموقع الطبقي الذي تنضوي فيه الاغلبيه . مساحه إجتماعيه عريضه تضم فئات مختلفه . أسفلها فئه تقاوم ان تسقط الي الطبقه الفقيره . أعلاها فئه تمتعت بتميز خاص وتريد ان تنضم الي طبقة الأغنياء . هذه الفئه (الوسطي العليا) لم تظهر من قبل في تفاعلات مصر السياسيه بصوره واضحه . خصوصا في الستين عاما الاخيره .. لكنها تحولت الي فئه قائده خلال العامين الآخيرين .

     وقد تسألني .. او تستفسر : من أقصد تحديدا بهذه الفئه العليا من الطبقه الوسطي ؟ فأشرح نفسي كما يلي :

     الاسره التي يكون الاب او الام فيها .. او كلاهما .. له موقع وظيفي مستقر في شركه متعدده الجنسيات .. او مؤسسه دوليه .. او كيان استثماري معروف ..مايضمن لهم دخل ثابت مرتفع نسبيا.

      الأسره التي تكد لكي يتعلم ابنائها في مدارس خاصه راقيه .وقد تعاني بعض الشيء في دفع الاقساط ..وتفكر مرتين في تكرار الانجاب حتي تضمن الوفاء بتكاليف هذا النوع من التعليم .

     الاسره التي تملك شقه متميزه في حي راق .. لم تمتلك فيلا بعد .. تحاول ان تمتلك .. وفي بيتها تجد جهاز تلفزيون وريسفر فضائي في كل غرفه .. ولديها شاليه صغير في الساحل الشمالي اواي ساحل آخر.
 
      الاسره التي تسافر الي الخارج مره واحده علي الاقل في السنه .. او يتاح لعائلها الاول ان يتجول اقليميا لاسباب تتعلق بمهام عمله وموقعه الوظيفي .

      الاسره التي تمتلك اكثر من سياره ..ولدي اغلب افرادها اجهزه (لاب توب) او (أي باد) .. ويتواصلون مع العالم .. كل منهم ..بأكثر من موبايل ذكي .

      الاسره التي لديها قدر معقول من المدخرات .. وتعاملت في البورصه .. واشترت الاسهم والسندات .. ويمكن ان تتسوق بعض اليسير من (الماركات العالميه) .

       الاسره التي تتواجد في بيتها خادمه اسيويه او افريقيه واحده علي الاقل .. وتقدم الرعايه الصحيه لاطفالها عند طبيب خاص .. ويمكنها ان تستغني عن جرعات التطعيم في الوحدات الصحيه المجانيه.

      للاسف لايمكن ان تتوافر احصائيات توثق حجم هذه الفئه العليا في الطبقه الوسطي .. او مؤشرات دقيقه تعبر عنها .. لكننا نعرف انها موجوده .. وتعبر عن واقع اجتماعي وثقافي واقتصادي . إنهم  شبه المرفهين ..(الكريز) الذي لم ينضم بعد الي (الطبقه الماسيه) !

      في ايام الاحتشاد عند قصر الاتحاديه ، حيث عبرت الطبقه الوسطي  - باجمالها - عن غضب إحتجاجي عارم ..وقع عنف مريع . المفترض ان الفئه الاميل للمرفهين تتجنب مثل تلك المشاهد ، لكن هذا لم يحدث . أحد ابرز الذين تعرضوا للتعذيب علي باب القصر الجمهوري من قبضات الاخوان هو المهندس (مينا فيليب) المدير في شركة اورانج للاتصالات . شركة مرموقه ولابد انها تنقد رجلا في خبرته وعمره راتبا مريحا .

        في يوم ٢٨ يناير كان عددا كبيرا جدا من الذين يعملون في شركات مقراتها الفخيمه داخل القريه الذكيه قد شاركوا في (جمعة الغضب) .. بعضهم قال لي أن سبب إحتجاجه الاول هو ان الدوله قطعت خدمات الاتصالات !

        لن أقبل بتفسير احد اكبر مديري تلك الشركات . قال لي : غضبوا حين فتحوا اجهزه الكومبيوتر ووجدوها صماء بدون انترنت .. وموبايلاتهم لاتنطق بامر الحكومه . قال : فيهم من تضايق لأنه لم يتمكن من ان يقضي بعض ساعات يوم أجازته وهو يستمتع باللعبه التي يهواها . لابد ان هناك تفسير أعمق من ذلك .

        مهندسون ، من تخصصات مميزه ، محاسبون تلقوا تدريبات راقيه ، إداريون يخوضون غمار التنافس بشهادات متعدده .. حققوا تقدمهم في المجتمع عبر مهنيتهم .. صناعة الاتصالات انضجت وضعهم الطبقي . إستفادوا من احد اهم انجازات عصر مبارك حين طور هذا القطاع بدءا من عام ٢٠٠٠ . قيامه بهذا التطوير لايعطيه الحق في أن يقرر في لحظه ضرب الصناعه من المنبع . تقييد حريتها . الاعتقاد ان حصارها سوف يؤدي الي وأد الاحتجاجات . حين تعطلت الاتصالات .. ضربت الحكومه صناعه لها إقتصاد وقيم .. أضافت فريقا جديدا الي فيض من الغاضبين كانوا قد وفدوا الي الميدان .

      في ماذا يشترك هؤلاء مع غيرهم من ابناء الفئه العليا في الطبقه الوسطي ؟ لماذا إنخرطوا في صفوف المحتجين فيما مضي ؟ ولماذا اعتقد انهم سيكونوا في مقدمه الاحتجاجات التاليه ؟

      شعار ٢٥ يناير كان : ( عيش . حريه . عداله إجتماعيه) . هذه الفئه كان لديها شعار مواز : (بلدنا يستحق ماهو أفضل) . خبرتهم وتواصلهم وتعليمهم واسفارهم وتعاملاتهم جعلتهم اكثر قدره من غيرهم في الطبقه الوسطي علي ان يتعرفوا علي العالم . رأوا الحضاره . تذوقوا التقدم . عرفوا كيف تكون المدنيه . سافروا . من لم يسافر من اجل رحله سياحيه في تركيا او دبي .. إنطلق الي مختلف بلدان اوربا .. سواء لتدريب في شركه يعمل فيها .. او رحله تسويق .. او ماشابه . لم يعرفوا العالم عن طريق الانترنت .. مثل غالبية ابناء الطبقه الوسطي .وجودهم في شركات دوليه اثبت لهم انه يمكن ان يكون بلدهم افضل . قارن هذا بين امكانياته وخبرات مديره . نظر ذاك الي زميله . تسائل : اذا كانوا لايتميزون عني .. إذا كنت اتفوق عليهم احيانا : لماذا لايكون بلدنا مثل بلدانهم ؟

       هل إقتراب هذه الفئه العليا من نخبة الحكم بصورة او أخري جعل ابنائها يدركون حقائق الامور ؟ هل ادركوا انه يمكن لهم تحقيق تميز شخصي ووطني إذا تبدلت الاوضاع ؟ هل وجدوا ان ضروره التغيير تفرض عليهم ان يشاركوا ؟ قد تكون تلك هي بعض الاسباب .. لكن المؤكد ان مشاركتهم كانت هي التي اضفت قيمة جديده علي سمة الحداثه في ( الانتفاضه الثوريه) .

         شعار ٢٥ يناير لم يتضمن عبارة (حداثه) . لكنها قامت - ضمن ماقامت له - علي (الحداثه) ومن اجلها . الشوارع إحتشدت علميا بسبب صفحات علي الانترنت . التواصل بين المشاركين كان عبر (الفيس بوك) .. التأجيج جري عبر موقع (تويتر) . السلطه حين قاومت الغضب كان ان قامت بخطوه ضد هذه (الحداثه) . قطعت الاتصالات . عطلت الانترنت . نقلت البلد من عصر الي عصر في لحظه . مضمون الانتفاضه هو النداء بدوله مختلفه .. عصريه .. عادله .. اكثر ديموقراطيه .. إنسانيه .. يمكن فيها لهذه الفئه العليا أن تتمكن من ارتقاء افضل .. ان تنتقل الي الطبقه الاكثر ثراءا .. ان تتنافس في مناخ حر .. ان يتحول المهنيون الي اصحاب أعمال .

        لماذا اذن لم يشارك اغلب الاغنياء في الانتفاضه ؟ لم يشجعوها بداية علي الاقل ؟ المنطق يقول ان مصالحهم مستقره .. علاقاتهم راسخه .. نفوذهم لايتيح لاحد ان يسبب لهم مشكلات تتعلق بالكرامه .. إحتمالات التغيير تتضمن غموضا داخله مخاطر .. النداءات الاجتماعيه للانتفاضه قد يكونوا اول من يدفع استحقاقتها .. عدم الاستقرار سوف يمس مكاسبهم اولا .. خصوصا مع احتمالات شيوع الجريمه .. كما جري بالضبط .

      الطبقه الوسطي مبرراتها معروفه ، اصبحت كلها تقريبا مهدده .. اوضاعها في ٢٠١١ افضل كثيرا .. وكثيرا جدا .. مماكانت عليه الامور في ١٩٨١ .. ولكنها لاتضمن ماذا سوف يحدث غدا .. اصبحت مرهقه .. تعاني اضعافا لكي تحافظ علي مكانتها .. رب الاسره يعمل في وظيفتين ..حتي بعد ان احيل للتقاعد المبكر .. ابنه لايجد وظيفه .. عاطل لايثق في قدراته .. إعتقدوا ان التغيير سوف يطور حياتهم بشكل افضل .. أن الغد سيحمل الامل .. حتي لو كان في تلك الطبقه فئات عديده ليست في حالة خصومه حاده مع الرئيس مبارك نفسه .. الا انهم اعتراهم قلق كبير بشأن اليوم التالي .. ماذا سيجري غدا .. ماذا سوف يحدث أذا رحل الرئيس ؟

        الفئه العليا من الطبقه الوسطي كان لديها ولم يزل مطالب اجتماعيه وسياسيه وثقافيه .. وحضاريه عموما  .. اكثر من غيرها .. ولهذا هي حتي الان اكثر قلقا من غيرها .. اكثر توترا .. لاسباب كثيره .

     نداء الحداثه الذي رفعته .. انقلب الي وضع مآساوي متخلف .. يهدد بتقهقر حضاري .. مصر لن تذهب الي القرن ال٢١ بل ستعود الي القرن السابع .

     الدوله المدنيه التي ارادتها .. تكتسي كل يوم بأغطيه سوداء ..ومشروع متطرف قاهر ..وطغيان يشرع وجوده بتفسيره الخاطيء للدين .
 
       التقدم الذي اشرأبت اعناقها من اجله .. اصبح ركوبا في آله الزمن .. بالعكس .. والي الوراء ..وبدلا من ان تكون مصر شبيه بكوريا الجنوبيه او تركيا فإنها تركب الجمال نحو افغانستان .

       الحريه التي تريدها .. اصبحت رقابه وقيودا وضغوطا .. ومن لم تهنه الشرطه في عصر سابق ، عذبته ميليشات التطرف علي باب قصر الحكم في عصر لاحق.  

       الوطن الافضل الذي يستحق ان يكون اسمه مصر .. مهدد بان يكون الوطن الاسوأ والافشل .. لا أمن .. لا إستقرار .. لا إقتصاد .. لا أي شيء ..سوي الوعد بالنعيم في عالم آخر .

      داخل هذه الفئه الاجتماعيه رغبه في ان تعيش داخل مجتمع تتمناه .. يمكنها ان تهاجر .. لكنها مرتبطه الي حد بعيد ولاسباب مختلفه .. وطنيه وعائليه وماليه .. مرتبطه ببلدها .. ولايمكنها ان تغادره .. وفي الاغلب الاعم لاتريد ان تتركه .. ذلك ان انتمائها الاصلي للطبقه الوسطي .. صعدت اجتماعيا عصاميا .. من مرحله الي اخري .. فوق جهد الافراد ومثابرتهم .. وليس لانها تنتمي وراثيا الي تلك العائله او غيرها. هي اذن تريد ان يكون التطوير حيث تعيش .. في مصر ،وليس غيرها .

      خلال العامين الماضيين استشعرت هذه الفئه قلقا إضافيا متزايدا .. باعتبارها طليعه اجتماعيه وإقتصاديه كان ان ادركت حقائق الامور .. التغيير الذي خرجت من اجله مع بقيه الطبقه الوسطي لم يؤد الي المأمول .. هي التي استشرفت مبكرا اوضاع الاقتصاد .. هي التي لمست كيف تفر الشركات من مصر .. وهي التي رصدت كيف يهاجر الجيران الاقباط من البلد .. هي التي روعها اولا الخطاب الديني المتطرف ..وافزعها قبل غيرها الصوره المخيفه التي تطرحها نخبة الحكم الجديده بعد يوليو ٢٠١١ .

      للمفارقه .. كانت هذه الفئه الاجتماعيه هي التي تم استهدافها من الجماعات الدينيه قبل سنوات .. بدءا من ظهور الداعيه عمرو خالد في الساحه المصريه .. وإنتشار داعيات صالونات البيوت .. وربما كان هذا الخطاب الديني الملتف في صياغات جديده هو الذي جعل قطاعات من تلك الفئه تتقبل فكره ان جماعة الاخوان ليست شرا .. وليست تطرفا .. وربما كان هذا التمهيد الديني هو الذي ادي الي قبولها بفكره ان نظام الحكم السابق شخص الاخوان ك(فزاعه) للاخافه .. وتكون الانطباع بانهم ليسوا كذلك .

   المفارقه الاضافيه ان هذه الفئه الاجتماعيه تتميز بقدرتها علي تنويع المصادر .. امامها فرص مختلفه للمعرفه .. يمكنها ان تنظم في البيوت جلسات الدعايه الدينيه .. ولكن يمكنها ايضا ان تطالع ببساطه حقائق الحياه بعيدا عن هذا التثقيف الديني الترفيهي .. وعائها قادر علي ان يستوعب .. ان يقيم .. ان يتصفح .. ان يري .. ان يشاهد .. ان يعمل العقل . هذا متاح لبقيه فئات الطبقه الوسطي ولكن ليس بنفس القدر .. ربما لانها منشغله اكثر بمزيد من الجهد للحفاظ علي (لقمة العيش) .

      رويدا .. رويدا .. تكشفت الحقائق . تجلت شمس المتغيرات بعد فبراير ٢٠١١ وطوال العامين الماضيين .  تراجع ضغط العمل مع انكماش الاقتصاد .. فاعطت الفئه العليا من الطبقه الوسطي تركيزا اكبر من عقلها لما يدور حولها . بدأت تتمتع بمستوي اعلي من التسييس ..مثل بقيه فئات الطبقه الوسطي .. اندمجت في النقاشات .. تخلت عن عيوب ثقافتها الشفويه نوعا ما .. قرأت .. قارنت .. ضاهت الاقوال بالافعال .. تبين لها ان هناك خطر حقيقي علي المجتمع الذي لابد ان تواصل العيش فيه ..ولايمكنها ، او لاتريد ، ان تغادره .

      إن (الثوريه) ، وفقا لمقاربات نظريه مختلفه ، سمه تتعلق بطبقات العمال او الفقراء او الطلاب .. لكن متغيرات مصر اضافت في الفتره من يناير ٢٠١١ وحتي الان انه يمكن لتلك (الثوريه) ان تكون من خصائص فئه اجتماعيه اكثر تميزا .. معاناتها الاجتماعيه اقل كثيرا من غيرها .. تحررها من القيود الاقتصاديه يؤدي بها الي جساره غير مفترضه فيها .. ومن ثم فإن التوقع هو ان تلك الفئه سوف تظل مناديه بالتغيير .. وستكون هي الطليعه الاجتماعيه التي تقود خلفها بقيه الطبقه الوسطي للدفاع عن مصالحها . كل بدوافعه وكل باسبابه وكل من اجل منافع محدده . تعددت الاسباب لكن الاحتجاج سيكون واحدا !

التعليقات

برجاء تسجيل الدخول حتى تستطيع التعليق
عنوان التعليق
التعليق
  • سوف يحتاج التعليق إلى موافقة المحرر قبل نشره
  • Design and Development by Microtech