بالمصرى > أسطورة الرئيس المنتخب - بقلم :عبدالله كمال
10 ديسمبر 2012 2:27 ص
-

أسطورة (الرئيس المنتخب) !
بقلم :عبدالله كمال


       تردد أصوات جماعة الاخوان ، وحواريوها ، عبارة (شرعية الرئيس المنتخب) في وجه الإحتجاجات العارمه التي تجتاح مصر من الجنوب الي الشمال ، رفضاً لكل مايمثله الرئيس مرسي .. سواء كان إعلاناً دستورياً أو قراراً بالاستفتاء علي الدستور او الجماعه التي ينتمي اليها . يسعي هذا الترديد الي الدفاع عما تبقي لدي الجماعة في قصر (الاتحاديه) امام رغبة أعلنتها المظاهرات المتواليه متجسدة في هتاف (إرحل) .



      ويعبر هذا الترديد - اي شرعية الرئيس المنتخب - عن التعقيد الذي بلغته الازمه السياسيه المائجه في مصر ، حتي بعد عمليه ( القص ولصق) الدستوريه التي تمت يوم السبت بعد حوار اجراه الرئيس مع حلفائه فيما وصف بانه سعي لانهاء الازمه .. ففي يوم الجمعه الماضي كان ان اجتاحت المظاهرات كل المحافظات المصريه ، ولم يمنع تواجد قوات الحرس الجمهوري حول قصر الاتحاديه مئات الالاف من المحتجين من ان يبيتوا ليلتهم هناك ..بعد ان فتح الطريق لهم ، لان قوات الحرس الجمهوري  لاتريد مواجهه مع كل تلك الاعداد من المواطنين .

 

       في مساء ذلك اليوم ، كان ان اصبح الرئيس الذي دعا لحوار لم يستجب له المعارضون الاساسيون في مفترق طرق .. فإما تراجع عن قرارته كما تطلب (جبهه الانقاذ) وفقد هيبته .. وإما ترك موقعه كما تطالب المظاهرات التي تسبق الجميع في مطالبها .. او كما فعل ، ووصل الي حل غير مرضي لاي ممن احتجوا عليه واعتبروه التفافا علي المطالب العامه .

       من جانب الاخوان  يرغب هذا الترديد في  محو الصوره المطبوعه في ذهنية المزاج الثوري المصري ، التي تربط مابين نداء (الشعب يريد اسقاط النظام ) في ٢٥ يناير ٢٠١١ ، وبين المشهد الحالي الذي بلغ ذروته الثانيه - اذ تنتظره ذري اخري -  في مظاهرات الجمعه ٧ ديسمبر ٢٠١٢ ، ويطالب فيه المتظاهرون بان يترك الدكتور مرسي موقعه بعد خمسة اشهر من انتخابه . لقد وصل الامر حد ان قال احد المتحدثين باسم الاخوان : "النظام لم يبن بعد لكي يسقط ".. دون ان يدري انه بذلك يشير الي رأس نظام ليس من تحته نظام !

   إن من المثير في الامر هو بروز تناقض بين اصرار الاخوان علي حماية (شرعية الرئيس المنتخب) بصوره تعبر عن مخاوف حقيقيه في معسكر الاسلام السياسي من خوض اي انتخابات جديده ، وبين اصرارهم في ذات الوقت علي الذهاب الي صناديق الاستفتاء علي الدستور الذي لاتقبل به المعارضه ، كما لو انهم متأكدون تمام التأكد من ان عملية تمريره سوف تحظي باجماع مهول !

       واقع الامر ان قواعد الديموقراطيات تفرض ان تتم عملية  ابعاد السياسين عن مناصبهم التي انتخبوا من اجلها بنفس الطريقه التي وصلوا بها اليها ، اي عن طريق صندوق الاقتراع وليس عن طريق المظاهرات الغاضبه .. إن هذا هو مايعرف باسم ( تداول السلطه) .. وهو بالطبع كنهه العمليه الديموقراطيه حين تكون لها مصداقيه معترف بها من قبل الذين ذهبوا الي الصناديق وادلوا بارائهم وقبلوا بالنتائج .. الا انه حين يكون الرئيس الذي اكتسب صفة (المنتخب ) قد خالف عهوداً تفرضها عليه تلك الصفه فانه لايكون من حقه او حق انصاره إبراز قاعدة ( الرئيس المنتخب) في وجه من يعلنون غضبهم العارم ضده . في هذا السياق يتابع المشاهدون المصريون مقاطع فيديو اعدها اعلاميون محترفون او هواه ترصد توثيقا تصريحات الرئيس التي ناقضها ولم يف بها في مناسبات مختلفه .

   لقد قالت وزيرة الخارجيه الامريكيه ، في تعليقاتها الشحيحه والنادره علي الازمه المصريه  :" ان الديموقراطيه ليس انتخابات لمره واحده فقط .. كما انها قد تبدأ بانتخابات ولاتنتهي عندها " .. فيما بدا كما لو انه تذكير لجماعة الاخوان بما عرف عنها وحاولت ان تنفيه سنوات بانها انما تستغل الديموقراطيه لكي تصل الي الحكم ثم لاتتركه بعد ذلك ابدا ولاتجري اي انتخابات حره اخري .

       وبخلاف الاخلال بالتعهدات الانتخابيه ، وهي بمثابه تعاقد بين المرشح وناخبيه لايجوز الخروج عنه .. فإن  الدكتور محمد مرسي بنفسه ، ولا احد غيره ، انتهك المنظومه القانونيه التي بنيت عليها شرعيته ، بدءا من نكوصه عن القسم الذي تلاه رسميا وعلنا امام المحكمه الدستوريه ، وصولا الي اهدار اهم المبادئ القانونيه المقره حين حصن قراراته من ان يتم الطعن عليها ، حاجبا عن تسعين مليون مصري حقهم في ان يقاضوا من يحكمهم .

      من هذه الزاويه القانونيه ، المهدره ، ومن لحظه ان حاول الدكتور مرسي ان يعيد مجلس الشعب الذي صدر حكما ببطلانه دستوريا ، وإنه اظهر تعسفا يصل الي حد ضرب الحائط بكل قاعده ، وبما في ذلك محاولته ان يزيح النائب العام من موقعه التفافا مره وقسرا مره ، ثم بلوغه محاوله ازاحة المؤسسه القضائيه برمتها من طريق سلطاته عبر الاعلان الدستوري الذي اصدره في ٢٢ نوفمبر الماضي .. والذي كان سببا جوهريا في انفجار الاحتجاجات العارمه ذات المزاج الثوري غير المقيد .

      وبغض النظر عن ان الدكتور مرسي لم يبال ، لاهو ولا منظومته القانونيه ، بالطعون الحقيقيه في نزاهة الانتخابات التي ادت به (رئيسا منتخبا) ، لاسيما بعد ان تكاسل وزير العدل المصري عن ان يعين قاضيا للتحقيق في تلك الطعون بناء علي طلب النائب العام المقال قسرا المستشار عبدالمجيد محمود - وقد يكون طلبه هذا هو السبب الاخير في قائمة اسباب إقالته - فإن تلك اللامبالاه لاتنف ان قطاعا عريضا في مصر يتسائل حقا عما جري في الانتخابات ..ويبحث عن اجابات شافيه .. سواء كان مؤيدا للمنافس الخاسر احمد شفيق ..او ليس كذلك .

       لم تعرف مصر رئيسا يقوض شرعيته بهذه الطريقه وتلك التصرفات المتتابعه من الدكتور محمد مرسي ، بل ان الواقع التاريخي يؤكد ان كل منهم كان يعمد الي ترسيخ شرعيته باساليب مختلفه بعد وصوله للحكم .. سواء عن طريق تعضيدها السياسي والاجتماعي او بالتزام صارم بالاجراءات القانونيه .. وفي اللحظه التي كان هذا الحاكم او ذاك يتجه الي مخالفه علنيه وصريحه وجوهريه للقانون فان خكمه كان يسقط .. كما جري بالتحديد في نهايه عصر الرئيس الراحل انور السادات .

   ذهب الرئيس مرسي الي سدة الحكم باغلبيه متضعضعه ، اذ لم ينل - وفقا لما هو معلن رسميا - اكثر من ٥١،٧٪ .. ولم يكن هذا بامر معتاد في مصر .. التي كان يحصل فيها الرؤساء عاده علي مواقعهم عبر انتخابات معيبه بما قد يفوق ال٩٠٪ . هذا الفارق  ، مع وجود شكوك في نتيجه الانتخابات ، وفي ظل توجسات مجتمعيه كبيره جدا من طريقه حكم الاخوان ، مثل صدمه .. كان علي الرئيس ان يمتصها بمزيد من توحيد الصف واعلاء الاعتبار لكل من منحه صوته او لم يمنحه اياه .. لكن الرئيس رسخ نفسه يوما تلو آخر ممثلا لجماعه ، تابعا للاخوان ، فنزع هو عن نفسه (شرعية الرئيس المنتخب) ..تلك التي يسعي مناصروه الي ان ينبهوا الناس لوجودها الان .

   لقد استخف الرئيس ، ومن خلفه جماعة الاخوان ، بالقلق الشديد من تكرار اصراره علي مخاطبه شعبه من المساجد نافيا وجود الاقباط ، ومن حديثه عن اهله وعشيرته .. غير منصت الي صوت الشارع الغاضب الذي عبر مرارا عن انزعاجه من حصر الرئيس لنفسه في مجموعات من مؤيديه لايخطب الا فيها .. وصولا الي موجه عاتيه من لهاث الاخوان نحو (اخونه الدوله) وتوزيع المناصب بين قيادات الجماعه ، بما اعطي شعورا عاما كما لو ان هناك غنيمه .. وانه لانصيب لغيرهم فيها .

      في غضون الاشهر الخمس الماضيه كان ان علق في عنق الرئيس مجموعه متواليه من الانتكاسات التي اثبتت عدم قدره من جانبه علي الوفاء بتعهداته ، كما حدث في نهايه المائه يوم الاولي من حكمه .. ورصد المصريون التفافا علي المطالب العامه بالتوافق فيما يخص عمليه اعداد الدستور .. واصرار من الرئيس علي الوفاء في كل خطواته لتحالفه الديني الواسع مع اعضاء الجماعات الاسلاميه المختلفه .. وتزامن هذا مع صعود الاهتمام بالوضع الامني المتدهور في سيناء .. فضلا عن القلق الكبير من قرارات الافراج التي وقعها الرئيس واطلقت سراح عدد كبير ممن يعتقد كثير من المصريين انهم ارهابيين اعن فسهم انهم تعرضوا لظلم من النظام السابق .

   ومن الناحيه السياسيه كذلك  ، عادي الرئىس علنا ، وليس من الممكن ان نقول انه فقط اختصم ، المحكمه الدستوريه ، تلك التي حلف يمينه الرسميه امامها .. واندفع الحزب الذي كان رئيسه يعضد موادا دستوريه تسحب من صلاحياتها وتقوض سلطاتها . كما ذهب نحو معاداه مماثله للقضاه ، الذين وجدوا ان مايفعله الرئيس من خلال اعلان ٢٢ نوفمبر تعديا صارخا وغير مسبوق علي استقلال القضاء .. مادفعه ولاول مره في تاريخ القضاء المصري الي تعليق العمل في كافه محاكم مصر . إن صداما بهذا الحجم وذلك النوع لم يحدث من قبل بين رئيس وسلطه القضاء ، وهو من الخطوره بحيث انه يهدم شرعيه الرئيس سواء كان منتخبا او تم الاستفتاء عليه .. علما بان اللحمه الاساسيه في قلب الاحتجاجات المصريه الحاليه تعود الي موقف القضاه وفي مقدمتهم نادي قضاه مصر .

   لقد اوصل المواطنون المحتجون في خضم التظاهرات المتبادله للرئيس مرسي عديد من المعاني رد علي تصرفاته التي وجدوا انها تطيح بصفه ( الرئيس المنتخب) .. وكمثال فانه اذا كان قد سكت ولم يتخذ اي اجراء لعمليه محاصرة المحكمه الدستوريه بكل هيبتها ومكانتها وبحيث لم تعد قادره علي ان تقوم بعملها .. فان الجماهير الغاضبه حاصرت قصر الحكم ودونت الشعارات الانتقاديه العنيفه علي جدرانه . واذا كان حزب الرئيس يستدع له انصاره من مختلف المحافظات ليخطب فيهم ، فان مخالفوا وقفوا ببابه لعله يخرج ليخطب فيهم باعتبارهم ايضا مواطنين مصريين .. لكنه غادر القصر في موكب متعجل . واذا كان مناصروه قد احتشدوا من اجل التمسك بالشرعيه والشريعه كما قالت مظاهرة يوم السبت الشهيره .. فان مخالفيه ذهبوا للاحتشاد مرات - لامره واحده - هاتفين ( الشعب يريد اسقاط النظام) . واذا كان يصر علي ان يوظف المسجد في ان يروج لنفسه باعتباره (مؤمن ملتزم) فانه قد سمع انتقاده بنفسه من الممصلين في مسجد الشربتلي الي جانب بيته في منطقه التجمع الخامس قبل ايام ..وهتف المصلون (باطل) !

    في حواره الاخير مع قناة (سي بي سي) انتقد الكاتب محمد حسنين هيكل ، رغبه المظاهرات في ان تدفع الرئيس المنتخب الي ترك موقعه ، قائلا ان الشرعيه تسقط بالجرائم لا الاخطاء .. ومذكرا المصريين بانهم هتفوا برحيل خمس حكومات ورئيسا ومجلس عسكري في سنتين .. مستنكرا ان يكون هذا الهدف الدائم وانه لابد من نهايه له . وقد يبدو لهذا المعني وجاهته .. الا ان تقييم المظاهرات المصريه لما فعله الرئيس منذ طلق اعلان ٢٢ نوفمبر لم يندرج تحت بند الاخطاء .. اذا كانوا قد ادرجوا كل مااغضبهم به قبل ذلك تحت هذا البند .

           ولعل النقطه الاهم التي لابد من التعمق فيها في مشاعر المظاهرات وشعاراتها هو انه لم تعد تتوافر الثقه في ان الرئيس المنتخب سوف يضمن تداولا حقيقيا وديموقراطيا للسلطه .. اذ نجحت جماعة الاخوان في وقت وجيز في ان تؤكد للرأي العام انها تتشبث بالسلطه ليس دفاعا عن اللحظه الحاليه وانما لانها تريد ان تحكم قبضتها علي مصر دون افلات ..ولهذا امسكت قطاعات عريضه من المصريين  في خناق ( شرعية الرئيس) .

التعليقات

برجاء تسجيل الدخول حتى تستطيع التعليق
عنوان التعليق
التعليق
  • سوف يحتاج التعليق إلى موافقة المحرر قبل نشره
  • Design and Development by Microtech