الاولى > الخطه الذكيه لتعويم القوي المدنيه المصريه
13 نوفمبر 2012 9:34 ص
-



 بقلم :عبدالله كمال

       بعد عامين ، من ثورة يناير ، وبضعة اشهر من وصول اول رئيس اخواني الي صدارة حكم مصر ، تجد القوي المدنيه المصريه نفسها غير قادره علي ان تعبر  من مضيق يبقيها في بحيره مغلقه .. لاهي تتمكن من الإبحار بعيداً .. ولاهي تستطيع أن تنمي نفسها وتصل الي الأداء السياسي الذي يمكنها من أن تُصبح رقماً مؤثرا في مستقبل البلد . في ذات الوقت الذي تسيطر فيه نوعيا القوي الدينيه علي الساحه .. حيث هي بدورها غير قادره علي ان تلبي الإحتياجات العامه لمجتمع متنوع .. وتجسد يوما تلوآخر العجز عن الإنجاز ..وتنحبس كذلك خلف مضيق ايديولوجي لايتيح لها بنيويا وعقيديا ان تكون مؤهله لتحقيق الإنتقال الذي تريده مصر .
 
 
          إن ثبات هذا الوضع المكبل في قيود العجز لايحقق مصلحة المجتمع ، ويقود يوماً تلو آخر إلي سيناريو مخيف .. اذ مع تضخم الازمه الاقتصاديه وتعقيدات الازمه السياسيه وإلحاح متطلبات الفئات المصريه المختلفه .. يترسخ عجز الدوله عن ان تحقق الحد الأدني من الأهداف .. سواء قدرتها علي حمايه الأمن القومي وتوفير القدر المطلوب من الاستقرار .. او من حيث تمكنها من تلبيه الاحتياجات اليوميه البسيطه للشعب .
 
 
        في وضع مثل هذا تشرأب الاعناق ،التي تقاوم الغرق ، بحثاً عن قوي يمكن ان تقود البلد وتلق لها بطوق الانقاذ .. فلاتجد أي بديل قادر .. لا الحكم الإخواني يطرح بديلاً يؤكد إمكانيته ويتجاوز مطامعه الخاصه .. ولا القوي المدنيه في ظل تشرذمها والحصار الديني الذي تواجهه تستطيع ان تكون مقنعه . إن هذا هو مايفرض بقوه احتمالات شيوع الفوضي ..لان قياده الفعل شاغره .. والمعادله تضم عناصر ناقصه  وعاجزه .. كل منها لايمكنه اتمام التفاعل .. في الوقت الذي تضغط فيه إلحاحات إجتماعيه وسياسيه واقتصاديه وأمنيه  متنوعه ، لايمكن تجاهلها او تأجيلها او حتي جدولتها وتعديل اولويتها .
 
 
       القوي الدينيه ، بحسبانها تحكم البلد ، ممثله في جماعة الاخوان ، يتعزز يوماً تلو آخر تشخيص عجزها البنيوي ، من حيث عوامل كثيره ، تسارعت الاحداث لكي تثبتها :
 
      أولا: افتقادها للقدره علي إدارة الدوله .. وعجزها عن توفير الكوادر التي يمكنها أن تلبي المتطلبات اليوميه أو الحد الأدني من الخبره المطلوبه .. فضلا عن حالة تنافر بين مؤسسات الدوله وبين الكوادر المتاحه تجعل من الصعوبه أن تتمكن الاداره الحاليه من تطويع البيروقراطيه التي ترسخت لديها قناعه ان الاداره إنما تريد ان تطيح بمصالحها لا إصلاحها وانها تسعي الي تحقيق مصالح اخري ذات طبيعه خاصه.
 
      ثانيا : حصارها الذاتي لنفسها في إلتزامات أيديولوجيه لها تبعات محليه واقليميه ودوليه .. وإفتقاد مشروعها للقدره علي التوائم مع البيئه المحيطه ..قانونيا اوسياسيا .. لاهي قادره علي أن تتبع الخطوات التي كانت تدار وفق قواعدها الدوله ..ولاهي يمكنها أن تطرح بديلاً  ثورياً ..ولاهي تستطيع أن تطبق مشروعها ..حيث عمليا لايوجد مشروع حقيقي ..وإنما خواء كامل. كمثال ظاهر يمكن مراجعه ابعاد العجز الكامل في مواجهة المأزق الاقتصادي المتضخم يوميا.
 
       ثالثا :ان قيادة الدوله الحاليه لديها التزامات توجبها (تحالفات تنافسيه) مرتبطه بها مع مجموعات من القوي الدينيه المختلفه في صدارتها التيارات السلفيه .. فهي من جانب مدينه لها إنتخابيا وجماهيريا وتستخدمها كادوات في الصراع السياسي في مواجهة القوي المدنيه ..وهي من جانب آخر تخشاها لان لها طبيعه توسعيه ويمكن ان تنافسها علي القياده وتطرح نفسها بديلا لها .وهذا هو الحال المعقد بين الاخوان والتيارات السلفيه .
 
     رابعا:ارتباط القياده الحاليه للدوله ، اي الاخوان ، بمشروع اقليمي واسع النطاق ومتعدد الأهداف ..يتعثر يوماً تلو آخر ..في الوقت الذي يضع عليها إلتزامات لاتستطيع الفكاك منها .. وتعتقد ان في احتمالات نجاحه مايمكن ان يعينها في مشروعها المحلي .. فلاهذا ساعد ذاك ..ولاذاك حرر هذا من قيوده .
 
      خامسا: الحاله التنافسيه الداخليه فيما بين مقومات التنظيم الاخواني .. سواء علي مستوي التطلعات الشخصيه التي اسفرت عنها المساعي لنيل مكاسب من كعكه السلطه او علي مستوي التنافرات مابين إتجاهات أيديولجيه مخالفه في التنظيم الواحد .
 



      في المقابل ، فإن مؤسسات الدوله لايمكنها ان توفر بديلاً  قادراً علي ان يقود المجتمع في مرحله تحوله مابعد ثورة ٢٥ يناير والواقع الذي بلغته الحاله المصريه الان .. خصوصا المؤسسه العسكريه التي تتطلع اليها الانظار دائما ..لعدة اسباب :
 
 
      اولا : أن مؤسسات الدوله تعاني من حاله إهتراء عامه ، تسببت فيها تراكمات السنين عموما ، ونتائج الهجوم الثوري الضاري عليها خلال العامين الماضيين  خصوصا .
 
     ثانيا : تعيش هذه المؤسسات حالة تيه مابين قناعتها المستقره وقواعد تعاملها الراسخه علي مدي سنوات والاجنده التي تتبناها الاداره الحاليه للدوله .. فلاهي قادره علي تطبيق ماتؤمن به وتدربت عليه ..ولاهي يمكنها ان تحدث نفسها وتلبي المتغيرات .. ولاهي تقتنع بامكانيه تلبيه متطلبات الاجنده الاخوانيه التي تجد انها تناقض مصفوفه مصالح الدوله المعروفه .
 
     ثالثا : افتقاد تلك المؤسسات حاليا الي قيادات قادره علي احداث التحول او تحقيق التحدي .. في ظل عمليه انتقال مابين الاجيال التي كانت تديرها .. وكانت تعاني من تكلس كان هو احد اسباب الثوره .. والأجيال التي وجدت ان عليها ان تدير المؤسسات حاليا ..صدرت لها قرارات تعيين من القياده الاخوانيه للدوله .. وتجد ان عليها واجب الحفاظ علي الكيانات - وفق متطلبات الحد الادني - وان الاولويه الان ليست هي التحديث والانطلاق الي افق ابعد .
 
     رابعا : الالتزامات الدوليه لتلك المؤسسات ..خصوصا القوات المسلحه تجاه الولايات المتحده .. مما يجعلها تفكر مرات قبل ان تتخذ اجراءاً يؤدي الي افقادها مصالح متنوعه تؤثر علي كيانات المؤسسات .
 
      خامسا: الإرث غير المشجع الذي تركته إدارة المجلس الاعلي للقوات المسلحه للفتره الانتقاليه ، وهو يحتاج الي وقت قبل ان يتم تغيير الانطباعات العامه عنه وعن تأثيراته السلبيه المتنوعه ..وهي انطباعات تركت آثاراً في نفوس مختلف الفئات الاجتماعيه .
 
      علي الجانب الثالث تعاني القوي المدنيه من تشرذم حاد ، وتواجه حربا ضروسا علي مصداقيتها المجتمعيه من التيارات الدينيه .. وفي ذات الوقت الذي تتحمل فيه بنواقص مختلفه تعوق تقدمها .. فانها تبقي القوي الاصلح لان تقوم بقياده المجتمع . ان هذا التناقض مابين القدره والعجز هو - للمفارقه - الذي يحمل في طياته امكانيه ان يكون الرهان علي تلك القوي الاقرب لانقاذ البلد من خيار الفوضي الذي يلوح احتماله بقوه .
 
    ان تشرذمها لاينفي انها غير مقيده ايديولجيا باستحقاقات تتناقض مع مصالح مستقره للدوله المصريه .. كما ان تعدد قياداتها ومنابرها لاينفي انها تتبني المشروع المدني القادر علي استيعاب تنوع المجتمع المصري ، الذي لايصطدم بالاقليات كما لايؤمن بقناعات ضد المرأه .. وهي في ذات الوقت الاكثر قدره علي ان تعبر عن تطلعات الشباب والاجيال الجديده التي سعت الي التغيير من خلال الفعل الثوري في ٢٥ يناير .. وهي ايضا لديها امكانيه ان تتقارب مع القوي التقليديه التي كانت الظهير الاجتماعي والسياسي للنظام المصري السابق .. وفق مانلحظ في محاولات الاحزاب الجديده استقطاب الاصوات الانتخابيه والكوادر القياديه للحزب الوطني السابق ..وفضلا عن كل هذا فانها الاصلح لان تبني الجسور المتجدده مع الحضاره الغربيه والقوي العالميه التي تتزايد توجساتها من تيارات الاسلام السياسي يوما تلو آخر ..علي الرغم من انها ساهمت في صعوده .
 
 
      لكن القوي المدنيه تحتاج الي مجموعه من الخطوات الخلاقه التي تحقق لها تموضعا محليا ودوليا يقودها الي القدره علي الفعل وان تمثل بديلا غير عاجز ، مايستلزم جهدا لابد ان يبذل مبكراً وقبل ان تتطور الاوضاع في مصر الي ماهو أسوأ حيث سوف تتحول البيئه العامه الي واقع لايمكن ان يوفر فرص اعاده البناء السياسي لاي فاعل :
 
١- مواجهه عملية التشويه العقيديه التي تقوم بها التيارات المتطرفه للمشروع المدني بصوره فعاله .. تقوم علي تاكيد عدم التناقض مابين قيم المشروع المدني والثقافه الدينيه العامه في المجتمع المصري .. وبما في ذلك ان تلجأ رموز التيار المدني الي التعبير عن ايمانها علنا ..بدون ان يتحول هذا الي نفاق دعائي .
 
٢- اذا كانت جماعة الاخوان قد قدمت نفسها بديلا معتدلا للاسلام السياسي ، في مواجهه عناصر التطرف الديني الاشد ..سلفيا أوسلفيا جهاديا .. فان هذا الموقع ينبغي ان يكون لقوي الاعتدال المدنيه .. ليس لكي تكون مشروعا جديدا للاسلام السياسي ..وانما لكي تكون بديلا وسطيا .. يقدم خيارات وبدائل العصر التي لاتتناقض مع الدين .. ويرتبط بهذا ان تعود جماعه الاخوان الي حيث تنتمي حقا .. اي في معسكر التطرف الديني ..خصوصا وانها هي نفسها لم تستطع ان تتخلي عن التزامات ايديولوجيه محدده ..واصرت علي الوفاء باستحققات التحالف مع التيارات المتطرفه بدلا من ان تمثل طرفا مواجها لها .
 
٣- الاستناد الي المؤسستين الدينيتين ، الازهر والكنيسه ، باعتبارهما التعبير الاعرق والاصدق والاوسط عن الخلفيه الثقافيه المصريه الدينيه ، في ذات الوقت الذي لابد فيه ان تمتد الجسور مع الاتجاهات الصوفيه المعبره عن هذه الثقافه بصوره او اخري .. وهجر كل انواع الخطاب التي تتناقض مع هذا . علما بان المؤسستين وتلك الاتجاهات تمثل ظهيرا اجتماعيا واسعا وتمثل كلها مرجعيات معنويه - اقوي في تأثيرها من غيرها - لفئات اجتماعيه عديده.
 
٤- مراجعة الخطاب الاجتماعي والسياسي ، وطرح حلول واضحه ، تلتزم الوسطيه الاقتصاديه ،وتكون اقرب الي الرأسماليه الاجتماعيه ، مع توفير اجابات صريحه لالبس فيها للاسئله الاقتصاديه ، وبما يحقق توافقا بين المصالح الاجتماعيه العامه وقدره الطبقه الرأسماليه علي الحركه الاستثماريه والسياسيه .
 
 ٥- تقليص حاله التشرذم السياسي بين منابر المشروع المدني ، والاتجاه الي تحقيق اندماجات .. عابره للاطماع الشخصيه .. تتجاوز التنافس الضيق والاقصاء العقيم .. وبما يكون قادرا بصراحه علي تحقيق مصالحه بين القوي التقليديه والاجيال الثائره لانه لافوز لاي منهما بعيدا عن الاخر .
 
٦- وقف الحملات التي تشنها منابر في المشروع المدني علي مؤسسات الدوله ، وتحييدها علي الاقل ، مع طرح بدائل
للاصلاح لاتقوم علي الهدم وانما علي تطوير البناء

التعليقات

برجاء تسجيل الدخول حتى تستطيع التعليق
عنوان التعليق
التعليق
  • سوف يحتاج التعليق إلى موافقة المحرر قبل نشره
  • Design and Development by Microtech