‫التحليل السياسي‬ > امسيات النار ..والميليشيات الغامضه في القاهره
12 أكتوبر 2011 4:03 ص
-

 

بقلم : عبدالله كمال

في وقت متأخر من ليلة «الأحد - الاثنين» الماضية، وقبيل نحو ساعة من إعلان حظر تجول مؤقت في منطقة وسط البلد في القاهرة، بعدما جرى في منطقة ماسبيرو ، كان أن توافد عشرات من الأشخاص «المجهولين» ..عراة الصدور..الذين كتب بعضهم على بطونهم عبارة «إسلامية» ..قاطعين الطريق نحو ميدان التحرير عبر شارع قصر العيني، بقصد الاشتباك مع «المبعثرين» في الميدان، وبينهم عدد ممن شاركوا في مسيرة شبرا التي تحولت إلى مشهد دامٍ انتهى بسقوط ٢٦ شهيدا كلهم أقباط إلا واحد مسلم.

 كان الجيش قد أغلق السبل إلى الميدان ، وقطع الطرق المؤدية إليه من نواحٍ مختلفة، بينما استعادت لجان شعبية دورا كانت تقوم به في «يناير ـ فبراير» ..وبدأت في التصدي لهؤلاء المجهولين الذين تسلح بعضهم بـ «سافرويا»- سكين طويل وأقل طولا من سيف - وحمل غالبيتهم عصيًّا أزيد قليلا من نصف متر طولا، ويبدو من تشابهها أنها قد وزعت علىهم أو أنهم جهزوها في مكان واحد، تمكنت اللجان الشعبية من حماية مداخل الشوارع والبيوت، وأدى هذا التآلف الضمني بين الجيش واللجان إلى وأد مقوم عنف جديد كان سيضيف زيتًا ليوقد مزيدًا من النيران المشتعلة بالفعل في أطراف أخرى من الميدان .

قبيل ذلك بنحو الساعات الأربع، كانت عناصر مماثلة ، غير معلومة الهوية والتنظيم ، قد خرجت من شوارع منطقتي السبتية وبولاق أبوالعلا ، جنوب منطقة ماسبيرو، في اتجاه التعامل بالطوب والعصي مع مسيرة شبرا التي ضمت في غالبيتها عناصر من الشباب القبطي وكان يتصدرها قساوسة بعضهم جاء من أسوان ، تحتج على عملية هدم كنيسة غير مرخصة في منطقة الماريناب على بُعد أكثر من ألف كيلو متر من مسار المظاهرة .

في لحاء المسيرة القبطية كانت هناك عناصر من حركه ٦ أبريل والحركات الاحتجاجية الثورية الذين استعادوا دورا كانوا قد قاموا به من قبل في مظاهرة قبطية هائلة في شبرا أيضا احتجاجا على الإرهاب الذي ضرب كنيسة القديسين في الإسكندريه ليلة الأول من يناير الماضي .

 في يوم ٥ يناير الماضي وصف بطريرك الكرازة المرقسية قداسة البابا شنودة تطور التظاهر القبطي ـ وقتها ـ في حديث له مع التليفزيون المصري على أنه نتج عن «عناصر مندسة بين الأقباط»، وفي ظهيرة يوم الاثنين أول من أمس كرر قداسة البابا شنودة نفس النهج واتهم «عناصر مندسة» بين الأقباط بأنها السبب في الإيهام بأن المتظاهرين الأقباط قد هاجموا الجيش، فتعامل معهم .



ثلاثة عناصر لابد من الانتباه إلى وجودها الفاعل والعلني في مكونات المشهد ، بخلاف العناصر الخفية التي يتهمها الجميع بالتحريض ..خصوصا رئيس الوزراء عصام شرف وفق بيانه في وقت متأخر من يوم الأحد بعد تصاعد الموقعة وامتلاء أَسِرة المستشفيات بالمصابين وازدحام المشارح بجثامين الضحايا التي كان بعضها أشلاء :

* الحركات الاحتجاجية التي تمثل «٦ أبريل» قوامها الأساسي، وحظيت بجاذبية متزايدة بين شباب متنوع ..لدرجة تجعلها تنافس الأحزاب وقوى سياسية عريقة ..على الرغم من أنها كيان غير محدد المعالم وغير معروف القيادة وتعاني من انشطارات تنظيمية ..فإنها ـ بأجنحتها المختلفة ـ تملك القدرة على التحريض والحشد الملوس .

* الاحتجاجيون الأقباط ..وتمثلهم فئة متنامية من الشباب ، وفيهم من هو منضم بالفعل إلى أنشطة حركة مثل ٦ أبريل، ومنهم من تشارك فيما يعرف بائتلافات الثورة والأحزاب المدنية الجديدة، وقد اتسع نطاق تأثير خطاب أقباط المهجر بينهم ..وهم يجسدون ما تعانيه سلطة الكنيسة التي كانت مسيطرة روحيا على شعبها .. إذ لم تعد كما كانت ..وتواجه رغبات الجيل الجديد في الإفلات من التزامات التحرك السياسي للكنيسة، ورغبات رجال دين من بين كيانها في أن يبرزوا على الساحة في لحظات السيولة ،ورغبات قيادات دينية في أن يقدموا أنفسهم كمرشحين محتملين في لحظات الانتقال الممتدة ..بينما الجميع يتابع تراجع الحالة الصحية لقداسة البابا شنودة.

* الفئات العنيفة من الأحياء الشعبية والعشوائيات الفقيرة ، هؤلاء الذين يمثلون امتدادا مستجدا للبلطجية المحترفين ، وتضم عناصر عاطلة عن العمل ، احترفت الإجرام بعد انفلات الأمن ، وتضع في يدها سلاحا أبيض أو عصيًّا وأحيانا أسلحة مصنعة يدويا وبعض الطبنجات التي تحصلوا علىها من الأقسام في لحظات الفوضى العصيبة يوم ٢٨ يناير ..وما بعد ذلك .

الفئة الأخيرة هي معضلة مصر الآن ، فهي قوة غير معلومة الأبعاد ، تطل فجأة برأسها في أي من لحظات العنف والسخونة في مناطق مختلفة، وأحيانا تُستخدم ..وأحيانا تُستدعى .. من قبل أطراف غير معلومة.

وفي يوليو الماضي ظهروا بقدرة غريبة في الشوارع المحيطة بوزارة الداخلية وهاجموا الجميع ..بما في ذلك عناصر الشرطة وأسر الشهداء والمحتشدين خلفهم من الحركات الاحتجاجية .


إن الجديد هنا ، ليس في من يطلق علىهم وصف البلطجية ، فالأخيرون معروفون نوعا ، ومسجلون في دفاتر الشرطة يحملون صفة الخطر ، وإنما في أن الساحة شهدت مع تفاعلاتها المتنوعة اجتذاب عدد كبير من الشباب العاطل وتقريبا غير المتعلم إلى ميدان الإجرام ..بعد تعثر الاقتصاد، وانكشاف الأمن، .وسيادة مناخ من التثوير والتحريض.

فإما أن هؤلاء الذين لا يفعلون شيئا يتكسبون من الجريمة، خصوصا منذ ظهروا في مشاهد التعدي على المحال والمولات التجارية في يناير- فبراير الماضي .. أو أن هناك من يدفع بهم إلى ساحات السخونة السياسية والطائفية ..كما جرى في مشهد ماسبيرو المؤلم والحزين.

لقد عاشت القاهرة ليالي عنيفة متنوعة خلال الأشهر الأخيرة كان فيها هؤلاء عنصرا مشتركا ..يظهرون فجأة.. يقومون بما يريدون وبما تمثله قناعاتهم التي لا يمكن الإمساك بها ..وأحيانا يتم توظيفهم ..في ذات البقاع التي يكون فيها الآخرون حاضرين ..فيختلط الحابل بالنابل ولا تعرف أين تقع المسؤولية ..ومن هو الذي جاء بهذا ومن الذي دفع ذاك .. أم أن العنف نشأ نتيجة للمناخ الملتهب .

ليلة «إطفيح».. حين حرقت كنيسة قال البعض إنها غير مرخصة ..كانت من هذا النوع ..وليلة الفتنة الطائفية في إمبابة حين سرت شائعة بشأن اختفاء فتاة مسيحية أسلمت في كنيسة ..كانت من هذا النوع ..وليلة اقتحام السفارة الإسرائيلية شهدت ظهور فئات من هذا النوع ..وليلة التعدي على وزارة الداخلية في يوليو الماضي ..كانت من هذا النوع .. وليلة الهجوم على متظاهري ٦ أبريل في ميدان العباسية ..كانت من هذا النوع ..وليلة ماسبيرو كانت هي المجسدة الأهم لهذا النوع من الأحداث ..التي يختلط فيها الحابل بالنابل .

هذه الأمسيات العنيفة ، أو ليالي النار ، تعكس أكثر من ظاهرة في مصر التي تلت يناير :

هناك قوى غير مرئية، تُستدعى عمدا أو بالتحريض ، إلى الساحات ، من أجل تصفية الحسابات السياسية ..حيث كل يغني على ليلاه ..ويريد أن يتموضع بطريقة تحفظ له كيانه ومصالحه ..بعد أن تمزق العقد الاجتماعي وبينما المجتمع بصدد كتابة عقد جديد سوف يحتاج جهدا مهولا من التفاوض .

* أهم وأخطر تلك اللحظات التي تظهر فيها تلك القوى غير المرئية هي اللحظات الطائفية ..حيث يمتلئ المنتمون لميليشيات غامضة وغير محددة برسالة دينية ويصبح لإجرامهم وفق قناعاتهم معنى ..ويتحولون إلى تقمص دور الأبطال .

* غالبا ما تكون تلك الأمسيات آتية بعد أيام من تصعيد حاد ، وتسخين إعلامي مهول ، وفي أعقاب مطالبات سياسية، لاتجد استجابة .. أو قرب لحظات مفصلية سوف يتحدد عندها الكثير .. على سبيل المثال فإن ليلة ماسبيرو سبقت فتح باب الترشيح للانتخابات بثلاثة أيام، كما تلت مطالبات مختلفة بأن يعود الجيش إلى ثكناته .

* تعكس هذه الأمسيات أن هناك قدرا من اليتم يعاني منه «قوى العنف» التي كان يستخدمها بعض السياسيين فيما سبق ..ومن ثم فإنها فيما يبدو مستعدة لأن تقدم نفسها لمن يمكن أن يتولاها بسبل مختلفة .

* تستدعي هذه الأمسيات في بعض الأحيان قوى غير مسيسة إلى ساحة السياسة لكي تقوم بدور سياسي عنيف، كما فعلت مجموعات الألتراس ـ مشجعو فرق الكرة ـ الذين انخرطوا في حالة عداء مع وزارة الداخلية المصرية قبل ما يزيد على شهر .

* إن الساحة المصرية فيها قدر مهول من المال غير معلوم المصدر وقدر مهول من الأسلحة غير محددة المنبع وغير قانونية الاستخدام .

* إن أطراف الصراع السياسي حين لا تريد أن تتواجه مباشرة ، فإنها تتيح مناخا يؤدي إلى ظهور تلك القوى العنيفة الغامضة .

* إن تلك الأمسيات تُستخدم في محاولة ترسيخ قواعد ومصالح المتفاعلىن على الساحة المصرية ..سواء عن طريق الاستخدام السياسي والإعلامي التالي للنتائج ..أو عن طريق تخسير هذا الطرف أو ذاك عبر حملات التشويه الإعلامي المتبادلة .

* إن هذه الأمسيات الحزينة والنارية غالبا ما تؤدي إلى تغيير في الأولويات وتعديل في أجندات التحرك العامة.. أو فتح مجال لنقاشات جديدة ..على سبيل المثال فإن الحوار كان يدور بين المتفاعلىن قبل ماسبيرو حول ما تضمنه الاتفاق الموقع بين ممثلي الجيش وممثلي الأحزاب السياسية يوم السبت قبل الماضي ..وأدى إلى تراجع أحزاب عن توقيعها، وإلى انشقاقات في بعض الأحزاب الأخرى ..ثم تطور الأمر بعد ماسبيرو إلى حديث عن أمور ذات أبعاد طائفية وتحقيقات قانونية حول طبيعة ما جرى .

الذي لا شك فيه أن القوات المسلحة كانت مستهدفة في هذا المشهد الأخير ، ولابد أن كثيرا من المتابعين قد تربص بهم خوفا من أن يكون هذا مقدمة لحملة تشويه تحول «الجيش» من مؤسسة موثوق فيها من كل فئات الشعب ، إلى مؤسسة تعاني من السمعة التي لحقت بمؤسسة الشرطة وأدت إلى غضب المصريين الذي تجسد في أيام يناير .

  بيان المجلس الأعلى تعامل مع الموقف الأخير بهدوء وتريث لافت للغاية . قدم التعازي للضحايا . كلف الحكومة بتشكيل لجنة تقصي حقائق . اعتبر أن المقصود هو أركان الدولة . أعلن أنه مستمر في مسؤولياته حتى يسلمها لسلطة مدنية منتخبة ..ما يعني أنه وجد في المشهد ما يشير إلى الرغبة في دفعه لأن يترك تلك المسؤولية وأن يؤجل الانتخابات .

  والمؤكد أن الجميع قد لاحظ أن ذلك المشهد المتأجج قد تلي حفاوة بالغة وجدها الجيش من الرأي العام في احتفالات حرب أكتوبر هذا العام ..على غير وتيرة الاحتفالات في أعوام سابقة .. والمؤكد أيضا أنه بخلاف عدم الانجراف إلى التوتر الذي كان الجيش يدفع إليه دفعا فإن الكنيسة قد ساعدت القوات المسلحة في لملمة المشهد الحاد والمؤلم حين قال البابا إنه كان بين المتظاهرين الأقباط مندسون ..كما أن البيان المتحفظ الذي صدر عن البيت الأبيض بعد مشهد ماسبيرو سحب من بعض القوى تخفزها لأن تواصل الهجوم على القوات المسلحة .

  لقد حظي الجيش بمزيد من التأييد في غضون الأسابيع الثلاثة الأخيرة ، تلك التي بدأت بعد أن أدلى المشير حسين طنطاوي بشهادته في قضية محاكمة مبارك ..ثم تلتها مجموعة من المشاهد المؤثرة وذات الدلالة :

* مشهد المشير طنطاوي ببذلته المدنية في وسط المدينة، حيث لقي حفاوة من المواطنين ، وجد فيها البعض تلميحا إلى إمكانية أن يترشح في الاننتخابات الرئاسية.
* مشهد المشير طنطاوي وهو يفتتح عددا من المشروعات التنموية في الفيوم، حيث قال إن شهادته في قضية مبارك كانت لوجه الله ومن أجل الحق .
* مشهد المشير طنطاوي وهو يفتتح مشروعات تنموية أخرى في محافظة المنيا ..لمناسبة احتفالات أكتوبر وإلى جانبه رئيس الوزراء.
* مشهد الطائرات العسكرية تشق عنان سماء القاهرة مثيرة لأحاسيس مهيبة وجد فيها بعض السياسيين أنها تمثل تخويفا لا تعبيرا عن الاحتفال .
مشهد الجمهور وهو يحتشد متسلما لهدايا الجيش في ميدان التحرير وغيره من المناطق احتفالا بذكرى نصر أكتوبر .

حاليا ، وبعد ليلتين من التوتر ، وبينما عادت الحركة في ماسبيرو تقريبا إلى طبيعتها ، وفي حين بدأت النيابة تحقيقاتها فيما جرى ، فإن هذا لا يعني أن القاهرة لن ترى أمسيات  متوترة مماثلة في الأيام التالية ..ذلك أن المناخ معبأ .. والإعلام يعيش أجواءً ساخنة ..والقوى السياسية مقبلة على انتخابات ..وغالبية هذه القوى ليست متأكدة من عمقها الشعبي ..وكثير يحاول البحث عن ظهير في الشارع يساند خطابه السياسي دون جدوى ..والأهم أن القوى تعرف أنها سوف تظل في حالة تفاوض معقدة وحادة علنية وخفية إلى نهاية العام المقبل تقريبا ..مع توافر عنصر التفاؤل .
كاتب سياسي مصري

التعليقات

برجاء تسجيل الدخول حتى تستطيع التعليق
عنوان التعليق
التعليق
  • سوف يحتاج التعليق إلى موافقة المحرر قبل نشره
  • Design and Development by Microtech