قرأت لك > الاخوان الجامحون ..كيف يصبح المواطن أخا؟
8 سبتمبر 2011 1:08 م
-

 

«الإخوان المسلمون» الجَمُوحُون: فرصٌ قاتمةٌ لمصر ليبرالية

إيريك تراغر
 فورين آفيرز , 25 آب/أغسطس 2011

عدد أيلول/سبتمبر – تشرين الأول/أكتوبر

كان المتظاهرون الذين قادوا ثورة مصر في كانون الثاني/يناير الماضي ضد حسني مبارك، شباناً ليبراليين ومدونين ونشطاء على مواقع التواصل الإجتماعية الـ "فيسبوك" و"تويتر" وكذلك مدير تنفيذي في "جوجل"، وائل غنيم، البالغ من العمر 30 عاماً والذي بعد أن اعتقله جهاز أمن الدولة لمدة 12 يوماً حشد الجموع للإبقاء على "ميدان التحرير" في يد المحتجين. وبعيداً عن مضاهاة آية الله روح الله الخميني دعا هؤلاء الشباب إلى حريات مدنية والمساواة في الأديان وإنهاء ديكتاتورية مبارك. وقد أشعل عزمهم قيام تفاؤل بأن الشرق الأوسط لن يكون بعد ذلك استثناءاً استبدادياً في عالم تتسارع خطاه نحو الديمقراطية.

ورغم ذلك فإن الانتقال الديمقراطي الذي تلى ثورتهم قد جعل هذا التفاؤل يبدو باهتاً. فالشباب المبدعين من "ميدان التحرير" منقسمون الآن بشدة إلى حوالي اثني عشر حزباً سياسياً، وفي كثير من الأحيان لا يمكن التمييز بينها، وكلها تقريباً إما جديدة جداً لا يعرفها أحد أو عرضة للكثير من الشكوك بمصداقيتها بسبب تعاونها مع النظام السابق. كما أن أعداد المصريين المطلعين على المواضيع السياسة هي صغيرة بشكل مدهش.

وفي الوقت نفسه فإن جماعة «الإخوان المسلمين» -- التي تجنبت الأضواء إلى حد كبير أثناء الثورة -- والتي تتمتع بمقدرة لا نظير لها في تعبئة أتباعها، تقوم بالاستيلاء على الزخم السياسي. وقد أجريتُ مقابلات مع ما يقرب من ثلاثين شخصاً من «الإخوان المسلمين» الحاليين والسابقين بين كانون الثاني/يناير و آذار/مارس من هذا العام. ولكي يصبح الشخص "أخاً" كامل الأهلية في جماعة «الإخوان المسلمين» تستغرق عملية القبول بين خمس إلى ثماني سنوات يتم خلالها مراقبة الأعضاء الطموحين عن كثب لمتابعة ولائهم للقضية، ومن ثم تلقينهم منهج جماعة «الإخوان». ويفرز هذا النظام أعضاء ملتزمين بقوة بغرض التنظيم مما يمكّن قادته من تعبئة أتباعهم كما يرون ذلك مناسباً.

وتعتمد جماعة «الإخوان» على هذا النظام لبناء حزب سياسي واحد هو "حزب الحرية والعدالة". وعندما ستبرز في الانتخابات البرلمانية في مصر في خريف هذا العام، بسلطة انتخابية متزايدة بشكل كبير -- إن لم تكن أغلبية الأصوات صراحة -- فستستغل موقفها المعزز لنقل مصر نحو وجهة ثيوقراطية معادية للغرب بصورة قاطعة.

البدء بسن الشباب

يستكشف أعضاء «الإخوان» المحليون الأعضاء الجدد في كل جامعة مصرية تقريباً. ويبدأ هؤلاء المتعهدون بتجنيد الأعضاء بالتقرب من الطلاب الذين يُظهرون أمارات قوية على التقوى. فقد قال لي "أخ" سابق من جماعة «الإخوان المسلمين» يدعى عمرو مجدي أنه "من المفترض أن يقوم بعض الأعضاء من «الإخوان» بمقابلة ومصادقة الطلاب الجدد وإشراكهم في أنشطة عادية غير سياسية -- مثل كرة القدم ومساعدتهم في دروسهم -- تستهوي أي شخص." وقد تم استقطاب مجدي أثناء سنته الأولى بكلية الطب في جامعة القاهرة، لكنه ترك «الجماعة» في نهاية المطاف بسبب تحفظات أيديولوجية. وفي البداية لا يقوم المتعهدون بتجنيد الأعضاء بتعريف أنفسهم بأنهم "إخوة" من جماعة «الإخوان»، بل يحاولون ببساطة بناء علاقات مع أهدافهم من أجل التدقيق في تدينهم. وقال خالد حمزة الذي يحرر الموقع الإلكتروني لـ جماعة «الإخوان المسلمين» الذي يصدر بالإنجليزية "هذا ما يجعلنا مختلفين عن الأحزاب السياسية." ووفقاً لحمزة يمكن لعملية التجنيد هذه أن تستغرق عاماً كاملاً.

كما أن «الإخوان» يستهدفون أيضاً الأطفال لتجنيدهم ابتداءاً من سن التاسعة. وقال مصعب رجب البالغ من العمر 23 عاماً وهو ناشط قيادي شاب في جماعة «الإخوان» حيث ينتمي أبوه وأعمامه إلى «الجماعة»، "إن «التنظيم» يركز على أطفال أعضاء «الإخوان» بشكل خاص." ومثله مثل «إخوان» آخرين اعتنق رجب فكر «الجماعة» من خلال هذا التعرض المبكر للتنظيم وتم تسجيله رسمياً عندما أصبح عمره 16 عاماً.

وفي بعض الظروف يسعى المتطلعون بأنفسهم إلى التقرب من التنظيم. وفي العادة يكون هؤلاء «الإخوة» الجدد قد نشأوا في عائلات متدينة والتقوا بأعضاء «الجماعة» أثناء سنواتهم الدراسية. ومع ذلك فحتى في هذه الظروف يتم فحص هؤلاء الأعضاء المستقبليين بعناية قبل قبولهم. لكن التجنيد هو فقط بداية لعملية أطول بكثير ومتعددة المراحل يتحول من خلالها العضو الجديد الواعد إلى "أخ" في جماعة «الإخوان المسلمين».


المسار لكي يصبح الشخص "أخاً"

عندما يتم قبول هذا الواعد لأول مرة في جماعة «الإخوان» يصبح بدرجة "مُحِب". وأثناء هذه الفترة التي تستمر عادة ستة أشهر ويمكن أن تصل إلى أربع سنوات يدخل "المُحِب" إلى "أسرة" محلية، وهو اجتماع منتظم لمجموعة يتم فيها عن كثب مراقبة تقواه وإيديولوجيته.

و"الأسرة" التي تتكون من أربعة إلى خمسة أشخاص ويرأسها "نقيب" هي الوحدة الأساسية وربما الأكثر جوهرية لتراتبية «الإخوان». وتقضي "الأسر" الكثير من وقتها في مناقشة أنشطة الأعضاء وحياتهم الشخصية مما يسمح لِـ «الإخوان المسلمين» بمراقبة مدى التزام زملائهم الشباب بالمعايير الدينية الصارمة للتنظيم وبناء وحدة بين المجموعة.

وبعد أن يؤكد زعيم "الأسرة" -- من خلال الملاحظات أو الاختبارات الخطية -- أن الـ "مُحِب" يصلي بانتظام ويملك المعرفة الأساسية للنصوص الإسلامية الرئيسية يصبح "المُحِب" بدرجة "مؤيد". ويمكن أن تستمر هذه المرحلة من عام لثلاثة أعوام. و"المؤيد" هو عضو في التنظيم لكن لا يحق له التصويت، كما يجب عليه الوفاء ببعض الواجبات يضعها رؤساؤه مثل الوعظ أو الاستقطاب أو التدريس في المساجد. كما أنه يُكمل أيضاً منهجاً دراسياً أكثر صرامة ويحفظ أقسام رئيسية من القرآن ويدرس كتابات مؤسس «الجماعة» حسن البنا.

وفي المرحلة التالية يصبح المتطلع بدرجة "منتسب" في عملية تستغرق عاماً وتعتبر أول خطوة نحو العضوية الكاملة. و"المنتسب" هو عضو لكن اسمه يُكتب بالرصاص، كما يقول لطفي -- ناشط شاب في جماعة «الإخوان المسلمين». ويمكن لـ "المنتسبين" أن يعملوا في إحدى تقسيمات «الإخوان» الرسمية مثل تلك التي تدير برامج للمهنيين أو العمال أو طلاب الجامعة أو الأطفال. كما يدرس "المنتسبون" كذلك أحاديث النبي محمد وتفسير القرآن ويبدأون في إعطاء جزء من أرباحهم -- وهي في العادة من خمسة إلى ثمانية بالمائة -- إلى التنظيم.

وحالما يُرضي "المنتسب" مشرفيه تتم ترقيته إلى "منتظم" وتستغرق هذه المرحلة عادة عامين آخرين يجب على "المنتظم" خلالها أن يحفظ القرآن وأحاديث النبي محمد ويمكنه أن يضطلع بدور قيادي على مستوى أدنى مثل تشكيل "أسرة" أو رئاسة فرع من عدة "أسر". وقبل أن يستطيع التقدم إلى المستوى النهائي -- أي "أخ" عامل في جماعة «الإخوان المسلمين» -- يتم عن كثب فحص ولاء "المنتظم". وقال رجب الذي لم يصل بعد إلى درجة "منتظم" لكن العملية وُصفت له من قبل زملاء أعلى منه "ربما يختبرونك كما لو كانوا أمن دولة ويعطونك معلومات خاطئة ليكشفوا إذا ما كنت ستنقلها أم لا." والترقي إلى المستوى النهائي يتطلب أيضاً ثقة الرؤساء بأن "المنتظم" سيتبع توجيهات قيادة جماعة «الإخوان».

وبعد أن يصبح بدرجة "أخ عامل" يستطيع "«الأخ المسلم»" العضو في «الجماعة» أن يُصوت في جميع الانتخابات الداخلية ويشارك في كل الهيئات العاملة التابعة لـ جماعة «الإخوان المسلمين» ويتنافس على موقع أعلى ضمن تراتبية التنظيم. كما يُعهد إليه بـ "الدعوة" إلى إقامة شكل أكثر إسلامية للحياة وهو ما يتم غالباً عبر تقديم الخدمات الاجتماعية خاصة إلى المجتمعات المحتاجة.

ويعود تاريخ مبادئ نظام التجنيد هذا إلى تأسيس جماعة «الإخوان المسلمين» في عام 1928 لكن محادثاتي مع الأعضاء قد أكدت أن العملية بدأت تتخذ طابعاً رسمياً فقط في أواخر السبعينات من القرن الماضي عندما أصبحت أداة مهمة لضمان عدم تمكن أجهزة أمن الدولة من اختراق التنظيم، وهو ما حدث بالضبط لمعظم جماعات وأحزاب المعارضة الأخرى في عهد أنور السادات ومبارك. (في عهد الرئيس جمال عبد الناصر الذي حكم بين عامي 1956 و 1970 كانت جماعات المعارضة المحلية قد تمزقت وسُجن قادة «الإخوان» لعقود.) وقد أخبرني أحد قادة «الجماعة» في الإسكندرية علي عبد الفتاح، بأنه "من الممكن لعميل [أمن الدولة] أن يصبح بدرجة "محب" لكنه لن يترقى."

وحتى لو أدى سقوط مبارك إلى قيام بيئة سياسية أكثر ديمقراطية فمن غير المرجح أن يهجر «الإخوان المسلمين» هذا النظام التدقيقي الذي يراه قادة التنظيم جوهرياً لضمان إخلاص أعضائه ونقاء أهدافهم.

نشر الجنود

تضمن تراتبية «الإخوان» أن فقط أولئك الملتزمون بعمق بقضية «الجماعة» هم الذين ينفذون طواعية أهداف قيادتهم الوطنية على المستوى المحلي.

إن "مكتب الإرشاد" هو في أعلى التسلسل الهرمي، ويتألف مما يقرب من 15 "أخ" من قدامى جماعة «الأخوان المسلمين» يرأسهم المرشد العام. ويراقب كل عضو في "مكتب الإرشاد" حقيبة معينة مثل التجنيد في الجامعات أو التعليم أو السياسة، ويتم انتخاب أعضاء "مكتب الإرشاد" عن طريق "مجلس الشورى" المؤلف من حوالي مائة "أخ" من جماعة «الأخوان المسلمين». وتتم مناقشة القرارات المهمة مثل المشاركة في الانتخابات أو عدمها والتصويت عليها داخل "مكتب الشورى" ثم يصدق عليها "مكتب الإرشاد". ويتم تمرير الأوامر إلى المستوى الأدنى عبر سلسلة القيادة حيث يستدعي "مكتب الإرشاد" مندوبيه في كل فرع إقليمي وهم بدورهم يستدعون نوابهم في كل منطقة فرعية ثم يستدعي هؤلاء المندوبون نوابهم في كل مجموعة سكانية تابعة لهم والتي بدورها تستدعي رؤساء كل "أسرة" محلية التي تنقل الأمر في النهاية إلى أعضائها. وتعمل السلسلة أيضاً في الاتجاه المعاكس أي أن "الأُسَر" يمكن أن تُمرر طلباتها وقلقها إلى "مجلس الشورى" و"مكتب الإرشاد".

إن هذا النوع من التواصل قد مكَّن «الإخوان» من الاتصال بشكل موثوق وحذر رغم المتابعة الشديدة من قبل الشرطة في عهد النظام السابق. وفي البيئة السياسية ما بعد مبارك فإن القدرة التنظيمية الفريدة لـ جماعة «الإخوان المسلمين» تسمح لقادتها بالتواصل مع أعضائها على الصعيد الوطني. وليس بمقدور أية جماعة معارضة مصرية أخرى الاعتماد على هذا النمط المتسع والعميق لشبكات «الإخوان».

وقد أثبتت فعالية هذا النظام كونه محورياً أثناء الثورة ضد مبارك حيث تجنبت «الجماعة» في البداية الانخراط المباشر في المظاهرات التي بدأت في 25 كانون الثاني/يناير لأن جهاز أمن الدولة قد هدد باعتقال مرشد جماعة «الإخوان» محمد بديع إذا ما شارك أعضاؤها. لكن في اليوم التالي استجاب "مكتب الإرشاد" لمطالب أعضائه الشبان وقرر أن يجعل "فرضاً" على "جماعة «الإخوان»" المشاركة في الاحتجاجات في 28 كانون الثاني/يناير، اليوم الذي سمي من قبل المنظمين بـ "جمعة الغضب"، ومن ثم فقد أرسل «الإخوان» الرسالة من خلال هذا التسلسل الهرمي.

ورغم أن الأغلبية الساحقة من المتظاهرين المصريين لم يكونوا منتمين لأية حركة سياسية إلا يبدو أن هذا الأمر من «الإخوان» قد ساعد على تحفيز الانتصار المبكر للثورة على "قوات الأمن المركزي"، التي قيل إن مبارك قد أزالها من الشوارع بعد الاحتجاجات الناجحة في 28 كانون الثاني/يناير. وعند انتهاء صلاة الظهر في المساجد في جميع أنحاء البلاد في ذلك اليوم، تجمع حفنة من الناشطين عند مدخل كل مسجد، وأعطت أعدادهم المصلين البسطاء الثقة لمواجهة شرطة مبارك، ويقال إن الكثيرين من أولئك النشطاء كانوا من «الإخوان المسلمين».

كتلة «الإخوان»

في الأشهر التي تلت استقالة مبارك واصل «الإخوان» إظهار قدرتهم الفريدة على حشد المناصرين. كما أن الاحتجاجات في "ميدان التحرير" التي صادقت عليها «الجماعة» قد جذبت حشوداً غفيرة أكبر بكثير من تلك التي لم يوافق عليها «الإخوان». وقد أظهرت «الجماعة» نفوذها أثناء الاستفتاء الذي جرى في 19 آذار/مارس حول التعديلات الدستورية المقترحة في مصر والتي تُمهد لانتخابات مبكرة. وقد اختلف «الإخوان» مع معظم جماعات المعارضة الأخرى بدعمهم التعديلات التي تمت الموافقة عليها بنسبة ساحقة بلغت 77 بالمائة. وقد ضمنت النتيجة عقد الانتخابات البرلمانية في خريف هذا العام، وبذلك ستفيد «الإخوان» بتفوقهم على الأحزاب اليسارية والليبرالية التي ما تزال في طور التشكل.

وحيث تقترب الانتخابات البرلمانية في خريف هذا العام يشعر قادة «الإخوان» بالثقة الكبيرة في فرصهم. فقد أعلنت «الجماعة» في أيار/مايو أنها سوف تقدم مرشحين في أقل بقليل من نصف جميع الدوائر الانتخابية. ويدير ثلاثة أعضاء بارزين سابقين في "مكتب الإرشاد" -- محمد مرسي وعصام العريان والكتاتني -- "حزب الحرية والعدالة" وسوف يشكلون روابط مهمة بين الحزب المستقل اسمياً فقط و جماعة «الإخوان المسلمين» نفسها. كما سيستخدم «الإخوان» شبكتهم التراتبية لاختيار مرشحين على أساس كل منطقة على حدة كما فعلوا في الماضي.

وما لم ينبعث "الحزب الوطني الديمقراطي" الذي ترأسه مبارك تحت مسمى مختلف (تم حظره رسمياً في نيسان/أبريل وكانت هناك مقترحات بحظر برلمانييه السابقين من الترشح) فلن يتوفر لأي حزب آخر أي شيء شبيه لشبكة المناصرين الملتزمين المتوفرين لـ «الإخوان». وهكذا يستعد «الإخوان» للفوز بالغالبية العظمى من المقاعد التي ينافسون عليها مما يجعل من المحتمل جداً كسبهم أغلبية برلمانية نسبية. لكن التنظيم لا يتوقف عند هذا الحد. ففي الأشهر الأخيرة شجع بعض المستقلين على خوض الانتخابات البرلمانية أيضاً واعداً إياهم بدعم جماعة «الإخوان». وتدل هذه الظاهرة على عزم «الجماعة» على الفوز بصورة حاسمة.

غير أن قيام جماعة «الإخوان» بتأسيس حزب قانوني (كان أعضاء «االجماعة» في عهد مبارك يترشحون ويعملون في البرلمان كمستقلين) لم يحدث دون صدمات كبرى. فبعض من أبرز أعضاء «الإخوان» يرى إصرار التنظيم على دعم "حزب الحرية والعدالة" فقط -- بدلاً من السماح لـ "الأخوة" في جماعة «الإخوان المسلمين» باختيار أي حزب إسلامي -- بأنه أمراً شديد التضييق. وفي آذار/مارس أخبرني عبد المنعم أبو الفتوح العضو السابق في "مكتب الإرشاد" والذي ربما يكون بصدد تشكيل حزبه الإسلامي والترشح للرئاسة أن "أي «أخ» من أعضاء «الإخوان المسلمين» يريد التنافس في السياسة فهذا خير. إن ما سُمح به في زمن البنا هو أنه كان باستطاعة الناس أن يكونوا أعضاء في "الحزب السعدي" أو "حزب الوفد" أو غيرها....و «الإخوان المسلمون» ينبغي أن يكونوا تنظيماً إسلامياً مدنياً كما كان منذ زمن البنا في عام 1928."

ويرى آخرون تشكيل حزب سياسي انصرافاً عن الأولوية الأكبر للتنظيم ألا وهي الأسلمة طويلة المدى للمجتمع المصري من خلال توفير الخدمات الاجتماعية. وتبدو هذه الرؤية جلية بشكل خاص بين النشطاء «الإخوان» الشباب الذين عقدوا مؤتمراً في أواخر آذار/مارس دون موافقة "مكتب الإرشاد" لإعلان هذا الموقف.

وقد أدت تلك التوترات الداخلية بعدد من المحللين إلى القول بأن جماعة «الإخوان المسلمين» سوف تنقسم في الوقت المناسب إلى فصائل سياسية متعددة، حيث يتوقع هؤلاء المراقبون إلى قيام قادة كبار بارزين مثل أبو الفتوح بسحب أعداد كبيرة من المناصرين بينما سيرفض النشطاء الشباب الساخطون أوامر "مكتب الإرشاد" حول كيفية التصويت.

وقد أكدت مناقشاتي مع اثني عشر من الحاضرين في مؤتمر الشباب في آذار/مارس بأنه ليس من المرجح حدوث مثل هذا الانشقاق. فرغم تعهد بعض نشطاء «الإخوان» الشباب البارزين وخاصة قادة الثورة بألا يدعموا الحزب الرسمي للتنظيم إلا أن الغالبية أقرت أنها سوف تطيع "مكتب الإرشاد" في النهاية. وفي الحقيقة فإن الخلافات حول المستقبل السياسي لـ جماعة «الإخوان المسلمين» يبدو أنها معزولة وتؤثر فقط على مجموعة صغيرة نسبياً من الأفراد.

وينبغي أن نرى النشطاء الشباب من جماعة «الإخوان» -- الذين انشقوا عن التنظيم لتشكيل "حزب التيار المصري" في أواخر حزيران/يونيو -- في ضوء هذا الأمر. فوفقاً لقياداته نجد أن الحزب الجديد "ليس حزب «إخوان» أو حزباً لشباب «الإخوان»" ولذا فمن غير المحتمل أن يروه معظم "الأخوة" في «الجماعة» بديلاً واقعياً لـ "حزب الحرية والعدالة". كما أن قدرة "حزب التيار المصري" على أن يكون له تأثير طويل المدى ستعتمد على قدرة أعضائه على الاستفادة من، أو تكرار، شبكات «الإخوان»على الصعيد الوطني لكن هذا لا يمكن أن يحدث على الفور.

كسب الواحد وثمانين مليوناً

ينبغي على واشنطن أن ترى الصعود الأخير لـ جماعة «الإخوان المسلمين» بعين القلق. فرغم إصرار «الإخوان» على أن أهدافهم "معتدلة" إلا يبدو أنهم يُعرّفون هذه الكلمة بشكل مختلف عما يعرّفها المرء في الغرب. فالكلمة بالنسبة لـ جماعة «الإخوان المسلمين» كما قال حمزة الذي يحرر الموقع الإلكتروني لـ «الإخوان» الذي يصدر بالإنجليزية، تعني ببساطة "عدم استخدام العنف ونبذ الإرهاب وعدم العمل مع الجهاديين."

غير أن «الإخوان» الذين أجريت معهم مقابلات قد خرجوا على نحو ثابت باستثناءات مهمة لهذا التعهد بعدم العنف. فقد قال لي "المرشد العام السابق" لـ جماعة «الإخوان المسلمين» محمد مهدي عاكف "نحن نؤمن أن الصهيونية والولايات المتحدة وانكلترا هي عصابات تقتل الأطفال والنساء والرجال وتدمر البيوت والحقول. إن الصهيونية هي عصابة وليست دولة ولذا فإننا سنقاومهم حتى [يأتي الوقت] الذي لا تكون لهم دولة." وقد أضاف «الإخوان» الصراعات في أفغانستان والبوسنة والشيشان والعراق إلى قائمة المناطق التي يُسمح فيها بالقيام بأعمال العنف. ومما يبرهن هذا المبدأ أنه عندما قتلت القوات الخاصة للبحرية الأمريكية أسامة بن لادن وصف «الإخوان» ذلك العمل غير عادلاً وأشاروا إلى زعيم «القاعدة» بـ "الشيخ" الجليل.

وفي الوقت نفسه، فإن الاصطفاف الأخير لـ جماعة «الإخوان» مع العديد من الأحزاب السياسية المعادية للغرب يشير بأن السياسة المصرية ستصبح أكثر عدائية للولايات المتحدة. ففي حزيران/يونيو شكل «الإخوان» "التحالف الوطني الديمقراطي" في مصر مع ما يزيد عن اثني عشر حزباً سياسياً آخر بما في ذلك "حزب النور السلفي" و"حزب الكرامة الناصري" و"حزب الوفد" الليبرالي. لكن التباين الشديد للائتلاف يجعل بقاءه محل شك. غير أن أحزابه قد تمكنت من الاتفاق على شيء واحد وهو أن مصر ينبغي أن تتبنى سياسة خارجية غالباً ما تكون معادية لمصالح الولايات المتحدة. وبعد اجتماع "التحالف" في 21 حزيران/يونيو على سبيل المثال أصدر بياناً أعلن فيه أنه أراد "فتح حوار استراتيجي مع إيران وتركيا... ومراجعة عملية التسوية مع إسرائيل على أساس أنها ليست سلاماً حقيقياً في ضوء العدوان الظالم وانتهاك حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره." إن قيام مشاعر من هذا القبيل تشير إلى أن «الإخوان» في مصر ما بعد مبارك يأملون تحسين العلاقات مع ألد أعداء الولايات المتحدة في المنطقة وهي إيران وتشويه سمعة اتفاقات "كامب ديفيد" مع إسرائيل التي تُعتبر واحدة من أعظم الإنجازات الدبلوماسية للولايات المتحدة.

وعلى الأرجح سيعني أيضاً صعود جماعة «الإخوان المسلمين» أن حكومة مصر القادمة ستكون أقل استعداداً للتعاون مع الولايات المتحدة. كما من المرجح أن تقترب أكثر من الكتلة التي تقودها إيران والتي تقاوم النفوذ الأمريكي وسوف تقلل التعاون في الأمور الأمنية مع إسرائيل. وفي الواقع، إن هذه التحولات تتجسد بالفعل حيث إن "المجلس الأعلى للقوات المسلحة" -- الذي يبدو أن عزيمته قد وهنت بسبب قوة «الإخوان» الصاعدة والسخط الشعبي على سياسة مبارك الخارجية -- قد جدد العلاقات مع طهران وهو النظام الذي أطلق ذات مرة اسم قاتل السادات على أحد شوارعه. وهذا هو أيضاً السبب لقيام الحكومة بإعادة فتح الحدود مع غزة التي كانت مغلقة منذ فك إسرائيل ارتباطها في آب/أغسطس 2005. ورغم أنه حتى لو حكم «الإخوان» مصر فمن غير المحتمل أن تعلن الحرب على إسرائيل، إلا أن قادة «الجماعة» قد أوضحوا أن التنظيم ينوي دعم "المقاومة" في غزة. ومن المرجح أن يُترجم هذا الدعم إلى تمويل أكبر لـ «حماس» مما يؤدي إلى تصاعد محتمل في الأعمال العدائية بين اسرائيل والفلسطينيين.

ولأن نجاح جماعة «الإخوان المسلمين» في الانتخابات هذا الخريف هو بالضبط ما سيُرجح دفع السياسة الخارجية المصرية بعيداً أكثر عن المصالح الأمريكية، تحتاج إدارة أوباما إلى محاربة نفوذ «الإخوان» على جبهتين. فقبل الانتخابات يجب عليها أن توصل "خطوطاً حمراء" واضحة لقادة الجيش الحاليين في مصر والأحزاب السياسية ذات الصلة عن أنواع السلوك التي لن تكون الولايات المتحدة مستعدة لقبولها. وعلى وجه التحديد، ينبغي أن تَعِد بالاعتراف بنتائج أي انتخابات مصرية، ولكن فقط لو التزم أولئك الذين تم انتخابهم بألا يشاركوا في صراعات خارج حدود مصر. إن إصدار بيان من هذا القبيل سوف يُضعف اتهامات جماعة «الإخوان المسلمين» بأن الولايات المتحدة تتدخل في الشؤون المصرية حيث ستكون واشنطن قد استعاضت بعدم التدخل في الشؤون المصرية بعدم تدخل «الإخوان المسلمين» في النزاع الإسرائيلي الفلسطيني.

وفي الوقت نفسه، فإنه حتى بعد الانتخابات يجب على واشنطن الاستمرار في مساعدة الجماعات الليبرالية من خلال منظمات غير حكومية مختلفة مع التركيز بوجه خاص على تدريب القادة خارج القاهرة. ويكمن قدر كبير من قوة «الإخوان» في شبه احتكارهم للنفوذ في الكثير من المناطق الريفية. ويمكن للولايات المتحدة والجماعات التقدمية المصرية محاربة هذا النفوذ فقط من خلال تقديم أفكار ليبرالية وتعليم الشعب كيف ينتظم سياسياً. وعلاوة على ذلك، وفي كل فرصة ينبغي على الولايات المتحدة أن تعلن عن أملها في أن تصبح مصر دولة منفتحة دينياً وهي تلك التي حارب من أجلها مُحتجو "ميدان التحرير". ويجب عليها أن ترفع صوتها بالإنكار كلما تعرض مسيحيو مصر للهجوم حيث تعرضوا لذلك بالفعل عدة مرات في الأشهر الأخيرة. وتُنذر مثل هذه الهجمات بقيام المزيد من العنف والتعصب.

ولن يكون لواشنطن أي خيار إلا العمل مع من سيصل إلى السلطة في مصر أياً كان. ولذا يجب على الولايات المتحدة أن تضمن أن صعود جماعة «الإخوان المسلمين» هو عقبة مؤقتة وأن حدوداً واضحة قد أُعدت حول قدر الضرر الذي يمكن للتنظيم أن يسببه للمصالح الأمريكية. كما يجب أن تسعى في الوقت نفسه إلى جعل المشهد السياسي الداخلي في مصر أكثر تنافسية. ولفعل كل هذا ستحتاج الولايات المتحدة أن تكون واضحة حول طبيعة «الجماعة» كتنظيم. فهناك ما يُقدر بستمائة ألف شخص يملأون صفوف «الإخوان المسلمين» وهم ملتزمون بقوة نحو التنظيم وليس من المرجح أن يخففوا من رؤاهم. ولذا يجب أن تركز السياسة الأمريكية على الواحد وثمانين مليون مصري الآخرين الذين هم في الغالب غير معبئين وغير مثقفين. فهم غير منتمين سياسياً. وبالنظر إلى تدين المجتمع المصري يمكن لـ جماعة «الإخوان المسلمين» كسب تحالف أبنائه بسهولة إذا فشلت الولايات المتحدة في التصرف بسرعة لدعم البديل -- وهو الرؤية الليبرالية التي ناضل من أجلها شباب "ميدان التحرير" ببسالة.

 

إيريك تراغر هو زميل آيرا وينر في معهد واشنطن، ومرشح للدكتوراه في العلوم السياسية في جامعة بنسلفينيا حيث يكتب أطروحته عن أحزاب المعارضة المصرية.

التعليقات

برجاء تسجيل الدخول حتى تستطيع التعليق
عنوان التعليق
التعليق
Design and Development by Microtech