ولكن > فرم الهواء
4 سبتمبر 2011 11:40 ص
-
ولكن

بقلم : عبدالله كمال




  مشهد بسيط ، مغرق في الدلالات ، تابعته صباح اليوم : عامل في شركه اعلانات ، فك لوحه اعلان في محطه مترو روكسي ، كانت عليها صوره للداعيه مصطفي حسني ..فقد انتهي شهر رمضان الذي كانت تعلن فيه قناه النهار عن برنامج ( احبك ربي)..وبعد ان انتهي العامل من فك الاعلان ..لم يضع لوحه لاعلان جديد ..وانما قلب اللوحه القديمه علي ظهرها ..فاصبحت  بيضاء من غير سوء .


   لقد انتهي الموسم . في السابق كان انتهاء مده الاعلان عن (شئ ما) يعني ان يتم الاعلان عن غيره..اعلانات (الاوت دور) ..اي في الشوارع.. كان يتم حجزها مسبقا و بالدور ولها قوائم انتظار ..الان لايوجد مايمكن ان يتم الاعلان عنه .. الحركه متوقفه لان الاقتصاد ( محلك سر) ..الناس انفقت مامعها في رمضان والعيد واستعدادا للعوده الي المدارس ..ولابد انهم يتحسبون لما بقي في مدخراتهم ترقبا لما تخفيه الايام ..وقد تمر فتره قبل ان ياتي هذا العامل الي محطه مترو روكسي لكي يضع اعلانا منهيا حاله ( اللوحه المقلوبه علي وجه ابيض) !


   سوف يتحسس المشبوبون بالمشاعر الثوريه اسلحتهم ردا علي هذا الكلام ، لانهم سيجدوا فيه تعبيرا عن (دعايه مضاده) لما يرون انه (ثوره) واعتبره (فعلا ثوريا) ..وربما يتجاوزون  مرحله (تحسس السلاح) الي اطلاق النار فورا .. هذا لن يغير من الحقيقه شيئا : هناك مشكله اقتصاديه مرتبطه بمزيج من عوامل مختلفه : حاله ترقب ، انعدام تدفق الاستثمارات ، وضع امني غير مستقر، انتاج غير ملموس ، ايرادات متراجعه ، اعتصامات واضرابات في جهات مختلفه ، بورصه تائهه ،عمال يترقبون زيادات في المرتبات ، رؤوس اموال خائفه ، ومدخرات قلقه ، وحكومه غير قادره.


    قد يصنف هذا التشخيص علي انه ( شماته سياسيه) . تصنيف من هذا النوع يعتبر (سذاجه محضه) . البلد للجميع ..والمعاناه يتكبدها الكل ايا ماكان لونه السياسي .النضج يفترض ان نتسامي فوق مشاعر التفاخر والتنابذ .  لقد غضب المصريون نتيجه سلبيات سابقه واسباب مختلفه ليس هذا وقت مناقشتها ..كما فشلت الاوضاع الجديده في ان تدفع المجتمع الي النظر للمستقبل والعمل من اجل غد مغاير .. وظلت ( الماكينه ) تلتهم من ارصده موجوده من قبل .. الله اعلم بمدي قدرتها علي الصمود ..فلم اعد اثق في الارقام التي تحتاج تدقيقا ومصداقيه .


  هنا يكمن مأزق النخبه التي تصدرت الساحات السياسيه والاعلاميه بعد ١١ فبراير ..من حيث كونها وعدت قبل ان تدرك انها لن تستطيع ان تفي ..وبشرت قبل ان تتيقن من انها لن تواجه ظروفا تنفر .. بل وتقدمت الصف باعتبارها منتصره سياسيا بدون حتي ان تتوافر لديها معلومات - ولن ابالغ واقول رؤيه - عن الطريقه التي سوف تدير بها اليوم التالي والعصر الجديد .


 افرق هنا بين فئتين من تلك النخبه المتصدره : الاولي تضم السياسين الذين تصدوا للعمل التنفيذي تسبقهم شعارات ظلوا يرددونها سنوات بدون ان تختبر ثم صدمهم الواقع ..كمثال تناقض  الاشتراكي الكلاسيكي جوده عبدالخالق وزير التضامن مع حكومه لم تزل تؤكد انها تتبني اقتصاد السوق .. . والفئه الثانيه - وهي الاكبر -  وتضم  الصحفيين والاعلاميين والمثقفين الذين قدموا انفسهم علي انهم اباء الغضب والحاله الثوريه  ..وذهبوا باحلام الناس بعيدا .. وضاعفوا الاعباء علي السياسين في مواقع التنفيذ وعلي راسهم عصام شرف رئيس الحكومه .


   الفئه الاولي في موقف لاتحسد عليه . ستلتهمها المرحله الانتقاليه ولااريد ان اقول ستحرقها . الفئه الثانيه حاولت  حل المعضله اولا بحمله ضاريه علي العصر السابق . ثم علي من اسمتهم فلول هذا العصر وبقاياه . ومن بعد ذلك بالاشتباك مع المجلس العسكري الاعلي .


 ومع عدم اعتراف تلك الفئه بان المشكله فيها ..فان كل محاولاتها لم تضع  حلا نهائيا للموقف المعقد ..ولم تعط املا بان الاحلام الكبيره سوف تجد سبيلا للتحقق قبل ان تعيد البلد السيطره علي نفسها عقليا واقتصاديا وامنيا .


  ولما تم استنفاذ الحملات المختلفه فان الصفحات في الجرائد اصبحت بلا قضيه .. ولما انسحب من وصفوا بالفلول من الساحات تاركين اياها لكل ( شجيع) يقول انه قادر ..اصبحت البرامج خاويه من الموضوعات ..ولما فوت المجلس العسكري عشرات الفرص للاستثاره والتشويه والاشتباكات الجانبيه كان ان اصبحت اعمده الكتاب مجرد ماكينات تفرم الهواء ،لاتطرح قضيه ولاتناقش فكره ولاتقدم الا صفيرا .


 ان الصفير في حقيقه الامر هو مجرد زفير ..فاين الشهيق والهواء الجديد ؟


التعليقات

برجاء تسجيل الدخول حتى تستطيع التعليق
عنوان التعليق
التعليق
نبى الاعلام
Esam Ahmed
-
26 يوليو 2012 7:51 ص
احترمك واعشق قراءه مقالاتك فى روز اليوسف لااعرف لماذا تذكرنى دائما بالكاتب العظيم احمد بهاء الدين صاحب القلم السلس والرؤيه الثاقبه نقيض بهلوان الصحافه المدعو هيكل صنيعه قربه من الرئيس عبد الناصر اعلق اليوم لاقول لك ان مقالك المنشور منذ عام يكاد يصف ما نحن فيه الان بعد مرور عام ونصف على وكسه يناير 2012ولازلت حتى الان لا أعى هل يساوى تضحيتنا بما كنا فين بما فيه من قصور هل يساوى استيلاء الاخوان على مصر بدون رؤيه حقيقيه لديهم مجرد شعارات جوفاء تحطمت وستتحطم على ارض الواقع

Design and Development by Microtech