ولكن > الهدهد واليمام والكروان
6 يوليو 2011 3:39 م
-

لم اسكن في بيت طوال عمري الا ولاحقني (هدهد) و(يمامه).تربيت في حي الظاهر ، ونشأت اسمع صباحا صوت هذا وتلك. وانتقلت الي حدائق القبه مع عائلتي في بيت بني في بدايه السبعينات .. حيث حللت انا ساكنا مستجدا علي هدهد مقيم ويمام يشاركه في (منور) العماره . ولما عشت في بيت ثالث بنفس الحي ..علي بعد خطوات من الاول ..وكانت عماره جديده .. لم تمض اشهر قبل ان يستقر (هدهد) في عش بناه فيما بين ( المواسير) ، وبعده جاء اليمام .. وهو نفس ماجري في بيتي بمصر الجديده .. وان كان الهدهد مازال وحيدا .

طائرالهدهد

 

تسعدني هذه ( الملاحقه) . تشعرني ان البيوت آمنه . وان اليوم سوف ياتي لطيفا .. حين تستمع في الصباح الباكر الي صوت (الهدهد) بنغمه  الموسيقي الرخيم ..وهديل اليمام القريب من ابن فصيلته الاشهر : الحمام . لااعرف سر هذا الارتباط ..ولم اسأل اي من معارفي لكي اتاكد انهم يتمتعون بنفس المشاعر حين يصادفون الهدهد واليمام في بيوتهم .. لكن الامر اصبح بالنسبه لي مرتبطا بما اعتدته في وطني . حتي ان الحنين سرعان مايستيقظ في داخلي حين اسافر الي اي بلد .. واصحو باكرا علي صوت (هدهد) .. وهو امر لم اصادفه الا في بلاد العرب..رغم اني اقيم غالبا في الفنادق .

 

بحثت كثيرا في داخلي عن سر هذا الارتباط بالهدهد .. قلت : لابد ان الامر يتخطي كوني اصادفه في كل بيت اعيش فيه ؟ فوجدتني اقلب في ثقافتي ودفتر عمري .

 

عرفت الهدهد في قريتي بالقليوبيه . ( السيفا) .التي طالما شرحت اسمها لكل من استفهم موضحا : قل كلمه السيف واضف اليها ( حرف الالف) . رأيته في الحقول دون ان اتبين ماهو . قادني اليه كتاب في درس شهير ضمن منهج اللغه العربيه بالمرحله الابتدائيه .. انه الكتاب الذي خلد ذكري كل من ( عادل وسعاد) ..كان  الدرس يتحدث عن ( اصدقاء الفلاح) .. الهدهد وابي قردان . كلاهما يعينه في تنقيه التربه مما فيها من يرقات وحشرات . كنت اصادف الطائر الابيض (ابا قردان) في الحقول المرويه .. يتناثر في اسراب متجمعه كما لو انه يرصع الارض السوداء بقطع من البياض الشاهق . بين اسراب ابي قردان كان ( الهدهد) يحتفظ بتميزه .. تجد واحدا هنا او هناك .. وتعثر عليه في اوقات الظهيره في مختلف انواع ( الغيطان) ..حتي لو لم تكن مرويه ..كما لو اني كنت اريد ان اتأكد مما جاء في كتاب المدرسه  .

 

وكنت اجده ( الهدهد) في بيت عائلتنا القديم .. المحصور في (حاقوره) - هكذا كانو يسمونها - قرب جامع ( الناحيه) حيث ظل ابي رحمه الله يحتفظ بغرفتين من ميراث ابيه بعد ان توزعت الدار بينه وبين اخوته وابناء عمومته . في هذا البيت كان اليمام يحصل علي نصيب اكبر ..وتتراص اعشاشه بكثافه اعلي بين (حطب الذره) وفوق اعمده غير مكتمله فوق سطح البيت الذي ظل سنوات ممتده كما هو من الطين الني .. كما بناه جدنا حمزه الكبير تاركا اياه لابنائه سليمان والسيد ومحمد وبيومي .. الاول والاخير عاصرتهما قليلا .. هذا جدي لعمي وذاك جدي لامي ..واما السيد فهو جدي لابي تركه يتيما قبل ان يشب ..واما محمد فجدي لاخ ابي غير الشقيق فؤاد.

 

وعثرت علي الهدهد في (غيط) جدي عبدالكريم ، رحمه الله ، خال امي ، الذي كان يصطحبني صباحا الي (الملئه) ..اسم الحوض الذي فيه ارضه . ظللت سنوات اتمتع صباحا برحله الذهاب الي الغيط في الصيف .. قبل ان (تحمي الشمس) ممتطيا خلفه ظهر حمارته الكفيفه ، التي لم تمنعها اعاقتها من تحفظ الطريق  عن ظهر قلب وفق بوصله داخليه . وهناك اتابعه بينما يحصد المشمش ( في عبه)  او (يورق) عيدان الذره او (يحش) النجيل من اجل اطعام البهائم ..بين حين واخر كنت اجد الهدهد يعلن عن وجوده الهادئ..وفوق (الزريبه) كنت اجد عشا لليمام .. وفي طريق العوده المرهق والموحش .. كنت ابحث عن اي هدهد لعلي انسي ان جدي قد اخفي ( الحماره) الكفيفه تحت كم هائل من النجيل وعيدان الذره ..تاركا اياي خلف الموكب الذي يضم الي جانب الحماره جاموسه وابنها اللباني وبضعه خراف وذكر ماعز وانثاه . لم اكن اجد الهدهد ..فالغروب قد اخفاه في مكان مابين الاغصان .

 

بينما تتقاطر من اذرعي الصغيره ، نقاط مياه الوضوء ، كنت اسمع في المسجد خطيب الجمعه متحدثا عن (هدهد سيدنا سليمان) .. غير انه بهذه المكانه الدينيه الرفيعه في واحده من اهم القصص القرآني .. لم يرق - رغم ارتباطي به - الي ذات مكانه ( اليمام) في نفسي .. والتي بحثت ونقبت حتي ادركت انها تعود الي اكثر من امر . ربما لاني لم اصادف في حياتي اليمام الا مزدوجا .. معبرا عن معني الاسره .. حيث عرفت فيما بعد انه يرقد الي جانب زوجه علي البيض .. وربما لانه يعيش بيننا دون ان نربيه بانفسنا كما نفعل مع الحمام ..كائن لطيف غير مكلف ..وربما لان امي كانت تجمع بعض بيضه من الاعشاش فوق سطح بيت العائله في ( الحاقوره) .. وربما لان وجوده في البيت كان يعني ضمنا خلوه من الثعابين التي تهوي صيده .. والاهم لان الطقطوقه الشهيره كانت تغني  بصوت شجي ( يمامه بيضا) .. تلك التي لاوجود لها تقريبا في الحياه البريه .

 طائر اليمام

لكن ، لا الهدهد ، ولا اليمام ، استطاعا ان ينافسا موقع ( الكروان) في نفسي . ذلك الطائر الذي لم اقربه في حياتي .. اراه في السماء .. في الصباحات الباكره .. سامعا صوته الصادح مرددا تلك النغمات الشهيره التي يحلو لنا ان نفسرها علي انها تسبيح باسم الله ، وانه يقول : " الملك لك لك لك ".. مذكرا اياي بروعه نص طه حسين العظيم ( دعاء الكروان) والفيلم الشهير المنقول عنه .

التعليقات

برجاء تسجيل الدخول حتى تستطيع التعليق
عنوان التعليق
التعليق
  • سوف يحتاج التعليق إلى موافقة المحرر قبل نشره
  • Design and Development by Microtech