مؤلفات عبدالله كمال‬ > عبدالله عزام- الحلقه ٤:اغتيال الشيخ المحبط
23 يونيو 2011 8:39 م
-

نشرت هذه الحلقات في شهر مايو ٢٠٠٢ بجريده الشرق الاوسط

 

قبل اغتياله بأسبوع روى عبد الله عزام بنفسه محاولة اغتياله الفاشلة وتوقع أن تتم تصفيته هو وبن لادن

أوصى بأن يتولى «أبو حذيفة» مكتب خدمات الجهاد من بعده.. يعاونه أبو سياف وأبو حمزة وأبو هاجر اغتيل عبد الله عزام في نوفمبر (تشرين الثاني) 1989 لكنه كان قد كتب وصيته الشرعية قبل ذلك بثلاث سنوات في أغسطس (آب) 1986.

في هذه الوصية المكونة من أربع صفحات والتي وزعها في ما بعد «مركز الشهيد عبد الله عزام الإعلامي» قال: «أنا الفقير إلى الله تعالى عبد الله بن يوسف عزام.. كل حساباتي، ما لي وما عليَّ، عند المحاسب ابن محمد المقدس. سدد كل ما في ذمتي للمجاهدين. ولي في حساب المجاهدين ستة آلاف دولار، وعشرون ألف روبية».

وبعد تقديم طويل عن فضل «الجهاد»، وأن «جوار المسجد الحرام لا يمكن أن يقاس بالجهاد في سبيل الله»، وتأكيده على الخطوط العريضة لفتواه «الناس كلهم آثمون بسبب ترك الجهاد سواء كان في فلسطين أو أفغانستان أو أية بقعة من بقاع الأرض ديست من الكفار ودنست بأرجاسهم»، «ولا إذن لأحد اليوم في القتال والنفير في سبيل الله، لا إذن لوالد على ولده، ولا زوج على زوجته، ولا دائن على مدينه، ولا لشيخ على تلميذه، ولا لأمير على مأموره»، بعد أن قال هذا وأكد للمسلمين «حياتكم الجهاد، عزكم الجهاد، ووجودكم مرتبط ارتباطا مصيريا بالجهاد»، بعد هذا وجه وصيته لأطراف عدة:

يا أيها الدعاة: لا قيمة لكم تحت الشمس إلا إذا امتشقتم أسلحتكم وأبدتم خضراء الطواغيت والكفار والظالمين.

يا أيها الدعاة إلى الإسلام: احرصوا على الموت توهب لكم الحياة، ولا تغرنكم الأماني.. ولا تطيعوا أحدا في الجهاد.. لا إذن لقائد في نفير الجهاد.

يا علماء الإسلام: تقدموا لقيادة هذا الجيل الراجح إلى ربه، وإياكم وموائد الطواغيت.

يا أيها المسلمون: طال رقادكم واستنسر البغات في أرضكم، أين زمجرة الأسود، متى تثور على القيود.

يا معشر النساء: إياكم والترف لأنه عدو الجهاد وتلف للنفوس البشرية، واحذرن الكماليات واكتفين بالضرورات وربين أبناءكن على الخشونة والرجولة والبطولة والجهاد.

يا أيها الأطفال: تربوا على نغمات القذائف ودوي المدافع وأزيز الطائرات وهدير الدبابات وإياكم وإنعام الناعمين وفراش المتخمين وموسيقى المترفين.

أما أنت أيتها الزوجة. «زوجته»: جزاك الله عني وعن المسلمين خير الجزاء، لقد صبرت معي طويلا، وكنت خير عون، عرفتك زاهدة في الحياة، فالزمي الزهد يحبك الله وازهدي بما في أيدي الناس يحبك الناس وآمل من الله أن يجمعنا في الفردوس، كما جمعنا في الدنيا.

وأما أنتم يا أبنائي: فإنكم لم تحظوا من وقتي إلا بالقليل، ولم ينلكم من تربيتي إلا اليسير، لقد شغلت عنكم ولكن ماذا أصنع ومصائب المسلمين تذهل المرضعة عن رضيعها، وأهوال الأمة الإسلامية تشيب نواصي الأطفال. أوصيكم بعقيدة أهل السنة والجماعة. وإياكم والتنطع، وأوصيكم بالقرآن، وبالعمل مع الحركة الإسلامية، ولكن اعلموا أنه ليس لأمير الحركة أي سلطة عليكم بحيث يمنعكم من الجهاد.

وأما مكتب الخدمات فإنني أوصي بأن يكون مسؤوله بعدي أبو حذيفة الذي قدم عصارة شبابه للمكتب، وخاصة ماله للمجاهدين، ونائبه أبو سياف. ويساعده أبو حمزة وأبو هاجر، وعلى الإخوة أن يحفظوا لأهل السابقة سابقتهم وكل مجاهد وسابقته ـ احفظوا للإخوة القدماء قدرهم، وتغاضوا عن زلاتهم واحفظوا لهم مكانتهم وادعوا كثيرا لمن تكفل هذا المكتب بماله الخاص، الأخ أبو عبدالله أسامة بن لادن، ادعوا الله أن يكثر من أمثاله، ولله أشهد أنني لم أجد له نظيرا في العالم الإسلامي.

وأما الأحزاب الجهادية.. فاهتموا كثيرا بسياف وحكمتيار ورباني وخالص.. لأننا نأمل منهم أن يواصلوا مسيرة الجهاد وأن يحفظوا مسيرته من الانحراف.. ولا تنسوا القادة في الداخل وخاصة جلال الدين وأحمد شاه مسعود وإنجيز بشير ومعفي الله أفضلي ومولوي أرسلان.

انتهت الوصية.. ويلحظ فيها ما يلي:

ـ استشعار الشيخ عزام بالخطر منذ وقت بعيد.. فقد كتبت الوصية في عام 1986 وهو إن كان يتجول في جبهات القتال إلا أنه لم يكن يشارك في القتال.

ـ تقمص الشيخ لوضعية «رجل أمة»، بحيث وجد أن الواجب عليه أن يوجه وصيته إلى كل الناس.

ـ إن الشيخ لم يكن يرى أن هناك دورا أبعد من مجرد التبرع بالمال لأسامة بن لادن، وأن مسؤولية مكتب الخدمات لا يجب أن تؤول له وإنما إلى شخص آخر اسمه «أبو حذيفة».. وعلى الرغم من أن هذه الوصية كتبت في صورتها الأولى في أبريل 1986 ثم أضيفت إليها تعديلات أخيرة في نوفمبر (تشرين الثاني) 1986 إلا أن الشيخ لم يقم بأي تعديل آخر فيها حتى موته، وبالتالي فقد كان هذا هو موقفه الأخير من أسامة بن لادن.. لا سيما أن محققي الوصية يقولون في هوامشها إن أسامة قد توقف عن التبرع بالمال لمكتب الخدمات في عام 1986 وهذا مفهوم، في ضوء أن بن لادن كان قد بدأ بالفعل في هذا التوقيت الانفصال عن عزام.

لغم تحت المنبر قبل أسابيع من عملية اغتياله، روى عبد الله عزام بنفسه وقائع إحدى أشهر محاولات اغتياله الفاشلة في بيشاور، كان الشيخ في الكويت يحضر مؤتمرا صحافيا، وبدلا من أن يلقي كلمة قصيرة كما هو معتاد في مثل هذه المؤتمرات راح يتحدث طويلا عن تجربة السنوات ويرد على أسئلة لم تكن قد طرحت بعد، حتى وصل إلى الحديث عن محاولة اغتياله بوضع لغم تحت المنبر الذي كان سوف يخطب فوقه.

قال عبد الله عزام: «الأجهزة الغربية أثارت حول المجاهدين العرب الشبهات.. تجاوزناها، قالوا ماذا نفعل.. لا طريق لإنهاء العرب إلا بتصفيتهم جسديا.. من البارز فيهم عبد الله عزام، أسامة بن لادن.. فلان.. فلان.. هؤلاء يصفون جسديا». وأضاف واصفا محاولة الاغتيال: «الجمعة التي قبل هذه دخلوا من النوافذ أعلى المسجد.. نوافذ المكيفات.. هناك المنبر الذي أخطب عليه.. ثلاث درجات.. وضعوا لغماً ضد الدبابات.. ولم يكفهم. المسجد الذي يصلي فيه العرب أنا أخطب فيه.. واللغم يمكن أن يطير دبابة وزنها 46.5 طن. ما كفاهم.. وضعوا فوقه 2 كيلو جرام تي. إن. تي. شبكوها.. ركبوها بالبراغي «الصواميل» في خشب المنبر.. قبل الصلاة بنصف ساعة جاء من ينظف قطعة القماش التي تغطي المنبر.. هكذا بقدر من الله وحده حرك المنبر.. ووجد لغما وزنه عشرة كيلو جرامات.. وجاء البوليس الباكستاني.. نحن مستعدون لكل هذا.. نحن مقتولون في بيشاور.. مقتولون في باكستان، مقتولون في أي مكان».

كان الشيخ يروي الواقعة المرعبة بكل ثقة، وبدا وكأنه يفعل أكثر من شيء في وقت واحد.. بدا وكأنه يقول لمن دبروا المحاولة لقد بلغتني الرسالة لكنني غير مهتم.. بدا وكأنه يمضي قدما في ترويج المعاني الأسطورية حول شخصيته لتدعيم الثقة الخليجية فيه.. بدا وكأنه يصر على نقل الهدف التالي لمعركة الجهاد في اتجاه الأجهزة الغربية.. وبدا كذلك وكأنه يقول إنه وأسامة بن لادن في مركب واحد.. وإنهما هدفان للتصفية من جهات واحدة.

في هذا التوقيت كان الشيخ عبد الله قد بدأ يفقد السيطرة الإجمالية التي كان يفرضها على الأفغان العرب، فقد توزعت المعسكرات وتنوعت الاتجاهات وأظهرت السنوات المتراكمة أسماء من كل نوع.. كلها تريد ألا تبقى في خلفية الصورة، بينما عبد الله عزام يحصد كل الأضواء.. لا سيما هؤلاء الذين دفعوا كثيرا من الأموال.

في هذه الأثناء وقع أمر غريب تندر الإشارة إليه في أدبيات وحوارات الأفغان العرب، فبعيد انسحاب القوات السوفياتية في فبراير (شباط) 1989 كان عبد الله عزام لم يزل هو أمير الجهاد بين العرب، لكن مشاكل مختلفة نشأت بينه وبين عدد من الجماعات الإسلامية العديدة لا يتم الحديث حولها كثيرا وإن كان يمكن توقع محتواها.. وجرت انتخابات في ما بين الأفغان العرب لاختيار أمير جديد للجهاد.. وانتخب أسامة بن لادن أميرا للجماعات الإسلامية في أفغانستان حسبما يقول أبو عبد الرحمن أو حسن بن عبد ربه السريحي وهو أحد الأفغان السعوديين الذين لم ينضووا في التنظيمات الانشطارية الإسلامية داخل أفغانستان.

لقد كان هذا انقلابا على الشيخ.. له مدلولات عديدة رغم أنه حدث في صمت وهدوء.

كان أسامة بن لادن قد انفصل عن الشيخ بالفعل بداية من عام 1987، وكان معسكر «القاعدة» الذي أنشأه موازيا لمكتب خدمات المجاهدين قد بدأ ينافس الشيخ عبد الله عزام. وفي حين كان أسامة بن لادن حريصا على أن يبدي احتراما خاصا للشيخ عبد الله كان بعض أعضاء القاعدة ـ وقد كان وقتها معسكرا لا تنظيما ـ يتطاولون على الشيخ الراحل في إطار خلق مناخ التنافس بين الأب الروحي والابن الصاعد حالماً بإنشاء الخلافة الإسلامية.

ثلاث قنابل في يوم 24 نوفمبر (تشرين الثاني) 1989 ركب الشيخ عبد الله عزام سيارته في الطريق من بيته في بيشاور إلى مركز الخدمات، كان معه اثنين من أبنائه، وفي الطريق وضعت ثلاث قنابل كان الهدف منها بالتأكيد ألا يفلت عبد الله عزام هذه المرة كما أفلت من عملية المنبر قبل أيام. وقتل عبد الله عزام وقتل أبناؤه الثلاثة.

تقول أم محمد، زوجة عزام، راوية ما جرى: «بعد خروج زوجي وأولادي من البيت بخمس دقائق سمعت صوت انفجار شديد.. أحسست في قلبي شيئا.. خرجت من المطبخ.. دخلت الحجرة التي كانت تجلس فيها إحدى الزائرات مع زوجة ولدي محمد.. وسألتهما: هل سمعتما صوت الانفجار.. فأجابتا بالنفي.. وسألتاني: هل تعتقدين أن الانفجار في المسجد، قلت: لا أظن لأنه أبعد من المسجد، فقالتا لي: توكلي على الله، فخرجت من الحجرة ولكنني لم أستطع أن أرجع إلى المطبخ، توجهت إلى الحجرة الأخرى حيث يوجد الهاتف، اتصلت بمكتب الخدمات. فقالوا إنهم لا يعلمون شيئا، فاتصلت بالمستشفى وقلت لهم: ماذا حدث للدكتور عبد الله عزام، فقالوا لي: لقد استشهد. فقلت: الحمد لله.. إنا لله وإنا إليه راجعون.. وعدت أتصل بمكتب الخدمات.. وقلت لهم: أرجو أن تخبرني ماذا حدث بالتفصيل.. نحن لها وما جئنا من بلادنا إلا من أجلها.. أريد أن أعرف هل وقع الانفجار في المسجد أم في السيارة.. فقال: في السيارة.. قلت: الحمد لله: إذن الأولاد الثلاثة الكبار استشهدوا معه».

إن تلك الرواية مذكورة بالنص في العدد الأول من مجلة «المرابطون» التي كانت تصدرها الجماعة الإسلامية المصرية في بيشاور.

نهاية مأساوية، ويضفي مزيدا من المأساوية عليها أنها لم تزل غامضة الأسباب ومجهولة الفاعل، بل إن أقرب المقربين إليه تركوها هكذا بدون سعي إلى توجيه اتهام موثق لطرف ما، أو غوص في تفاصيل الواقعة.. بل إن صهره عبد الله أنس يكتفي في حواراته ومذكراته المنشورة بالحديث عن أنه بلغه الخبر بينما هو مع أحمد شاه مسعود في شمال أفغانستان: «وصلت إلى بيشاور فوجدتها في حال يرثى لها في ظل غياب الشيخ عبد الله عزام، وقد لخص حكمتيار الصورة على حقيقتها عندما قال: صرت أنظر إلى العرب يمشون في بيشاور كالأيتام بلا أب».

وإذا كان هناك اتفاق على تفاصيل واقعة الاغتيال.. فالسؤال هو: من الذي كانت له مصلحة في اختفاء الشيخ عبد الله عزام من مسرح الأحداث؟ هناك أكثر من مستفيد.. نرصدهم في ما يلي:

ـ الولايات المتحدة الأميركية.. ففيما بعد انسحاب الاتحاد السوفياتي كان عبد الله عزام بكل ما يملك من قوة وجاذبية قد بدأ يوجه دفة الحديث في اتجاه الولايات المتحدة وبعنف شديد، وقد كانت انتقاداته للولايات المتحدة تتركز في عدة نقاط.

ـ الإعلام الغربي الذي يقوده الأميركيون وتحركه أيدي اليهود يريد أن يشوه صورة الجهاد الأفغاني، يريد أن يمسح آثاره من نفوس المسلمين في الأرض حتى لا يعود نموذجا يحتذى.

ـ عزل الجهاد الأفغاني عن العالم وتحجيمه وإعادته قضية محلية بعد أن أفلت من أيديهم وأصبح قضية إسلامية عالمية.

ـ إقامة الحاجز النفسي بين الجهاد وقلوب المسلمين حتى تكف أيديهم عن العطاء.

ـ إن أميركا حاولت أن تنقذ الدب الروسي في آخر الشوط من أن يسقط تحت أقدام المجاهدين ولكنها فشلت.. وفي هذا يشير الشيخ إلى أن عملية اغتيال ضياء الحق رئيس باكستان في فترة الجهاد الأفغاني هي من فعل الأميركيين وكان هدفها إسقاط الدعم الباكستاني للجهاد. ويضيف الشيخ: «إن مقتل ضياء الحق جاء متأخرا جدا بعد أن تجاوز الجهاد الأفغاني مرحلة الحرج وعبر منحنى الخطر».

وبلغ الأمر بالشيخ أن استمر في ممارسة نفس الدور الذي كان يلعبه منذ سنوات وبإصرار شديد، مع دفاع مرير عن قضية فقدت جذوتها مع تصاعد الخلافات بين الفصائل الأفغانية، لكنه في سبيل إضفاء مزيد من الحماسة على دعوته ولاستفزاز مشاعر المتبرعين الذين كان يسعى إليهم كان أن توقف عن الحديث عن الشيوعيين الملاحدة، وبدأ الحديث عن النصارى الكفار.. وكمثال على ذلك يقول: «إذا كانت الكنيسة جمعت في أميركا وأوروبا الغربية فقط 159 بليون دولار ـ هكذا الرقم كما في نص مقال له ـ وأنشأت لنشر النصرانية 1900 إذاعة ووزعت 121 مليون إنجيل.. كل هذا فقط لعام 1989 .. وجاء كارتر بنفسه لإغاثة النصارى في الحبشة وإمداد جون قرنق لحرب المسلمين في جنوب السودان.. فماذا فعل المسلمون للجهاد الأفغاني». وإذا كانت لدى الولايات المتحدة مصلحة واضحة في ما قام به الشيخ عبد الله عزام في سنوات الجهاد الأفغاني، فإنها أيضا لها مصلحة في اختفائه باعتباره المحرك الأساسي والصوت الأعلى والأكثر إقناعا، فضلا عن عدم إدراكه لأبعاد المتغيرات الدولية الجديدة.. إذ انهار الاتحاد السوفياتي وتبدلت قياداته وبدأ العالم الغربي ومعه الولايات المتحدة في التفرغ لمتابعة الأوضاع المستجدة والتوازن مع معادلاتها والاستفادة منها. ولم يكن هناك بالتالي فائدة من استمرار الحشد المالي والعسكري والبشري من أجل قضية أفغانستان.. وإذا كان ضياء الحق قد اختفى من الساحة قتلا إثر إعلانه تطبيق الشريعة الإسلامية وتحوله إلى اتجاه جديد هدفه حصد ثمار سنوات طويلة من العمل الإسلامي في أفغانستان واستغلال هذا الزخم لصالح نفسه.. فإن عبد الله عزام لم يكن قد أدرك بعد هذا.. وهو وإن انتبه له تحليلا وسجل ذلك كتابة إلا أنه لم يستجب للمتغيرات واقعيا وعمليا.

ولم تكن المشكلة بالنسبة لعبد الله عزام مقصورة على أنه يريد أن يواصل جمع الأموال واستيراد العرب، ولكنه أيضا يريد أن ينشئ فعلا دولة إسلامية في أفغانستان، وراح يقاوم أفكار عقد مؤتمر دولي يمكن أن يؤدي إلى حصول نجيب الله، الحاكم الشيوعي الذي كان مسيطرا على كابول، حصوله على نصيب من الحكم بل إن الشيخ حاول بقدر الإمكان أن يصلح ذات البين في ما بين الفرقاء الأفغان.

ـ إسرائيل: يميل بعض المحللين، ولاسيما عدد من الأفغان العرب، وهم يتحدثون عرضا عن واقعة اغتيال الشيخ عبدالله عزام إلى القول إن هناك يدا لإسرائيل في هذا.. إلا أنني شخصيا ـ ليس تبرئة لإسرائيل ـ لا أميل لذلك التحليل.. على أساس أنه لم يبد بالفعل أي خطر على إسرائيل من الشيخ.. وليس صحيحاً أنه كان قد بدأ في تحويل دفة الجهاد إلى فلسطين.. فهو كان حريصا على استكمال إنشاء الدولة الحلم في أفغانستان. كما أن إسرائيل في ذلك الوقت كانت تميل بشكل أو آخر إلى تشجيع مثل هذه القيادات النضالية ذات الطابع الديني في الأراضي المحتلة ـ وهو ما قامت به مع حماس بداية ـ حتى تخلق قوى اجتماعية وسياسية قادرة على الطعن في شرعية منظمة التحرير كممثل شرعي للشعب الفلسطيني، ولو اتجه عزام إلى فلسطين لكان قد حقق لها بعض أهدافها.

ـ أسامة بن لادن: هناك اتجاهات قوية تحاول دائما الإيحاء بأن خلافا بين أسامة بن لادن وعبدالله عزام قد أدى إلى انتكاسة شديدة ربما دفعت أسامة لاتخاذ هذا القرار أو أن هناك أحدا من أتباعه قد قام بذلك تخلصا من منافسه عزام لصالح أسامة وكيان «القاعدة» الصاعد.

في هذا السياق يتحدث صلاح السلمان، وهو أفغاني سعودي كان يلقب باسم «صلاح الدين»، عن أنه كان هناك خلاف كبير مع «القاعدة».. ويقول: «كان الشيخ عزام ضد أفكار القاعدة وضد تصدير الجهاد إلى دول أخرى».

ويميل الأفغان السعوديون في هذا الإطار إلى إلقاء عبء هذا الخلاف، وربما مسؤولية اغتيال عزام، على الأعضاء المصريين في «القاعدة».. يقول صلاح السلمان: «لا غبار أن المصريين الذين جاؤوا بحجة الجهاد استطاعوا الاستحواذ على الأهداف وتحويرها حسب مبتغاهم. كانوا يأتون إلى معسكراتنا في جلال آباد ويدعوننا للالتحاق بالتنظيم والتدريب على السلاح، ومازاد من نفورنا منهم أنهم كانوا يحرصون على الإمارة والبيعة.. وكنت شخصيا أذهب إلى الشيخ عزام وأذكر له ذلك، فيقول لي لا عليك منهم. ويقول حسن بن عبد ربه السريحى: «صار احتكاك بين عزام والمصريين، كانوا يكرهونه لاختلاف المذهب ويريدون إفساح المجال لصعود نجم بن لادن.. وأنا أشك أن يكون بن لادن وراء اغتياله.. أشك في المصريين». في المقابل فإن المهندس سيد حسن وهو أفغاني مصري كان عضوا في جماعة الإخوان المسلمين وتركها في ما بعد، يرى أمرا آخر.. ويقول: «إن مئات العرب نزلوا على عزام فرحب بهم ودفع بهم مباشرة إلى جبهات القتال، وهنا حدثت أكبر عملية اختراق في التاريخ الحربي، إذ لم يهتم عزام كثيرا بالبحث في تاريخ من كانوا يلتحقون بصفوف «المجاهدين العرب» فانضمت إليهم عناصر مخابراتية وعملاء لأجهزة أمن في دول أخرى، ولذلك حين أراد الأميركيون قتله لم يبذلوا جهدا كبيرا ووجدوا الخونة الذين أتموا المهمة». (نقلا عن «وقائع سنوات الجهاد» للمؤلف محمد صلاح).

وفي السياق ذاته يضيف سيد حسن: «قبل شهر من اغتيال ضياء الحق قابلت عبد رب الرسول سياف، وقال لي إن الأميركيين سعوا بعد انتهاء القتال إلى قتل ضياء الحق، وعبد الله عزام، وأسامة بن لادن.. وأن ضياء الحق ـ حسب ما روى سيد حسن عن سياف ـ يتوقع أن تكون نهايته على يد الأميركيين ردا على محاولته جمع القادة الأفغان المجاهدين وتوحيد صفوفهم ورفضه مساومة الأميركيين على الغدر بهم. بل إن ضياء لم يكن يتحرك في أي مكان في أفغانستان بدون أن يصطحب معه السفير الأميركي في باكستان، ورغم ذلك قتل ضياء الحق في حادث طائرة وكان معه السفير الأميركي الذي قتل أيضا».

لقد اختفى اثنان من أعضاء المثلث إذن في غضون شهور قليلة، لكن الضلع الثالث أسامة بن لادن بقي على قيد الحياة. وفيما يبدو فإن المعنى الضمني لرسائل الاغتيال قد وصله.. ولذا فإنه بعد ذلك بوقت قصير كان قد عاد إلى بلده.. تاركا وراءه «القاعدة» بمن فيها. ومما يشير إلى هذا المعنى أن أسامة بن لادن نفسه كان ثالث ثلاثة يتحدثون عن إدراكهم لهذه الرغبة الأميركية في التصفية.. فبعد ذلك بعدة سنوات، وبعد ما قاله عبدالله عزام وعبد رب الرسول سياف قال أسامة بن لادن: «الشيخ عزام حرض الأمة من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب. وفي تلك الفترة زاد نشاطه مع المجاهدين في فلسطين وبالذات مع «حماس» ودخلت كتبه إلى داخل فلسطين لتحريض الأمة على الجهاد ضد اليهود وخاصة كتاب آيات الرحمن ـ كنا أنا وهو فى مركب واحد. وكما لا يخفى عليكم خططت مؤامرة لاغتيال الجميع. وكنت أطلب من الشيخ عزام أن يبقى بعيدا عن بيشاور نظرا لزيادة المؤامرات لاسيما بعد مؤامرة المسجد. واليهود كانوا أكثر المتضررين من تحرك الشيخ عبد الله.. والمعتقد أن إسرائيل من خلال بعض عملائها من العرب هم الذين قاموا باغتيال الشيخ.. الذين عاشوا في هذه الساحة يعلمون مدى الصلة القوية بيني وبين الشيخ عزام.. لم يكن هناك تنافس.. والشيخ عبد الله كان مجاله الدعوة والتحريض.. ونحن كنا في الداخل في جبال بكيت.. هو يرسل الشباب ونأخذ بتوجيهاته حول ما يأمرنا به». (نقلا عن حوار أدلى به بن لادن لقناة الجزيرة).

بدون دليل المؤكد في نهاية هذا التحقيق التاريخي أن الدكتور عبد الله عزام قد اغتيل بمؤامرة اشترك فيها عدد من الأفغان العرب.. وأنه قد اغتيل في أعقاب تيقن أطراف عدة أنه تجاوز دورا محددا.. وأن ذلك الاغتيال كان جزءا من خطة أوسع لإعادة ترتيب الأوضاع الأفغانية في ضوء المتغيرات المحلية والإقليمية... وأن أحدا يملك دليلا يقينيا على هوية مخططي المؤامرة.

المؤكد كذلك أن الشيخ نفسه كان قد بدأ دخول مرحلة من الإحباط والاكتئاب السياسي، وهذا ما يكشفه أحد أواخر مقالاته في مجلة «الجهاد» التي كان يصدرها عن مكتبه خدمات الجهاد.. إذ كتب تحت عنوان: «حسبنا الله ونعم الوكيل»: «لقد اطمأن الغرب تحت زعامة العم سام أن مصالحه في أواسط آسيا وغربها لم تعد مهددة وبدأ يبحث عن بديل لهذا الدب الذي أثخن بالجراح». «هكذا بدأ لحن البطولة الأفغانية الذي عزف عليه الغرب سنين يخف تدريجيا ويحل محله لحن جديد وهو إبراز بطل البريسترويكا رجل عام 1989 كما تقول مجلة «التايمز» الأميركية على غلافها مشيدة ببطل العام جورباتشوف. أما وتر التدمير والإبادة والتشويه والمعوقين الذي استعملته أميركا قميصا ـ ربما تتاجر به في المحافل الدولية لتحطيم سمعة روسيا فقد اختفى واتجه الإعلام الغربي إلى إبراز حاكم الكرملين بصورة مشرقة».

«أما الجهاد الأفغاني فقد أضحى في عرف اليهودية العالمية حربا أهلية وصراعات قبلية. ويركز الإعلام على طمس الصورة المشرقة لهذا الجهاد وإبراز الثغرات وجوانب الضعف فيه لمحو آثاره في أعماق الأمة الإسلامية وتحطيم عقيدة التوكل على الله التي بناها الجهاد الأفغاني.. كما أن هذا الإعلام يسعى إلى قطع الصلة بين هذا الجهاد وقلوب الأمة المسلمة ويحجمه من جهاد إسلامي عالمي إلى قضية حرب أهلية».

ولم يكن إحباطه مقصورا على أسباب التحول الإعلامي.. فهو كما يروي فوجئ بفتور حماس العرب والمسلمين: «التقيت طبقات مختلفة من الشعوب الإسلامية خاصة العرب.. في رحلتي الأخيرة فوجدت الناس كأن على رؤوسهم الطير.. قال لي خطيب مسجد مشهور في جدة أصبحنا الآن نستحي أن نتكلم فوق المنابر بكلمة واحدة عن الجهاد الأفغاني.. رغم أنني أعلم أن هذا الشاب مازال ممن يعتبرون أنفسهم أحد أبناء هذا الجهاد. والتقيت بعالم يشار له بالبنان وترجع إليه جماهير الناس في فتواهم فقال لي أنا الآن مشوش عن الجهاد الأفغاني.. ولذا فإنني متوقف. وهناك رجل من نوع ثالث يقبض على لحيته الطويلة ثم يقول أثناء تدريسه إن انتصر الأفغان فاحلقوا لحيتي..».

ويمتد إحباطه إلى وسائل الإعلام العربية: «إن الإعلام العربي الآن يحطم الأمل الكبير الذي بناه الجهاد الأفغاني في قلوب الجيل المسلم. ويجتث عقيدة التوكل على الله. ويشوه قادة الجهاد ويحرق شخصياتهم في أنظار الأمة المسلمة لئلا يبقوا رموزا تقلد وأمثلة حية تحتذى.. ويقولون الآن في حملة شعواء أن حكمتيار لديه مصنع هيروين.. ويقنعون الشعوب الإسلامية بأن الجهاد في أفغانستان هو حرب أهلية.. ويحاولون إثبات فشل الجهاد وإنه لا مخرج من الأزمة إلا من خلال مؤتمر دولي يقتسم المغانم وينتهب الثمار».

ثم يقول عبد الله عزام في نهاية تجسيده لهذا الإحباط: «ليس لنا إزاء ذلك كله إلا أن نقول كما أمرنا ربنا» «الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل. فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم».. سورة آل عمران الآيتان «173 و 174». (نقلا عن مقال لعبد الله عزام عنوانه حسبنا الله ونعم الوكيل في مجلة الجهاد).

كان من حق عبدالله عزام أن يحبط، ولاسيما أنه لم يكن يريد الاعتراف بأن عددا من الوقائع التي يتحدث عنها الإعلام ـ غربي وعربي ـ هي حقيقة بالفعل ـ لا سيما في ما يتعلق بنشوب الصراع بين الفرقاء الأفغان.

وفضلا عن كل ذلك فهو لم يستطع أن يتواءم مع تحولات المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة بعد انقضاء غرضها وتحقيق هدفها من «لعبة الجهاد» في أفغانستان بانسحاب الاتحاد السوفياتي ثم سقوطه.

لقد احتفى الغرب وإعلامه دائما بمن حقق أهدافه.. وقد نال عبد الله عزام نصيبه من الاحتفاء الإعلامي حتى حقق ما هو مطلوب منه.. حتى لو لم يكن متفقا عليه. وجاء الدور على جورباتشوف لينال الاحتفاء والدعم فهو يحقق الهدف نفسه بأسلوب آخر «بدون جهاد».. وإنما بالبريسترويكا.

التعليقات

برجاء تسجيل الدخول حتى تستطيع التعليق
عنوان التعليق
التعليق
  • سوف يحتاج التعليق إلى موافقة المحرر قبل نشره
  • Design and Development by Microtech