مؤلفات عبدالله كمال‬ > عبدالله عزام- الحلقه ٥: ميراث الشيخ الراحل
23 يونيو 2011 8:37 م
-

نشرت هذه الحلقات في مايو ٢٠٠٢ بجريده الشرق الاوسط

رغم كل عبارات المديح من عبد الله عزام لأسامة بن لادن كان يثق أكثر فى «تميم العدناني» كان أسامة بن لادن قريبا من الشيخ عبد الله عزام لبعض الوقت قبل أن يستقل عنه، وتاريخيا يحسب للشيخ الفلسطيني أنه هو الذي بدأ التعريف الاعلامي باسم أسامة بن لادن.

  لكن الأمر من جانب عبد الله عزام لم يزد على هذا، وان كانت هذه العلاقة قد أثرت كثيرا في طريقة تفكير بن لادن في ما بعد الى أبعد مدى حتى ان عديدا من الأفكار التي كان يرددها عبد الله عزام في منتصف الثمانينات كانت هي نفسها التي رددها أسامة بن لادن بعده بوضوح وسعى الى تطبيقها واقعيا.

وفي بعض الأحيان كان أسامة بن لادن يبدو في نظر عبد الله عزام «قدوة يجب أن يتبعها الشباب»، وفي أحيان أخرى كان يبدو وكأنه «رجل لا نظير له»، وفي أحيان ثالثة كان يراه متبرعا خيرا جزاه الله خير الجزاء عما قدمه للجهاد الأفغاني.. لكنه أبدا لم يره الشخص القادر على أن يقود المسيرة من بعده. وان كان قد وصفه ذات مرة وصفا هائلا اعتاد أن يقوله في بعض الأحيان عن بعض الناس.. وهو «أسامة هذا أمة في رجل».

بشكل أو آخر كان هذا الشيخ الخبير يداعب مخيلات الشباب المجاهد حوله بمثل هذه الكلمات الحماسية، ومن المؤكد أن معاني الكلمات الرنانة لم تقف عند حد إلهاب الحماس، وانما هي أثرت كثيرا، في بعض الحالمين والساعين الى مجد زائف وسط مناخ مؤثر للغاية، ويمكن أن ندرك ونلمس هذا المعنى حين نراجع بعض ما كان يقوله الشيخ في كل وقت محركا لطموحات الأفغان العرب.. كان يقول: «هل الخليفة ينزل من السماء، الخليفة ينبت في الأرض. يأتي بعد الجهاد وما الى ذلك. الآن في أفغانستان قام جهاد خلال عشر سنوات برزت قيادات. وأحد من هذه القيادات سوف يصبح خليفة».

ويستمر الشيخ في تأكيد المعنى عدة مرات: ان شاء الله أنا أرى أن قضية أفغانستان مقبلة الى النصر وسوف تكون ان شاء الله بوابة للدولة الاسلامية، بعد النصر يتسلمها المجاهدون، أي واحد من القادة الكبار ان شاء الله. نحن نأمل أن يطبق الاسلام.. وتطبيق الاسلام لا يتم في سنة ولا في سنتين يحتاج الى سنوات طويلة تثقيف الشعب المسلم». «ان شاء الله تصبح أفغانستان دارا للاسلام.. وقاعدة صلبة.. ومنطلقا لعمل جهادي اسلامي في كل أنحاء العالم الاسلامي لتحريره من الكفار ان شاء الله».

كان عبد الله عزام يمدح كثيرين من الشباب العرب ويضرب بهم الأمثال والحكايات حتى يكسر حاجز الرهبة من السفر لدى من يخاطبهم ويدعوهم للجهاد، وحتى يحمس الآخرين الموجودين فعلا في أفغانستان.. وكمثال فان عبد الله عزام تحدث في الكويت عن شاب لبناني: «أبو عبد الله.. مهندس ميكانيكي» هو وزوجته يعيشان في أميركا.. ترك الدنيا.. وجاء الى أفغانستان.. وتفرغ للجهاد.. زوجته ابنة سفير في احدي الدول العربية.. يرضى أن يعيش على الفتات هناك في بيشاور.. وأرسلناه الى كابول حيث القذائف تنصب عليهم داخل الخندق».

مثل هذه الكلمات كان الشيخ عبد الله يبعثرها يمينا ويسارا، لكنه اصطفى بالاهتمام العلني ثلاثة أشخاص هم: وائل جليدان، وتميم العدناني، وأسامة بن لادن.

أما وائل فكان يقوم بدور محدد، باعتباره من قيادات هيئات الاغاثة الاسلامية في السعودية. وفي ما بعد ترك وائل جليدان أفغانستان وتابع عدة مهام مختلفة للاغاثة الاسلامية التابعة لمؤسسات سعودية في دول مختلفة أهمها البوسنة.

وأما تميم العدناني، الذي توفي اثر نوبة قلبية في الولايات المتحدة، فقد حظي باهتمام خاص من الشيخ عبد الله الى درجة أنه خصص له عدة مرثيات في أوقات متنوعة ومناسبات مختلفة، وبينها ما نشره عنه في كتاب «الطود الشامخ.. الشيخ تميم العدناني»، وقد قال عبد الله عزام في بدايته: «أحقاً قضى ذلك الليث بعد أن عاش بين الرصاص والمدافع وتحت وابل النيران أربع ساعات متواصلة بين فكي الموت في الثلاثين من رمضان 1407هـ طلبا للشهادة وتفوتك هناك في المأسدة».

وفيما يبدو فان الانتماء الفلسطيني هو الذي جعل من «تميم العدناني» شخصا قريبا الى قلب عبد الله عزام، وخاصة أنه ـ أي تميم ـ كان قد بدأ يقوم بمهام موازية للشيخ عزام على مستوى العالم، وفي اطار ما يقوم به الشيخ وليس بعيدا عنه. وقد ولد تميم في القدس عام 1942 أي أنه كان يصغر عزام بعام واحد. وهو من عائلة معروفة اذ كان جده خورشيد باشا والي القدس في عهد الدولة العثمانية. ثم سافر في معية أسرته الى سورية. ودرس السياسة في جامعة القاهرة. لكنه عاد وعمل مدرسا في مدرسة ثانوية بدلا من وظيفة دبلوماسية كان يحلم له بها أبوه. ثم سافر الى السعودية وتوظف في شركة بريطانية للطيران ما لبثت أن عملت في قاعدة الظهران الجوية. ومع نمو اتجاهات تميم الدينية أصبح اماما لمسجد القاعدة الجوية.. ومن هناك بدأ بدوره الترويج لقضية الجهاد الأفغاني وأصبح قبلة المتبرعين وصار يحمل الأموال الى الجهاد الأفغاني ويقضي اجازة سنوية تلو أخرى بين الأفغان.

هناك اذن تشابه كبير الى درجة ملموسة في سيرة عزام وتميم. ووصل الأمر من الثقة المتبادلة حد أن طلب عزام من تميم أن يتولى ادارة مكتب الخدمات فقبل وأصبح ظلا موازيا لعزام يطوف الأرض في اتجاهات مختلفة من كندا الي نيجيريا ومن أميركا وفنزويلا الى اليمن ومصر.

في حدود عام 1986 وقعت أشهر معركة شارك فيها الأفغان العرب ضد الروس، سموها «مأسدة الأنصار» وفيما بعد أطلق هذا الاسم على أحد أهم المعسكرات التابعة لتنظيم أسامة بن لادن.. وكان تميم مشاركا في هذه المعركة.. التي أفاض في الثناء عليها كثيرا عبد الله عزام نفسه ومضى يروي تفاصيلها على طريقة السيرة الهلالية.. وكان يشيد في كل مرة بالرجلين أسامة وتميم.

وفي حديثه عن هذه المعركة يفيض الشيخ عبد الله ثناء على أسامة بن محمد بن لادن: «أرجو الله أن يبارك هذا الشاب وأن يحفظه، ضغطه منخفض، مريض، لا يأكل، يحمل في جيبه هذا ملحا وفي جيبه الثاني «تنكة ماء» يذوب الملح، ويشرب ليرفع ضغطه، حتى يستطيع أن يظل واقفا». ويقول كذلك عنه: «الأخ أسامة بن لادن.. سبحان الله ربنا يحفظه. ويبارك فيه. هذا أمة في رجل فعلا».

مات عبد الله عزام.

ومات تميم العدناني.

وعاد وائل جليدان الى بلده.

وبقي أسامة بن لادن تداعبه كلمات المديح وأوصاف مهولة، ويحاول أن يقوم بما يتصور أنه دوره من أجل الأمة التي وضعت في رجل.. كما قال عنه داعيته ومرشده عبد الله عزام.

دورات تدريبية أقوى من كلمات المديح الشخصي كانت أفكار ورؤى عبد الله عزام مؤثرة تماما في عقيدة هؤلاء الشباب من الأفغان العرب.. وتثبت مراجعة دقيقة لما كان يقوله فيهم وبينهم وحولهم أن نفس تلك الأفكار هي التي صاروا يرددونها في ما بعد ذلك بسنوات.. وأن ما كان يخطب به وعنه عبد الله عزام هو الذي أصبح منهج ورؤية تنظيم «القاعدة» الحالم بانشاء الخلافة الاسلامية واستعادة ما يسمى بالأراضي الاسلامية السليبة من أيدي الكفار.

لقد كان عبد الله عزام يقيم ما يشبه الدورات الفكرية غير المنظمة لهؤلاء في المسجد التابع لمكتب خدمات المجاهدين، وفي هذه الدورات كان يلقي خطبا على أيام متوالية.. يمزج فيها بأسلوبه الساحر بين الأفكار والنصائح والعظات والتوعية، ومثل ذلك ما قام بالقائه من دروس حول «الهجرة والاعداد» في بيشاور في جمع من الأفغان العرب على مدى أربعة أيام متواصلة.. أظنه أنه هو الأساس الواضح الذي بنى عليه في ما بعد «عبد القادر عبد العزيز» أحد قادة ومفكري تنظيم الجهاد المصري البارزين ـ كتابه الرصين والمسهب ـ مع اختلافنا معه «العمدة في اعداد العدة».

في هذه الخطب رسخ عبد الله عزام في عقول تلاميذه فكرة الهجرة: «طريق الهجرة طريق الى الجنة.. طريق الى الشهادة.. طريق الى الخير.. طريق الى الرزق والعزة». وهي «الخطوة الأولى التي لا بد منها من خطوات الجهاد».. وهي مستمرة «لأنه ما دام هناك قتال بين المسلمين والكفار لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تخرج الشمس من مغربها».. وهي كذلك في رأيه: «اعلان صريح عن التصميم على السير في سبيل الله، واشعار عام وإيذان كبير على أن النفس البشرية بدأت تتحرر من الدنيا.. ترك الأهل.. ترك الوظيفة.. ترك الجامعة.. ترك الأرض التي ولدت فيها».

لقد كانت هناك مشكلة اجتماعية أكيدة بين أولئك الشباب الذين سافروا الى أفغانستان.. وهي أن كثيرا منهم في البداية لم يكن مطاردا من أية أجهزة أمنية في بلده، وانما سافر طواعية، وكان لكل من هؤلاء حياته، وارتباطاته، وبالتالي هم عاشوا صراعا داخليا بين شعورهم الديني واحساسهم بالانتماء الى مجتمعات أخرى يشعرون بالحنين اليها.. وكان لا بد من مقاومة هذا الحنين بأكثر من أسلوب:

ـ اقناع هؤلاء بحتمية الجهاد.

ـ اقناعهم والتأكيد المستمر على ذلك أن الدفاع عن كل أراضي المسلمين واجب على كل مسلم.

ـ اقناعهم بمزايا الاستشهاد.

ـ تكفير المجتمعات التي كانوا يعيشون فيها واقناعهم بأنه لا بد من انشاء دار الاسلام.

ـ حتمية الهجرة.

ومن هنا كان عبد الله عزام يقول: «الهجرة الأولى الواجبة هي الهجرة من دار الكفر الى دار الاسلام، وهي لاقامة دين الله عز وجل.. الهجرة لاقامة الشعائر.. اذا لم تستطع أن تعبد الله في أي أرض يجب أن تتركها الى أي أرض أخرى.. وان كنت مولودا في هذه الأرض ولك وظيفة كبرى، وان كان دخلك كبيرا». وكان يضيف موجها خطابه الى هؤلاء العرب: «ان لم تهاجر اليوم أنت ميت غدا.. وسيحاسبك الله ويسألك.. ما الذي منعك من الهجرة.. لماذا بقيت تحت حكم فلان او فلان.. الوظيفة الأساسية لك ليست أنك معلم أو ضابط أو طبيب... وظيفتك الأساسية أنك عبد الله».

وهناك نوع ثان من الهجرة، كما يقول عزام، وهو «هجر دار الفجور والفسوق». ويتحدث عزام عن مصر: «الآن في مصر، في كل سنة يعقدون محاكمات على التلفزيون لمجموعات كبيرة من الشباب.. ما هي جريمتهم.. جريمتهم أنهم من تنظيم الجهاد.. أصبح الجهاد جريمة». ولا يقف الأمر عند الدول العربية بل ان الأمر يمتد الى غيرها: «لا يجوز العيش في مكان لا تستطيع فيه أن تعبد الله. الحياة في الدول الأوروبية والغربية.. بلاد مشركين.. يجب أن تهجرها.. مجتمعات فاسدة لا تعيش فيها».

وفي ما بعد سوف يكون هذا هو رأي أسامة بن لادن ومن حوله، بل ان هناك من أفتى أنه يجوز قتل المسلمين في بلاد الشرك.. اذ ما الذي أبقاهم هناك؟

اذن ما الحل الذي يقدمه عزام؟

«تعال الى أفغانستان، تعال جاهد في سبيل الله، لا يجوز أن تموت في تلك الأرض مستضعفا، والمستضعف الى جهنم».

ولا يقف الأمر عند الهجرة، وانما هناك مرحلة أخرى وهي الاعداد: «القوة والرمي والاعداد الجسدي والروحي وتربية الخيول». فالجهاد «يحتاج الى نفوس تحتمله.. كيف يمكن أن تستمر في طريق الجهاد بدون اعداد». وبعد الاعداد هناك مرحلتان هما «الرباط» ثم «القتال».. وهو يقول: «يوم في الرباط ـ الحالة وليس المدينة ـ خير من القاهرة وما فيها.. أجر المرابط اليوم بألف يوم.. واليوم خير من الدنيا وما فيها».

وفي ما بعد سوف نرى أن أفغانستان صارت بالنسبة لهؤلاء مكانا للرباط والانتظار والاستعداد حتى يتم القتال، وليس غريبا أن تعتبر قاعدة للانطلاق، وهي قاعدة ليست بالمفهوم العسكري فقط وانما باعتبارها منصة الانطلاق الى اكتمال عملية الجهاد.. وفي ما بعد فان الجماعة الاسلامية المصرية سوف تصدر مجلة اسمها «المرابطون».. مرابطون هناك حتى يبدأون القتال.. وهكذا.

الإرهاب.. فرض في نفس السياق لم أعجب حين أدركت من خلال قراءة متفحصة لأدبيات عبد الله عزام أنه هو الذي وضع البذرة الأولى لكل فكرة قال بها من حاولوا اقامة دولة الخلافة الاسلامية في أفغانستان. وحين أدهشني أن يتحدث أسامة بن لادن في ما بعد عام 2000 عن نوعين من الارهاب: نوع حميد مطلوب، ونوع خبيث مرفوض ذابت الدهشة حين وجدت أن عبد الله عزام نفسه قال ذلك: «الارهاب فرض.. ونقول نحن ارهابيين.. كل مسلم يجب أن يكون ارهابيا.. الارهاب فريضة بنص الكتاب والسنة.. والآية 60 من سورة الأنفال تقول: «ترهبون به عدو الله وعدوكم» ارهاب أعداء الله فريضة ورسول الله أول ارهابي وأول مرعب.. والذي لا يرعب أعداء الله ليس على طريق الاسلام الحق».

وفي ما بعد اعتبر أسامة بن لادن أن كل أميركي يجب أن يحارب.. لأنه يدعم دولته ويدعم اسرائيل بالمال.. وقد كان ذلك ما قاله كذلك عبد الله عزام من قبله: «هؤلاء محاربون، محاربون لأنهم يمدون اسرائيل بالمال، فهم محاربون بمالهم». وقد سئل عبد الله عزام: «رجل يدفع تبرعات لليهود هل يجوز قتله؟»، فأجاب: «اذا كنت تعلم أنه متعاون بماله مع اليهود يجب قتله». لكن عبد الله عزام لم يطلق هذه الفتوى على عواهنها بل أضاف: «اما أن يعملها أو لا يعملها فهذا حسب المصلحة.. ضررها الآن أكثر من نفعها.. وهذه يقدرها الشباب المسلم». وربما نفهم مبرر هذا الشرط الذي أوقف به عبد الله عزام فتواه تلك اذا ما علمنا أنه أجاب عن هذا السؤال في أحد مساجد كاليفورنيا عام 1988 .

ويمتد أمر التطابق الفكري بوضوح حين نقرأ كلام عبد الله عزام عن جواز قتل المسلمين أثناء ممارسة عملية الجهاد ضد الكفار، فقد قال عبد الله عزام بالنص في الكويت: «أجمع الفقهاء على أنه اذا كانت هناك مجموعة أسرى من الصالحين المسلمين مع الكافرين وتمترس الكفار بهم ـ أي وضعوا المسلمين متاريس لحماية أنفسهم ـ وأن هؤلاء الأسرى من الذين يقومون الليل ويصومون النهار لكن الجيش الكافر يختبئ وراءهم، يجوز أن نقتل المسلمين حتى نصل الى الكافرين لأن حفظ الأمة بكاملها أفضل من هلاك بعضها، ولذلك مسألة التمترس هذه مسألة مجمع عليها من الفقهاء نص عليها ابن تيمية، وكل العلماء الحنفية والحنبلية والشافعية والمالكية.. على أنه اذا تمترس المسلمون بالمسلمين لا يجوز قتلهم أو تمترس أطفال الكافرين بأطفال الكافرين لا يجوز قتلهم، أو بالنساء اللاتي لا يقاتلن لا يجوز قتلهن.. يجوز أن نضربهم.. وننوي ألا نريد قتل المسلمين.. فتوى قتل واهلاك الجيش الكافر».

لقد أصدر عزام هذه الفتوى حين كانت مشكلة المسلمين الموجودين في كابل تمنع المجاهدين من أن يكملوا طريقهم العسكري نحوها، ولكنه في نفس الوقت وضع البذرة الأساسية للعقيدة التي بنيت على أساسها عمليات ارهابية أخرى خارج أفغانستان ضد المسلمين قام بها الأفغان العرب من دون أن يعبأوا أو يهتموا بالضحايا المسلمين.

ولا يكتمل هذا المعنى الا بانتباهنا لنقطة أخرى مهمة وهي مسألة «العذر بالجهل».. وهي نقطة مثيرة للجدل، وربما أدت الى انشقاقات وخلافات عميقة بين جماعات التطرف في دول مختلفة، وتقوم هذه المسألة على سؤال أساسي هو: هل يعذر الجاهل فلا يقتل.. هل المواطن العادي الذي لا يعرف شيئا عن الجهاد والتكفير يجوز قتله.. أم يعذر لأنه لا يعرف؟ وبالتالي هل عسكري الدرك المصري الذي يحرس كنيسة ولا يعرف أفكار تلك الجماعات يجوز قتله أم لا؟ الجماعات المتطرفة أجابت عن هذا السؤال باطلاق النار. اذ رأت أنه لا عذر لجاهل.. وبعضها أفتى بالعكس، لكن عبد الله عزام في باكستان وأفغانستان أفتى بالاجابة الأولى فقال: «الذين يقفون مع نجيب ـ يقصد نجيب الله حاكم أفغانستان الذي تمرد عليه المجاهدون ـ مسلمين أو غير مسلمين يجوز قتلهم. خذ مني شرعا.. كل من وقف وراء الحزب الحاكم الشيوعي يجوز قتله.. جهلة أو غير جهلة».

الخلافة.. فرض لكن النقطة الأهم في تأثير عبد الله عزام في أولئك الأفغان العرب كانت أساسا هي ترويجه لفكرة انشاء الخلافة الاسلامية.. فهذه هي النقطة التي تم تطبيقها حرفيا في ما بعد موته.. وان كان المنظرون والمفكرون المؤسسون لآراء ونظريات تنظيمات الأفغان العرب وأبرزها تنظيم «القاعدة»، لم يقولوا ان هذا منقول عن عبد الله عزام.

لقد سئل عبد الله عزام: «كيف نعمل على فكرة صنع العالم الاسلامي وتحقيق الخلافة على وجه الأرض.. هل هذا ممكن.. أم أنه أحلام؟». فأجاب: اقامة الخلافة في الأرض واجب شرعي على الأمة.. وانما «لا يكلف الله نفسا الا ما آتاها» و«لا يكلف الله نفسا الا وسعها».. والله عز وجل جعل اقامة هذا الدين واجبا على أعناق البشر. فاذا عملوا بموجب الكتاب والسنة وصلحت عقيدتهم للتوحيد وأحسنوا عبادتهم، وعرفوا أعداءهم واتضحت عندهم عقيدة الولاء والبراء فوالوا أولياء الله وعادوا أعداء الله، فهذا يمكن ان شاء الله ـ أي اقامة الخلافة ـ اذا اتفقوا أو قامت مجموعة من الناس وجاهدت على هذا التفكير الاسلامي الواضح.. فان الله ينصرهم».

وأضاف: «الوصول الى الخلافة طريقه هو الطريق الذي سلكه النبي صلي الله عليه وسلم، قيام رجل يدعو الى الاصلاح على أساس من عقيدة صحيحة وفكر سليم يجمع الناس.. تواجههم الجاهلية.. تقوم هذه المعركة الكلامية بين هذه الجماعة وبين الجاهلية من حولها.. ثم مع الأيام يثبت من يثبت ويسقط من يسقط.. ثم تشعل هذه الجماعة الجهاد ضد أعداء الله، وتنتصر وتتقدم من موقع الى موقع.. وتحتل مواقع الجاهلية موقعا بعد موقع.. وينصرها الله ويمكن لها في الأرض». ان هذا السيناريو السياسي الديني الذي وضعه عبد الله عزام مستوحى بالطبع من المراحل التاريخية التي مرت بها دعوة الاسلام بداية من النبي محمد صلى الله عليه وسلم.. لكن أسامة بن لادن كان قد تقمص بالفعل دورا مشابها في ما بعد.. تأثرا بزخم كبير أهمه بالتأكيد كلام مرشده الروحي عبد الله عزام.

ومن السيناريو يتضح أن «الأب الروحي» كان بالفعل قد وضع مجموعة من الشروط المتنوعة لاقامة الخلافة الاسلامية، خاصة أنه استعان من البداية بالآية الكريمة التي تقول «لا يكلف الله نفسا الا وسعها».. واشترط صلاحية العقيدة، وانكشاف الأولياء والأعداء، واتفاق جماعة من الناس على بداية الجهاد، ثم الدعوة للاصلاح.. وبعدها المعركة الكلامية، ثم القتال، لكن الأفغان العرب رأوا بعد ذلك أنهم قد حققوا كل الشروط وأن عليهم الانطلاق من أفغانستان لاقامة الخلافة.

وعموما فان هذه الشروط التي كان يضعها الشيخ عزام لم تكن كافية لتخفيف حدة حماس الشباب القادم من بلاده على لهيب من العنف ويريد أن يجاهد ليس فقط لتحرير أفغانستان، وانما لما بعدها. وبالتالي كان عزام يضطر الى أن يستمر في مداعبة أحلامهم.. حتى يبقي جذوة حماسهم مشتعلة.. هكذا كان يطارد دائما بالسؤال: هل ترى أن أفغانستان بعد التحرير ان شاء الله تكون بابا للخلافة الاسلامية في الأرض أو مركزا للتدريب الجهادي لأبناء هذه الأمة.. وهل من المتوقع أن يتوسع الجهاد الأفغاني خارج الحدود الأفغانية؟

وكان عزام يجيب: ان شاء الله أرى أن قضية أفغانستان مقبلة على النصر وانها ان شاء الله سوف تكون بوابة الدولة الاسلامية بعد النصر.. الخ، الاجابة المذكورة في بداية هذا الفصل.

لكن الشيخ الراحل كان يتجاوز أحيانا حماس الشباب الذين يتبعونه، لا سيما في أواخر أيامه، وقبل أن يتم اغتياله، خصوصا حين أدرك أن العالم الغربي والولايات المتحدة يسحبان بساط الدعم من تحت أقدام القضية الأفغانية: ان الاتفاق العالمي على أننا لا نسمح أن يكون هناك حاكم مسلم في العالم أبدا.. لن يسمحوا أبدا بقيام دولة اسلامية.. لن يسمحوا بقيام الخلافة أبدا.. لكن «والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون».

وحين يصل عزام الى هذه النقطة كان يسأل: ولكن ليس عندنا دولة تؤيد الجهاد؟ وكان يمضي في طريقه بلا توقف: «لا نريد دولة تؤيد الجهاد، نحن سنجبر العالم على الاعتراف بنا، لا نريد اعترافهم، اذا اعترفوا أهلا وسهلا، واذا لم يعترفوا نحن لسنا في حاجة الى أحد، نحن نضع أرواحنا على أكفنا، نقاتل.. ننتصر على أعدائنا.. نقيم الاسلام على بقعة أرض مثل أفغانستان.. أفغانستان ستتوسع. الجهاد سوف ينتشر.

سيحارب الاسلام في مناطق أخرى. سيحارب الاسلام اليهود في فلسطين. وينشئ دولة اسلامية في أفغانستان. ثم بعد فترة تتقارب الدول وتتحد وتقوم دولة اسلامية رغم أنف العالم. لأن الله عز وجل تكفل بالنصر».

ثم مضى مع الأحلام وقال لسائله: سوف تفتح روما. وسوف تكون أنت حاكم روما.. ولا تستبعد هذا الآن الحضارة الغربية متفسخة. لا يوجد هناك شيء عند العالم الغربي يقدمونه للعالم، عندهم طائرات، عندهم حرب ذرية، عندهم حرب جرثومية، لكن ليس عندهم قيم ومثل ومبادئ، نحن الذين نملك هذا.

ان هذا بالضبط هو الكلام الذي جرى على ألسنة أسامة بن لادن والأفغان العرب.. وقد تحول هذا الكلام الى عقيدة ومنهج.. وخطط. وبدأوا بالفعل التنفيذ. وكان صاحب كل هذه الأفكار هو عبد الله عزام.. الذي ما لبث أن قتل حين انتهى دوره سواء كان يعرفه ـ هذا الدور ـ أو لا يعرفه.

التعليقات

برجاء تسجيل الدخول حتى تستطيع التعليق
عنوان التعليق
التعليق
  • سوف يحتاج التعليق إلى موافقة المحرر قبل نشره
  • Design and Development by Microtech