مؤلفات عبدالله كمال‬ > عبدالله عزام - الحلقه ٣:الرجال قبل المال
23 يونيو 2011 8:34 م
-

نشرت هذه الحلقات في مايو ٢٠٠٢ بجريده الشرق الاوسط 

   كانت لدى عبد الله عزام استراتيجية محددة، لا استطيع أن أجزم بأنها كانت مرسومة في اطار خططي واضح ومحدود، ولكن يمكن أن نقول بصدق إنها كانت استراتيجية عفوية وفطرية قومتها التجربة، الأساس الأصيل لهذه الاستراتيجية كان هو فتواه الأشهر «الجهاد أهم فروض الأعيان». وكان هدفه المعلن من الفتوى هو جمع أكبر قدر من المال والرجال.

وقد سرت الفتوى كالنار في «الهشيم»، لا سيما في كثير من دول الخليج.. وخاصة أن مدناً عديدة في الجزيرة العربية كانت محطات رئيسية في رحلات عبد الله عزام المكوكية والمتواصلة من أجل تحقيق غرضه. وعلى الرغم من أن عبد الله عزام نجح الى حد بعيد في اجتذاب عدد كبير من شباب الخليج الى أفغانستان الا أنه يحسب كذلك للخليج ولعلماء الدين فيه أنهم كانوا أول من اعاد تقييم هذه العملية التي كان يقوم بها. بل ان هذا جرى في وقت مبكر للغاية وبالتحديد في عام 1986.

 في هذه الاثناء، كان «أبو عبد الرحمن» وهو (سعودي أفغاني) اسمه الأصلي حسن بن عبد ربه السريحي، واحدا من أبرز تلاميذ الشيخ الراحل بن عثيمين، وكان بن عثيمين قد ايد فتوى عزام، وبحكم أنه أبو عبد الرحمن الأكبر سنا بين تلاميذ شيخه طلب منه بن عثيمين أن يذهب الى أفغانستان ويستوضح الأوضاع ويقف على الحقائق، وأن يلتقي المسؤولين عن الجهاد، ليتبين للشيخ بن عثيمين ما هي طبيعة الموقف.. وسط لغط رهيب بين بعض الشباب السعودي حول حتمية الجهاد في أفغانستان. وفق هذا اخضعت الهالة التي صنعها عبد الله عزام للتعتيم، ومن عجب أن هذا الحدث الهام لم يشر اليه أي من العرب الأفغان في أي مرة تحدثوا فيها عن عزام، وقد روى السريحي ما جرى في حوار سابق نشرته جريدة «الشرق الأوسط» في تشرين الثاني (نوفمبر) 2001، من الضروري هنا أن نستند اليه ليس فقط لأنه المصدر الوحيد حول ذلك، ولكن أيضا لأن الوقائع موثقة وهي ذات دلالات مهمة.

لقد سافر «أبو عبد الرحمن» من السعودية الى بيشاور. وفي المطار وجد شابا عربيا في انتظاره دونما اتفاق، اذ على ما يبدو فان هذا كان دور مندوبي مكتب خدمات الجهاد الذي اسسه عبد الله عزام، ورحب المندوب بأبي عبد الرحمن بمجرد ادراكه لملامحه العربية، وقال له: هل ترغب في لقاء أحد أمراء الجهاد؟، فأجابه الوافد الجديد بالايجاب، وأخذه المندوب الى مكتب خدمات المجاهدين. فلما لم يجد «أبو عبد الرحمن» عبد الله عزام طلب لقاء أحد قادة الجهاد الأفغاني، فأخذوه الى مقر الجمعية الاسلامية التي يتزعمها برهان الدين رباني ولم يجده وقالوا له انه سوف يعود بعد أسبوع. في صباح اليوم التالي اتجه أبو عبد الرحمن الى أفغانستان، وأقام شهرا كاملا بين المجاهدين الأفغان، وفوجئ بأن الأفغان توقعوا أنه مندوب احدى الجهات الاغاثية وأنه يمكن أن يقدم لهم المساعدة.

 وحاولت كل فئة ـ حسب روايته ـ أن تستميله لتظفر بحصيلة أكبر من التبرعات، وحين عاد الى بيشاور التقى رباني وقال له انه مبعوث الشيخ بن عثيمين وأطلعه على ردود فعل الفتوى التي أصدرها ويوزعها عزام بين الشباب في السعودية، فقال له رباني: أنت جئت الى هنا، وشاهدت الأفغان، وهم كثيرون، لهذا نحن لسنا في حاجة الى المزيد من المجاهدين، الذي نحتاجه فقط هو تجهيز المجاهدين من الأفغان «اننا في أمس الحاجة الى المواد الاغاثية والاعانات المادية أكثر من أي شيء آخر». اكتفى «أبو عبد الرحمن» بهذا اللقاء، وعاد الى السعودية، حيث التقى شيخه الذي أرسله في مسجد طيني في منطقة عنيزة، وفيما يبدو فان الشيخ بن عثيمين أدرك أنه مقبل على أمر خطير، ولذا وضع مسجلا للصوت أمام أبي عبد الرحمن، وفي حضور تلميذ آخر. أدلى العائد من أفغانستان بشهادته، ثم حين انتهى أجاب على مجموعة من الأسئلة التي طرحها عليه الشيخ.. وبعدها أفتى بن عثيمين بأنه «لا ينبغي للشباب أن يذهبوا للجهاد وانما العمل على مد يد العون والمساعدة لاخوانهم عن طريق الهيئات الاغاثية وأن يتفرغ الشباب لطلب العلم».

 وتم تداول الشريط، وراج بين عدد كبير من الشباب السعودي، وكانت النتيجة أن واجه «أبو عبد الرحمن» حملة قاسية من شباب آخرين تتهمه بتضليل الشيخ بن عثيمين، وأنه بالتالي يعمل على التقاعس عن فريضة الجهاد في أفغانستان، وكان التيار جارفا، والخطب تلقى دعما للجهاد في أفغانستان ليس فقط في كل المساجد السعودية تأثرا بما قال وأفتى عزام وانما أيضا في داخل الحرمين الشريفين..

وما كان من «أبو عبد الرحمن» الذي لم يقو بالطبع على صد الحملة الا أن ذهب لشيخه طالبا النصيحة فقال له: «ما عليك لاخراس الألسنة الا أن تفعل مثل هؤلاء الذين لا يعرفون مصلحة أنفسهم وتعود الى أفغانستان وتلتقي قادة آخرين غير رباني، ثم تعود الى المملكة لتخرس هذه الألسنة». لم تنته القصة بعد. ذلك أن حسن بن عبد ربه السريحي عاد الى أفغانستان في عام 1987 وهو يقول: «عندما أردت حجز تذكرة وجدت جموعا قد سبقوني وحجزوا للسفر الى اسلام اباد، كان معي على نفس الرحلة نحو 20 شابا سعوديا، من مختلف المدن، وفي بعض الأحيان كان الرقم يصل الى 75 شابا في كل رحلة، أي نحو 225 شابا كل أسبوع.. ففي الأسبوع ثلاث رحلات». في بيشاور، وبعد عام من الرحلة الأولى، لم يكن هناك فرد واحد للاستقبال، كانت هناك وجوه عديدة مهمتها تخليص الاجراءات وتيسير عملية الوصول. حين التقاه كان عبد الله عزام يخطب في جمع من الشباب، ثم توجه الى أبي عبد الرحمن سائلا: ما هو اسمك؟ ومن أنت؟ فأجاب: أبو عبد الرحمن، فرد عليه الشيخ: لدينا هنا كثيرون يسمون «أبو عبد الرحمن»، قلت له: هذا هو لقبي منذ الصغر، فقال الشيخ عبد الله: لا.. لا بد أن تغير لقبك.. ورد السعودي المتبرم: لا.. لن أغير لقبي.

كان في معية أبو عبد الرحمن من يعرفونه، لأنهم من حيث أتى من مكة المكرمة، ولذا فان الشيخ عبد الله قال في هذه اللحظات: اذا أردتم أن تبقوا هنا أهلا وسهلا.. واذا أردتم غير ذلك فهذا يرجع لكم. وتحرك السعوديون الواقفون مع أبي عبد الرحمن الذي كان قد أعلن عن رغبته في الاتجاه الى القتال بسرعة، ردا على الهجوم الذي تعرض له في بلده، وحين انسحب الشباب كان رد فعل الشيخ ـ حسب رواية أبي عبد الرحمن ـ غاضبا، اذ رفع صوته قائلا: «هذا لا يجوز. اذا كنت لا ترغب في الجلوس معنا.. على الأقل أقنع هؤلاء الشباب بأن يبقوا للتدريب.. لا أن يذهبوا كلهم معك». وخسر الشيخ عبد الله هذه المجموعة من الرجال. استراتيجية عزام لهذه القصة أكثر من دلالة، كانت هي الهدف من أن نرويها وهي:

ـ كانت قد بدأت بالفعل فيما بعد منتصف الثمانينيات مراجعة خجولة للفتوى التي قال بها عبد الله عزام. ـ رغم هذه المراجعة الا أن الشيخ عزام كان قد بدأ يحصد بالفعل ثمار سنوات طويلة من الحملة الدعائية المكثفة لصالح «الجهاد الأفغاني».. وكانت أفواج الشباب تتوالى على بيشاور. ـ أنه ـ أي عزام ـ كان حريصا كل الحرص على أن يبقى في معيته أكبر عدد من المجاهدين العرب الى درجة توفير مندوبين للاستقبال وتنمية مكتبه لخدمات المجاهدين واعداده معسكرا للتدريب البدني والعسكري والاعداد الروحي.

 وبالتالي فان دعوته لم تكن من أجل الجهاد على اطلاقه، وانما كانت هناك أهداف أبعد بالتأكيد. اذ كان له أن يتوقف عند حدود العمل الدعوي لكنه نقل الأمر الى المستوى التنظيمي والتدريبي.. ووصل به الأمر الى حد الغضب اذا فقد عددا من الرجال جاؤوا تلبية لفتواه ولكنهم لا يريدون أن يجاهدوا في اطاره. لقد كانت الانتقادات الموجهة اليه خصوصا والى الجهاد الأفغاني عموما قد بدأت.. وفي خضم «الدعوة العزامية» المكثفة والمثمرة «مالا ورجالا» كانت تتم لعبد الله عزام محاسبة شفوية دائمة، لكنه اتبع ردا على ذلك استراتيجية ذات هدفين هما: تجاوز الانتقادات أولا، وزيادة الحصيلة من المال والرجال ثانيا. ويمكن شرح الخطوط العريضة لهذه الاستراتيجية في ما يلي:

ـ التأكيد المستمر على حتمية الجهاد، ودعم ذلك بفتواه التي تقول ان «تارك الجهاد كتارك الصلاة والصوم» على أو مع نطاق، ومعها فتوى «الدفاع عن أراضي المسلمين أهم فروض الأعيان».. ولأن هذا المعنى قد يؤدي الى قيام الشباب بالاتجاه الى أماكن عديدة للجهاد فانه كان يتحدث كثيرا عن حتمية الجهاد في أفغانستان أولا.. وقبل فلسطين.. فضلا عن أنه خشي أن يبتعد الشباب عن يديه فكان يروج فتوى ثالثة عنوانها «حتمية العمل في جامعة».. ثم حين كان يصل الراغب في الجهاد الى باكستان كان يتلقفه مندوب عزام في لحظة الوصول. ـ

النقطة الثانية في هذه الاستراتيجية العزامية هي القيام برحلات مكوكية متواصلة للدعوة للجهاد.. والحديث عن انجازاته مع التأكيد على مرارة الواقع الأفغاني اجتذابا لمزيد من التبرعات. يقول عبد الله عزام «أنشأنا مكتبا للخدمات. يعني أننا خدم للجهاد.. أشعر فعلا أن خدمة المجاهدين عبادة لله عز وجل.. نحن نتشرف أن نحمل أحذيتهم ونوصلها لهم.. أنشأنا 200 مدرسة داخل أفغانستان.. ندفع مما نجمعه رواتب الأساتذة.. وأدخلنا في العام الماضي 450 ألف كتاب دراسي.. وفي الأشهر الثلاثة الماضية طبعنا 160 ألف كتاب.. وأنشأنا قسماً للترجمة لتعديل أفكارهم ـ يقصد الأفغان ـ نطبع رسالتين في الشهر ـ خمسة عشر ألفا بلغة البشتو وخمسة عشر ألفا غيرها بالفارسي.. وندخلها الى أفغانستان.. وزعنا أكثر من خمسين ألف مصحف صغير.. ومائة ألف مصحف كبير.. ونأتي بالمجاهدين في دورات تدريبية لمدة شهر.. يأكلون ويشربون وينامون في مركز فيه فيديو وأجهزة أخرى. ثم نعيد كل واحد الى جبهته.. ونصدر مجلة الجهاد.. نطبع منها ثلاثين ألف نسخة في الشهر.. ونصدر نشرة «لهيب المعركة» أسبوعيا.. خمسة آلاف نسخة لكل أسبوع.. نطبع الكتب التي تهتم بالجهاد الأفغاني.. وأنشأنا قسما للصوتيات لنشر الفكر الجهادي».

 ويعني هذا الكلام أن عبد الله عزام كان يدير مؤسسة، ليس مفهوما لماذا حرص على انشائها بهذا الحجم الضخم الأقرب للطبيعة العسكرية بينما كانت هناك هيئات اغاثية واسلامية تقوم بالفعل بالعمل هناك، الا أنه في أوقات أخرى كان يتحدث كذلك عن شراء السلاح والذخائر من القبائل على الحدود بين باكستان وأفغانستان، وفي هذا السياق لا يمكن ادراك حجم ما جمع عبد الله عزام من تبرعات لتمويل عملياته تلك، لكن المؤكد أنه كان يجمع أموالا طائلة.

في احدى الرحلات الى الولايات المتحدة، وبعد أن اهتم بافتتاح فرع لمكتب خدمات الجهاد في نيويورك، قال لعدد كبير من الحضور: «فتحنا حسابا في «اندباندس بنك» والأخ مصطفى شلبي هو مسئول المكتب الرئيسي.. وسنفتح فرعا في واشنطن باذن الله. وهناك حساب في اسلام أباد في «بنك أوف أمريكا».. وجدناه أدق البنوك.. لأن بعض البنوك قد تتلاعب بالأموال اذا لم نتابعها. أي واحد يرسل شيكا لا بد وأن يكتب رقم الحساب ويكتب اسمي ويرسله في رسالة مسجلة على مجلة الجهاد في بيشاور.. والرسائل التي تأتيني يتسلمها الشيخ تميم العدناني مدير مكتب الخدمات، وأي رسالة فيها شيك يكتب ايصال لصاحبها مباشرة ويرسله اليه، أي واحد أرسل شيكا لنا ولم يصله ايصال فمعنى ذلك أن الشيك لم يصل، احيانا الشيك قد يسرقه أهل البريد». في سياق التمويل كان عبد الله عزام كذلك يهتم للغاية بدول الخليج والسعودية تحديدا، وفي هذا الاطار كان يعمد الى أكثر من أمر:

أ ـ امتداح السعودية والجزيرة بالتحديد لجزيل عطائها، باعتبار أنها أقوى مصادر المال والرجال: «شعب الجزيرة جزاهم الله خيرا هم أكثر شعب قدموا الجهاد الأفغاني». ب ـ وكان عزام يعمد كذلك الى خلق حالة من التنافس بين الدول والشعوب لكي يحصل على تبرعات أكثر.. وفي هذا قال مثلا: «يعني الشعب السعودي والشعب الكويتي ثم الامارات، الكويت قدموا ناس أكثر.. أما بالنسبة للأموال فهي جاءت أكثر من السعودية.. أكثر بكثير مما جاء من الكويت».

 وقد يصل الأمر الى حد التقريظ ففي قلب الكويت قال: «الكويت كشعب قدمت.. أما الحكومة فنرجو الله عز وجل أن يهديها.. لأن السعودية تساعد المجاهدين والكويت تساعد روسيا.. الكويت دفعت 250 مليون دولار لروسيا بعد مؤتمر القمة وأقامت خط طيران مباشراً بين الكويت وكابول.. أما الشعب الكويتي فجزاه الله خيرا» ثم يضيف: «الشعب السعودي قدم الكثير.. التجار يأتون هناك.. يقيمون المؤسسات، يقدمون أموالا ضخمة.. وهناك الهلال الأحمر السعودي، ولجنة الاغاثة الشعبية التي يرأسها سلمان بن عبد العزيز حوالي مائة مليون ريال تنفق سنويا على المجاهدين والمهاجرين وهناك الدعم الحكومي يزيد أضعافا عن هذا».

ج ـ كان عبد الله عزام يعمد كذلك الى الاعلاء من شأن الأثرياء المتبرعين، باعتبارهم قدوة: «أحد المحسنين من الذين يعيشون الجهاد بأنفسهم الأخ أسامة بن محمد لادن صاحب أكبر شركة في الشرق الأوسط قد جاء بنفسه وماله في سبيل الله.. يتكفل بالشباب وتذاكرهم وكفالة أسرهم واستئجار مساكنهم وتنقلاتهم وطعامهم وشرابهم.. وهو في خط النار الأول وأهل جلال أباد يسمونه خالد بن الوليد» ثم يقول: «واحد مثل أسامة بن لادن ومثل وائل جليدان، ومثل فلان من عائلات كبرى في السعودية يعيشون على فتات الخبز وتحت نيران القذائف». وجه المعركة ولا تقف خطوط «الاستراتيجية العزامية» لجمع المال والرجال عند هذا الحد بل انها تمتد الى ما يلي:

ـ التأكيد على أهمية أن الرجال أهم من المال، وحتمية سفر المجاهدين الى هناك: «نحن نريد على الأقل من كل مائة ألف شخص نريد فردا، لو جاءنا عشرة آلاف سوف يغيرون وجه المعركة، خاصة العرب الذين لهم مكانة عظيمة في نفوس الأفغان.. حاجتهم الى الرجال أشد.. ونحن نقول هذه عبادة ويجب على الناس أن يعبدوا الله هذه العبادة». ويختلف هذا بالطبع مع ما قاله رباني الذي أكد له أن أفغانستان ليست في حاجة الى رجال. ـ كان عبد الله عزام يعمد الى التهويل من قيمة ما يقوم به المجاهدون الأفغان، ويخلط بين دورهم ودور المجاهدين العرب تحفيزا لمن يسمعوه بأن هناك نتائج ملموسة لما سيقومون به..

لقد كان يؤكد على أنها معركة صعبة ولكنه كان في نفس الوقت يؤكد على أن هناك ثماراً للانتصار.. وقد وصل به الأمر في هذا السياق حد الحديث عن أرقام متخيلة للخسائر السوفياتية كان يقول: «في الفترة من 15 شباط (فبراير) حتى 1 ايلول (سبتمبر) ـ بدون أن يظهر تحديداً للتاريخ في الأصل ـ أسقطوا ودمروا 215 طائرة، و260 دبابة، و2156 ناقلة وسيارة، و1485 مدفعا و25 ألف قتيل، بالاضافة الى النفقات اليومية على القوات الشيوعية في كابل وهي 7 ملايين دولار يوميا».

وبالطبع فان أحدا لم يكن يستوقف الشيخ عبد الله ويسأله كيف يحدث هذا في ستة أشهر فقط.. وبالتالي كان يمضي في اتجاه ترويج نفس المعنى: «لقد خسرت روسيا حتى بداية 1988، 17 ألف دبابة، وواحدا وعشرين ألف سيارة، و2080 طائرة ومثلها استهلك وقتل وجرح من الروس 50 ألف فرد.. وهذا الرقم باعترافهم لكن القتلى أضعاف ذلك». من المؤكد أن الاتحاد السوفياتي كان قد حقق بالفعل خسائر كبيرة، والا فانه لم يكن لينسحب من هذه المطحنة العسكرية المستمرة لمدة عشر سنوات.. لكن الشيخ عبد الله كان يتعمد المبالغة والتهويل جلبا للحماسة، وفي المقابل فانه لم يكن يذكر أي أرقام عن خسائر المجاهدين الأفغان.. فقط كان يتحدث عن المعاقين والمصابين.. بشكل عام حين يكون في مرحلة استدرار عطف المتبرعين. ـ

في الاتجاه الآخر كان عبد الله عزام حريصا تماما على ترويج ما يمكن تسميته «بالكرامات الخرافية للمجاهدين العرب» ـ تحديدا ـ حين يتحدث عن استشهاد أحدهم أو وصف معركة ما من أي نوع.. وفي هذا السياق كان لديه اصرار شديد على أن يضفي مناخا من القداسة حول شهداء الجهاد من العرب، الى درجة أن أصدر كتابا عن الشهداء أسماه «عشاق الحور» ـ أي حور العين ـ تضمن ما رواه رثاء في ذكر عديد منهم بل وأضاف الى ذلك كتيبات أسماها «كرامات الأفغان العرب». يقول عبد الله عزام متحدثا عن شخص اسمه «مسعود البحري»: «النور يخرج من قبره، وقد رأى النور أبو داوود العربي، وفلان، وفلان.. وأكثر من نصف الشباب العربي خرجت منهم رائحة ذكية كرائحة المسك الأزفر». وقال عن يحيى سنيور الذي قابل صحفيا من فنزويلا قال عنه بعد موته: «لقد شممت رائحة المسك من دم يحيى، لقد بقي مستشفى بدر مدة أسبوع تقريبا كلما فتحت الغرفة التي سجي فيها يحيى يفيح المسك في كل المستشفى».

ولم تكن الكرامات الخرافية وحدها هي الثغرة الأساسية التي كان يواجهها عبد الله عزام في انتقاد عملية تسويقه المستمرة للجهاد، كان هناك ما هو أهم:

كانت النقطة الأولى هي أن عبد الله عزام يغرر بأبناء الناس، وقد سئل ذات مرة: دكتور عبد الله هناك شكوى من بعض أهالي الأخوة العرب الذين انضموا الى الجهاد الأفغاني بشأن التغرير بأبنائهم وارسالهم الى معارك لا تعنيهم بشيء خاصة أبناء الفلسطينيين الذين ترزح بلادهم تحت الاحتلال.. يقولون إن أبناءهم لم يخبروهم بشيء قبل أن يذهبوا الى باكستان وأن هناك من يأخذهم قسرا عنهم فما رأيك؟.. وكان رد الشيخ عبد الله هو: أبناؤهم راشدون بالغون جاؤوا الى باكستان يدرسون أو جاؤوا للجهاد.. لم آت الى بيوتهم وسرقتهم ووضعتهم داخل سيارة.. أنا بينت الحكم الشرعي بالنسبة للجهاد وللأمة الرسلامية.

ثم أضاف: «القاعدة الشرعية أنه لا استئذان في فروض الايمان، أنا بينت الحكم الشرعي فاذا جاءني أناس قلوبهم لا زالت حية ماذا أقول لهم.. أنا ما غررت بهم.. أنا بينت لهم حكم ربي.. ثم انني أمامهم وليس خلفهم.. وأخوض معهم المعارك». لم يكن عبد الله عزام بالطبع يتحدث عن عمليات غسيل المخ التي جرت للشباب.. ولم يكن في هذه الاجابات يتحدث عن أنه لم يكن فقط يتحدث عن مبدأ عدم الاستئذان.. وانما كان كذلك يدعو لحتمية الهجرة وحتمية ترك الدراسة والوظيفة من أجل الجهاد.. ويغري عددا من الشباب الخليجي وغيره.. ويضرب لهم الأمثلة العديدة حول ذلك، لكن الحق يقال انه لم يكن وحده المسؤول عن ذلك. فقد كانت هناك منظومة ضخمة من المؤسسات والأجهزة الحكومية وغيرها التي دفعت الآلاف دفعا في هذا الاتجاه.

ـ وكانت النقطة الثانية في سلسلة الانتقادات التي توجه اليه تدور حول الصراعات الدائرة بين فصائل الجهاد الأفغاني، ولا سيما حين اقترب موعد الانسحاب السوفياتي من أفغانستان وفي ما بعد ذلك.. وقد كانت تلك كما هو معلوم واحدة من أهم ملاحظات الاحباط الاسلامي التي أوحت للبعض بأن سنوات طويلة من الجهد والجهاد قد وجهت الى مالا يجب أن توجه اليه.. وفي المقابل كان عزام يرد بأكثر من وسيلة.. الأولى سلبية وتقوم على أساس أن الحديث عن هذه الصراعات انما هو من صنع آلة الدعاية الغربية.. والثانية ايجابية وأساسها هو الاسهاب في امتداح مميزات الشعب الأفغاني وجهاده.

التعليقات

برجاء تسجيل الدخول حتى تستطيع التعليق
عنوان التعليق
التعليق
  • سوف يحتاج التعليق إلى موافقة المحرر قبل نشره
  • Design and Development by Microtech