أرشيف و لكن > الوزير الأخير
28 مارس 2011 12:01 ص
-

نشر في ٢٨ مارس ٢٠٠١ في عمود ولكن بجريده روزاليوسف 

لم يكن هذا وقت إلغاء منصب وزير الإعلام.. فعلها الدكتور أحمد شفيق.. ثم ترك موقعه في رئاسة الوزراء.. ومضي وراء اختياره الدكتور عصام شرف.. فكان أن تفجرت المشكلة.

الوزارة ليس لها أن تبقي أصلاً في هذا الزمن المختلف.. كل الديمقراطيات الحديثة ليست عندها وزارات إعلام.. غير أن عملية التفكيك لا تقل أهمية عن عملية البناء.. حين تهدم مبني لا بد أن تنبه من يقيمون داخله كي يرحلوا.. ومن يقفون إلي جواره كي يحذروا.

كان يجب إخلاء مهمات وزارة الإعلام.. وطرح بدائل للفراغ.. قبل إلغاء المنصب.. وترك الساحة هكذا خاوية بلا تنظيم.. كل يفعل ما يشاء.. وكل يجتهد وفق ما يريد.. حيث ساد حديث المصالح السياسية والمالية في صناعة تفتقد حالياً البوصلة.

كان صفوت الشريف.. بما له وما عليه.. يقول إنه سيكون آخر وزير للإعلام.. وقد كان كذلك عملياً لكنه لم يكن كذلك رسمياً.. تلاه ممدوح البلتاجي ولم تمنحه صحته فرصة أن يقوم بدوره.. جاءه حلمه القديم كما لو أنه أنثي أحبها شاب.. وفرقتهم سبل الحياة فلما أتاه النصيب كانت قد شاخت وخارت.. ليس فيها من سيرتها إلا الذكري.

أنس الفقي لم يكن وزيراً فعلياً للإعلام.. شاغل رسمي للمنصب لا يقوم بدوره.. لكنه كان موجوداً.. خيال ظل.. معبراً عن السلطة.. وجوده أفضل من عدمه.. خيالات الظل لا تمنع الطيور من أن تغزو الحقول.. لكنها علي الأقل تدفعها إلي الاسترابة قبل أن تقدم علي التهام ما في الأرض.. في هذه الحالة كان خيال الظل يحضر القسمة.

الصناعة تعقدت.. أموالها تضخمت.. لم تعد الوسائل مقتصرة علي التليفزيون والصحافة.. أضيفت إليها مواقع الانترنت.. عدد الإعلاميين والصحفيين أصبح مهولاً.. التقاطعات الإعلامية الدولية في الساحة المصرية غير متخيلة.. التفاعل السياسي المستند إلي الإعلام يتضخم عما كان.. فالأحزاب تائهة.. أو للدقة ضائعة.. والوزارات مرتبكة.. والرأي العام تديره الشاشات.

نحتاج وزيراً قوياً أخيراً.. تكون مهمته مؤقتة.. يعيد ترتيب الساحة وفق المستجدات.. ولا يتجاهل التراكمات.. ولا يقيد الحرية.. ولا يوجه أحداً.. إنما يكون مديراً لعملية تنظيم العلاقات.. وإعادة هيكلة اتحاد الإذاعة والتليفزيون.. وتخويل الصلاحيات لجهات معنية.. توضع القواعد.. وتتضح المعادلات.. وينشئ جهازاً للتنظيم والإشراف علي الشاكلة الفرنسية.. ثم يمضي إلي حال سبيله.. بعد أن نشكره إذا أخلص لدوره.

في غضون ذلك تكون الوزارات قد رتبت نفسها.. وتجددت بأسلوب علمي مهمات المتحدثين الرسميين.. ووصل رئيس جديد للجمهورية.. يكون لديه مكتب شئون عامة يعرف كيف يعلن رسالة الدولة.. وتوضع قوانين تمنع الاحتكار والتطاحن في الساحة.. وتتعدل أوضاع الصحف القومية أو تتحرر.. وتجري انتخابات جديدة في نقابة الصحفيين.. وتسد ثغرات القوانين في مختلف الأمور المتعلقة بالصناعة.

وزير يأتي ليبيع القنوات الأرضية.. أو يحررها.. أو يبقي منها بعضها في حوزة الدولة.. يطلب من الفضائيات أن تكون لديها شركات واضحة.. ومعايير مطبقة.. يعيد تقييم أوضاع العاملين في التليفزيون الرسمي.. يمنح من لا يريدهم تعويضات مناسبة.. ويبقي من يحتاج إليهم.. ويعيد تنظيم الإذاعات.. ويفتح الأفق أمام محطات الراديو الخاصة علي موجات الـ«إف إم» ويقرر إلي من سوف تكون صلاحية هيئة الاستعلامات.. وكيف سيدار الإعلام الخارجي المصري.

رئيس اتحاد الإذاعة والتليفزيون الحالي لا يمكنه أن يقوم بما يخصه من هذه الأمور.. حتي لو قال لي أحدهم إن صلاحياته أقوي من صلاحيات الوزير.. ففضلاً عن كونه علي غير قدر مستوي المهمة.. فإن المطلوب منه أن يواصل الغرق في تفاصيل المبني المهولة والمعوقة.. كيف ينجو وهو لم يكتسب مهارات العوم؟!

عملياً خرجت من ساحة الإعلام مجموعة من العوامل التي كانت مؤثرة بشكل ما.. لم يعد الوزير موجوداً.. لم تعد جهات سياسية كانت تضع أصابعها في الملف قائمة.. لم تعد أطراف بيروقراطية لها ذكر.. التوازنات السابقة لم يكن يمكن لها أن تستمر.. ولكن الإخلاء له أصول.. خصوصاً مع زيادة أهمية وتأثير الإعلام.. وتعقد شئونه.. التحرير لا يتم بإطلاق النفير المؤدي إلي التكسير.

أعيدوا منصب وزير الإعلام مؤقتاً.. علي أن تكون مهمته واضحة من اللحظة الأولي.. ومحددة المدة الزمنية.. ثم قوموا بإلغاء الوزارة إلي الأبد.

الموقع الالكتروني :  www.abkamal.net

البريد الالكتروني  :  abk@abkamal.net

التعليقات

برجاء تسجيل الدخول حتى تستطيع التعليق
عنوان التعليق
التعليق
  • سوف يحتاج التعليق إلى موافقة المحرر قبل نشره
  • Design and Development by Microtech