بالمصرى > عبدالله كمال يكتب: مستقبل المشروع النووى المصري
27 مارس 2011 12:03 ص
-

مصر بين التهور الصيني والاندفاع التركي والمخاوف الأمريكية

نشر هذا المقال في روزاليوسف اليوميه يوم ٢٧ مارس ٢٠١١

بعد كارثة تشيرنوبل، تعطل البرنامج النووي المصري نحو عقدين، إلي أن أعيد الدفع به مجددا إلي الساحة قبل ثلاث سنوات، حيث نال خلال الأشهر الأخيرة تسريعًا ملموسًا علي المستويات القانونية والفنية.. قبيل المضي قدما في طرح المناقصات الدولية.. إلي أن أحاط الغموض بالملف بُعيد أحداث 25 يناير.. وانتهائها بتخلي الرئيس السابق عن منصبه.

لم يكن البرنامج النووي (مشروعًا شخصيا) لمبارك، وهو قرار وطني واستراتيجي مهم، إلا أنه في ضوء الكارثة التي ضربت مفاعل (فوكوشيما) الياباني بعد الزلازل المروعة والتسونامي المفزعة، صار علينا أن نُعيد النظر في الأمر.. مع تنامي الحديث عن معايير السلامة النووية عالميا ودون أن أشير إلي الواقع الاقتصادي الجديد والمتدهور في أعقاب الفعل الثوري المصري.

دافعان محوريان وأساسيان قادا إلي إعادة إحياء المشروع النووي المصري: الاحتياج إلي تنويع مصادر الطاقة وتعويض النقص المحتمل بعد سنوات نتيجة لشح البترول واحتمالات نقص الغاز، وبخلاف العامل البيئي علي اعتبار أن الطاقة النووية أقرب إلي أن تكون نظيفة، فإن الدافع الثاني كان هو الحرص علي تراكم المعرفة النووية في مصر.. بغض النظر عن السلمية المؤكدة لأهداف البرنامج النووي المصري.

لقد انتبهت صناعة المحطات النووية الدولية إلي التوجهات المصرية، ولا بد أن بعضًا من الدول العظمي، وشركات عملاقة تنتمي إليها، كانت تداعب مصر وترغب في أن تخطب ود قرار القاهرة المزمع بشأن المناقصات.. ومن الذي سوف يكون عليه أن يبني المحطات المصرية واحدة تلو أخري.

وفق معلوماتي فإن المبدأ الذي كان قد أقر باتساق بين المؤسسات المختصة فإن القرار بشأن جنسية واسم الشركة التي ستبني المفاعل الأول كان سيتحدد وفق (صفقة متكاملة)، أي قرار له أبعاد مالية وفنية وعلمية وتدريبية وسياسية واستراتيجية، وعلي أساسه كانت سوف تتحدد طبيعة علاقة مصر ببعض القوي الكبري في المستقبل.

ما كان قد كان. تغيرت إدارة مصر. واندفع فيها الفعل الثوري نحو أهدافه. غير أن البرنامج لم يزل قائما. وحتي لو كان ملفه معلقًا لأسباب مفهومة.. فإن من الواجب إخضاعه إلي المتغيرات الجديدة.. خاصة أن المجتمع العلمي العالمي يبدي تخوفات مزعجة من مستويات السلامة النووية بعد ما جري في (فوكوشيما).. وهو أمر مثير للقلق خصوصا أن ثقافتنا الاجتماعية تعاني من مثالب معروفة في (الدقة).

جريدة نيويورك تايمز - وفق ما ترجمت لي الزميلة داليا طه - نشرت في الأيام القليلة الماضية مجموعة من المقالات التي كشفت عن تحسبات مختلفة في مجموعة دول بعد ما جري في اليابان.

في الولايات المتحدة دعا العالم الفيزيائي المعروف فرانك هيبل إلي مراجعة المعايير، كما طلب السيناتور ليبرمان وقف بناء كل المحطات النووية إلي أن يتم معرفة ما الذي جري في اليابان.. علما بأن لدي الولايات المتحدة معضلة استراتيجية تتعلق باعتمادها الدائم علي البترول الوارد من الخارج.. بينما يؤدي بناء المحطات النووية إلي تخفيض معدلات هذه الاعتمادية.

وفي تركيا جدل كبير، خصوصا أنها مقبلة علي بناء محطتين، تبني الأولي روسيا، وسوف تبني الثانية اليابان، وبينما طلب أردوغان من روسيا ترقية المعايير التأمينية للسلامة النووية في المحطة الأولي تتصاعد نداءات راغبة في إيقاف بناء المحطتين.. خصوصا أن تركيا نفسها تقع فوق صدوع جيولوجية تهددها الزلازل المستمرة.

لكن تركيا مندفعة في اتجاه البناء. بينما تعاني الصين من (تهور نووي)، إذا جاز استخدام هذا الوصف، فهي تسجل 60% من عمليات بناء المحطات في العالم.. وتمثل سوقًا كبيرة للشركات الأمريكية.. وقد تم فرض حظر مؤقت علي أي بناء جديد.. لا يعتقد أنه سوف يستمر.. غير أن القلق يتزايد في ضوء أن الصين ليس لديها العدد الكافي من البشر القادرين علي التعامل مع كل هذه المحطات.. وفي ضوء انتشار الفساد.. وفي ضوء القلق من الحالة اليابانية.

لم أسمع عن مناقشات في فرنسا بعد.. وهي الدولة التي كانت تسعي إلي إقناع مصر بأن توكل بناء المفاعل الأول السلمي إليها.. وأعتقد أن ساركوزي قد مارس ضغوطًا في هذا السياق.. علمًا بأن صناعة المحطات النووية في فرنسا تواجه ركودًا كارثيا.. وكانت تجد في مصر (زبونًا) مهمًا.

إن قرارًا حول مصير هذا البرنامج المصري لا بد أنه سيكون معقدًا جدًا، ولكن الواجب هو أن نسجل الملاحظات التالية التي نقترح أن تكون مطروحة للنقاش العام وعلي صناع القرار:

المشروع النووي الأكثر صخبًا في المنطقة الآن، وبغض النظر عما يحيط عسكريته من غموض، وفي ضوء المعلن أنه (سلمي)، هو المشروع الإيراني.. وقد كانت ولم تزل هناك مخاوف من أن يؤدي إلي سباق تسلح نووي في المنطقة.. وأنه سوف يمنح إيران أسبقية إقليمية توازيها بإسرائيل.. لكن المتغيرات أثبتت مجددًا أن هذا كله قد لا تكون له قيمة حين تجرف الأعاصير المنطقة نحو أوضاع جديدة تؤثر في موازين القوي.

إن خروج سوريا من التحالف الإيراني، وما قد يؤدي إلي تأثيرات مهولة علي أوضاع حزب الله وحركة حماس، قد يحقق لإيران خسائر استراتيجية أكبر من تلك التي يحدثها إطلاق قنبلة نووية عليها.. بل إن وضع إيران برمته مهدد حتي لو بلغت المستوي النووي العسكري الذي تحلم به.

إذا كان أبرز أهدافنا السلمية من هذا البرنامج غير العسكري هو أن نصل إلي المعرفة النووية فإنه لا بد من أن نصل إلي وسيلة ما تبلغ بنا هذا الهدف بدون أن نضطر إلي المضي قدمًا في مشروع تحيطه مشكلات السلامة النووية.

بالنسبة للهدف الثاني وهو توفير مصادر الطاقة البديلة.. فإن من المفهوم أنه يمكن أن تركز مصر علي مصادر الطاقة المتجددة.. لا سيما استيلاد الطاقة من الرياح ومن الشمس.. وهي متوافرة لدينا.. وتكلفتها أقل نسبيا.. وتحتاج إلي تكنولوجيا متاحة مقارنة بالضغوط التي تمارس علي التكنولوجيا النووية.

إن هذا لا يجب أن يوقفنا عن العمل الدبلوماسي والسياسي الخارجي الذي يحاول الدفع مجددًا بأن تكون منطقة الشرق الأوسط منزوعة السلاح النووي، وأن نصل إلي تسوية سلمية عربية مع إسرائيل تفضي في النهاية إلي تخليها عن هذا الشبح الرابض في مفاعلاتها والمنكور ضمنيا من جانبها.. فهو علي كل حال لم يحمها من أي خطر تعتقده.. ولن يفعل.. في ضوء التلاصق الجغرافي العربي الإسرائيلي.

التمويلات التي ستحتاجها أنشطة البرنامج النووي المصري السلمي قد تتطلب أن نوجهها إلي أمور أخري لها أولويات وأسبقية أهم في ضوء المستجدات المصرية.

هذا مجرد اجتهاد من جانبي، أعتقد أنه سوف يفرض نفسه علي أجندة وبرنامج أي مرشح قادم لانتخابات الرئاسة.

abk@abkamal.net                   www.abkamal.net

التعليقات

برجاء تسجيل الدخول حتى تستطيع التعليق
عنوان التعليق
التعليق
  • سوف يحتاج التعليق إلى موافقة المحرر قبل نشره
  • Design and Development by Microtech