بالمصرى > اختطاف رئيس مصر
26 مارس 2011 2:00 م
-

نشر هذا المقال في يوم ٢٦ مارس ٢٠١١ في مجله روزاليوسف 

ثار (الميدان. ولبت نداءه (الدبابة). فانطلق التغيير من (التحرير). أصرت (الدبابة) علي الشرعية .. ونفض الفوضي.. فتوقفت المظاهرات في الميدان .. إلا قليلا. ثم ذهب الجمهور إلي لجان الاستفتاء .. حيث أقر بأهمية أن تستند الشرعية إلي (الصندوق).. وبالتالي لم تعد لتفاعلات واعتصامات وخيام (الميدان) ضرورة.. وأصبحت تحركات (الدبابة) تتمتع بدفء (الصندوق) .

كانت (الدبابة) متزملة وملتزمة بالدستور أصلا . تقول المادة (180): «.. القوات المسلحة ملك للشعب.. مهمتها حماية البلاد وسلامة أراضيها وأمنها.. .». وأما سلامة الأرض فهي تأمين الحدود وصد العدوان . وأما الأمن وحماية البلاد فتندرج تحت مهماته العملية التاريخية التي تقوم بها القوات المسلحة الآن في مسار مصر . وكونها (ملك للشعب) فإن هذا ما أعطاها صلاحية الشرعية في إدارة الفترة الحالية.. وهذا التفسير الدستوري محفوظ الحق معنويا وأدبيا للمستشار عدلي حسين محافظ القليوبية. وعند هذا انتهي هذا الاقتباس منه.

لكن الشرعية التي علي أساسها بنيت العملية الحالية، أو ما اصطلح علي تسميته بالفترة الانتقالية، تعززت من خلال استفتاء 19 مارس، حين استجاب الناس إلي التعديلات الدستورية المقترحة من المجلس العسكري الأعلي، بأغلبية ساحقة، هذه الشرعية اكتسبت أهم مقوماتها ليس فقط من ارتفاع نسبة (تأييد التعديلات) .. وإنما بالأساس من كثافة الإقبال علي التصويت الذي لم يعرف له مثيل من قبل في تاريخ مصر .

في هذا اليوم قال المصريون إن الشرعية عادت إلي (الصندوق) .. حتي وإن كانوا قد أيدوا في البداية نتيجة فعل (الميدان).. أي الاحتجاجات ذات الطابع الثوري.. وقد سلموا قيادة هذه الشرعية مجددا إلي (المجلس الأعلي) .. كما كانوا قد فعلوا أولا. ما يعنينا اليوم هو أن نناقش، بناء علي أن مرجعية الشرعية التي تديرها القوات المسلحة هي (الصندوق) المعنوي والمادي، مسألة جوهرية تخص التفاعل السياسي والقانوني الذي سيتم خلال الأشهر الستة المقبلة.. أو الأشهر التسعة وفق ما نأمل أن تكون .

أقصد بـ (الصندوق المعنوي) نداءات الشارع علي الجيش بأن يساند مطالبه إبان الفعل الثوري .. فقد كان هذا تصويتا لم توضع أوراقه في صندوق .. وأعني بـ (الصندوق المادي) نتيجة الاستفتاء الأخير. 

# وجوب حزبية الرئيس

بداية أعود إلي تصورين طرحتهما في مقالاتي اليومية خلال الأسبوع الماضي:
 

- الأول في مقال (إنها السياسة .. يااكسيلانس) المنشور في الجريدة يوم الأربعاء، وقلت فيها إن الساحة بعد الاستفتاء تظهر أن هناك أربع قوي سيحدث بينها التفاعل السياسي: القوي التقليدية الممثلة في النخب السياسية المعروفة ورؤوس العائلات وقيادات الريف (قبلي وبحري). والقوي الجديدة التي أفرزها الفعل الثوري في 25 يناير . وفئات متنوعة من الأقباط موزعة بين القوي التقليدية والقوي الجديدة أو تعمل منفردة . كل هذا في مواجهة القوي الرابعة وهي التيارات الدينية بمختلف تنويعاتها.

لقد دعوت في هذا المقال إلي تحالف جديد، تفرضه السياسة، بين القوي الثلاث الأولي.. التقليدية الراسخة، والجديدة اليانعة، والقبطية المتوترة.. كل هؤلاء يملؤهم الهلع من الحكم الديني.. وفي خلفيتهم الظهير الاجتماعي المؤثر اقتصاديا وثقافيا وسياسيا.. أي الرأسمالية الوطنية المصرية النزيهة. 

- المقال الثاني كان يوم الخميس، وكان عنوانه: (ما نريده من الجيش - كيف يمكن أن يحكم رئيس بدون أغلبية برلمانية؟).. وفيه طرحت مسألة أن المرشحين المستقلين لانتخابات الرئاسة لايمكنهم أن يعملوا في الهواء الطلق.. وأنه لابد لأي منهم أن يتداخل مع انتخابات مجلس الشعب التي تقررت قبل انتخابات الرئاسة.. لأن رئيسا لايحظي بأغلبية برلمانية مساندة.. سيكون مقيدا لا يقوي علي أن يفعل شيئا.. إذ كيف يمكن له أن ينفذ برنامجه لو كان البرلمان يعارضه؟

هنا أفتح أقواسا مختلفة.. للبناء علي ماسبق.. وفي النظر إلي الأمام.. وفي ضوء التخوف المتصاعد من أن تحصل التيارات الدينية علي أغلبية في مجلس الشعب المقبل.. أو حتي أن يتشكل المجلس من شرذمات لا هوية لها تحدد قواماتها.. في ضوء انهيار الحياة الحزبية بعد 25 يناير.

مثلا، رددت النخبة السياسية والصحفية كثيرا في السنوات الماضية أسطورة صدقتها بالتكرار، مؤداها أن الرئيس لا يجب أن يكون (حزبيا)، وأنه يجب أن يكون رئيسا لكل المصريين . لقد بنيت هذه الأسطورة علي أساس انتماء الرئيس السابق حسني مبارك للحزب الوطني الذي كان يتزعمه، وهي علي كل حال لم تكن تتردد كثيرا في عصر السادات.. ربما لضيق الوقت بعد بدء التعددية الحزبية وتأسيس الحزب الوطني وقبيل رحيل السادات نفسه. ولأنه لم تكن هناك أصوات لأحزاب المعارضة.

لقد اعتقد المعارضون - وربما كان لديهم بعض الحق وسوف تثبت الأيام إن كانوا علي صواب أم لا ؟ - أن وجود الرئيس السابق علي رأس الحزب الحاكم هو الذي يؤدي إلي التفاف الجمهور من حول الحزب.. باعتباره كيان مصالح وشبكة علاقات نفعية لا حزبية.

لابد - من الناحيه المبدئية - أن نفكك هذه الفكرة، خصوصا أنه لم يعد الرئيس السابق في السلطة ولا فوق الحزب الذي يطالب البعض بحله وتصفيته، ذلك أن من حق الرئيس في أي نظام رئاسي أن ينتمي إلي حزب . هو يحصل علي الأصوات - وفق المفترض - لأسباب تتعلق بالبرنامج النابع من حزب.. كما أن عملية حشد التصويت له تقوم علي أدوات الحزب الذي ينتمي إليه . الناس لا تصوت في الأغلب من تلقاء نفسها.. وإنما لابد أن تكون هناك آلية تنظيمية تقود ذلك.. كل حزب إلي مرشحه.. ولهذا فإن المرشحين المستقلين (دائما) ما لا يكون لهم ذكر في الانتخابات الأمريكية.. كما أن المرشحين المستقلين في روسيا (غالبا) ماتدعمهم ترشيحات تأييدية من أحزاب مختلفة.. قبل أن يحصلوا علي صفة الترشيح.

كون الرئيس حصل علي شرعية الصناديق، ونال أغلبية التصويت، فإن هذا يجعله رئيسا لكل المصريين، لكن هذا لاينفي عنه أن يكون حزبيا، هذا حقه الدستوري خصوصا إذا كان منتخبا علي أساس برنامج سينفذه حزب عبر ممثليه في البرلمان. وأما مسألة أنه سيكون منحازا لحزبه فهذه أمور تحاسبه عليها آليات النزاهة وإعمال القانون.. في عصر جديد ليست له آليات العصر السابق. 

# أسطورة الرئيس المستقل

علي الجانب الآخر لا يمكن قبول فكرة (الرئيس المستقل) من الناحية العملية، نظريا: الدستور يعطي الحق وفق شروط بعينها لأي شخص غير حزبي تنطبق عليه المواصفات أن يترشح لرئاسة الجمهورية.. واقعيا لا يمكن لرئيس حتي بعد أن يحصل علي شرعية الشارع بالانتخاب الحر المباشر أن يدير شئون الدولة بدون أن تكون لديه مساندة برلمانية.. في تلك الحالة نكون أمام سيناريو من ثلاثة:

- الأول : رئيس يجد أن عليه كل مرة يدفع فيها بمشروع قانون إلي مجلس الشعب أن يسترضي الأعضاء.. لكي يساندوا ما يقترح.. ولهذا أثمان . 

- الثاني : رئيس يتمكن من اليوم الأول أن يكوّن أغلبية تقف إلي جانبه.. ولديه ارتباط معها.. تساند مقترحاته وتدافع عنها . هذا عمليا يعني أنه سوف يكون قياديا في (حزب غير معلن)، لكنه لكي يحافظ علي تماسك هذه الأغلبية خلفه بدون حزب يجب أيضا أن يدفع الثمن. 

- الثالث : رئيس في حالة صدام مستمر مع أغلبية البرلمان.. خصوصا إذا كانت معارضة صراحة له. 

# الرئيس الرهينة

السيناريو الأخير لا ينفي سيناريو إضافيا، وهو أن الرئيس باعتباره أعلي نقطة في السلطة التنفيذية سيكون عليه أن يكلف رئيس حكومة من الأغلبية التي تعارضه.. لأن المنطق يقول ذلك في السياسة.. حتي لو لم يكن هذا منصوصا عليه في الدستور.. ومن ثم فإن الرئيس يكون في مواجهة سلطة تابعة له ولكنها تناقضه.. إلا إذا جاء بحكومة من خارج أغلبية البرلمان.. فتكون عرضة للإقصاء من اليوم الأول لأن عليها أن تحصل علي تصويت مجلس الشعب علي بيانها.. أو أن يكون الرئيس في مواجهة مؤسفة وخطرة مع الحكومة التي يديرها وأغلبية البرلمان في ذات الوقت.

معني هذا أننا سوف نكون أمام رئيس (مختطف)، مرهون لأغلبية مجلس الشعب، وهو أمر لا يقود إلي استقرار، ويسبب ارتباكا رهيبا في توازن السلطات.. ويؤدي بنا إلي وضع مختلف عما هو مفترض في النظام الرئاسي.. ونكون أمام نوع من التشويه له.. هذه سيناريوهات ليست بعيدة عن خيال الواقع السياسي الجديد في مصر.. خصوصا إذا لاحت في الأفق ترتيبات تؤدي إلي استنساخ حالة كانت موجودة في النقابات المهنية.. حيث النقيب وحده من تيار يختلف عن أغلبية المجلس.. وهو وضع أدي إلي ملابسات مأساوية في شئون النقابات فما بالنا بشئون دولة.

علي الهامش أضيف ملاحظة جوهرية، وهي أن المرشح المستقل الذي يتمكن من أن يحصل علي 30 ألف توقيع لمواطنين من عشر محافظات، أو علي تأييد 30 عضوا في مجلسي البرلمان، يكون واقعيا قد اقترب من أن يكون (حزبيا) بدون أن يكون لديه تنظيم حزبي معلن.. فالذي يتمكن من حشد هذه أو تلك.. كيف نعتبره في النهاية مستقلا ؟ علما بأن بعض الأحزاب التي قد يكون لها عضو في مجلس الشعب ومن حقها أن ترشح رئيسا قد يكون عضوها هذا وصل إلي مقعده بأقل من 30 ألف صوت.

وقد يقول قائل إن بعضا من الأنظمة الرئاسية، خصوصا فرنسا والولايات المتحدة، تعرف مثل تلك الحالات من التضارب بين الرئيس وأغلبية البرلمان، حين يكون الرئيس الأمريكي مثلا منتميا إلي الحزب الجمهوري وأغلبية الكونجرس للحزب الديمقراطي.. أو حين يكون الرئيس الفرنسي يمينيا والحكومة اشتراكية.. وهذا افتراض صحيح ويحدث ولكنه يستوجب الرد التالي: 

- في الولايات المتحدة النظام ليس رئاسيا فقط، وإنما كذلك فيدراليا، تكون فيه لحكومات الولايات المنتخبة صلاحيات يومية لاتتعطل نتيجة للتعقيدات الجارية في واشنطن بين الإدارة والكونجرس.. هذا هو أيضا الذي يجري في فرنسا مع عدم وجود نظام فيدرالي.. وإنما في وجود سلطات وبرلمانات علي المستوي المحلي لديها صلاحيات تدير شئونا مختلفة.. بينما تبقي الأمور الكبري معلقة علي توافقات السلطات في المركز.

- نضج المجتمع السياسي في كلتا الدولتين لايجوز أن يقارن بالحالة التي هي عليها المجتمع في مصر.. حتي بعد الفعل الثوري في 25 يناير.. وحتي مع توافر هذا النضج فرنسيا فإننا لايمكن أن ننسي واقعة أخيرة جرت قبل نحو ثلاثة أشهر.. حين خرج ألوف المتظاهرين ضد الرئيس ساركوزي اعتراضا علي إقرار قانون التقاعد المتأخر.. هذه المظاهرات العارمة لم تؤد إلي قلب النظام.. ولم تؤد أصلا إلي تراجع ساركوزي عن مشروع قانون وجد فيه المصلحة.. ورغم الغضب الشعبي الشديد إلا أن ساركوزي مع أغلبية برلمانية مساندة تمكن من إقرار القانون . 

- في كل الأحوال هناك في فرنسا والولايات المتحدة نوع من الاستقرار الراسخ الذي لايجعل أي تيار سياسي يمكنه أن يغير من صورة ومواصفات الدولة الأساسية إذا ما حصل علي أغلبية البرلمان . بينما نحن في مصر مهددون بهذا السيناريو إذا ما وصلت أغلبية من التيارات الدينية إلي مقاعد مجلس الشعب.. حيث يمكنها أن تستخدم آليات الديمقراطية من أجل تغيير كامل لشكل البلد وبغض النظر عن صلاحيات الرئيس.

علي الهامش هنا مجددا، لا أستبعد أمرا جللا وخطيرا بدوره، قد تفرضه سيناريوهات المستقبل القريب، حين نجري انتخابات مجلس الشعب قبل انتخابات الرئاسة حسبما هو مقرر دستوريا.. إذ قد تسفر هذه الانتخابات عن أغلبية معينة لها توجهات تناقض ما يسعي إليه وإلي تنفيذه المجلس العسكري الأعلي الذي يشغل هنا سلطة الرئيس.. تري كيف يكون الحال إذن وقتها.. لو قررت هذه الأغلبية أن تصطدم بالمجلس العسكري.. أو تنفذ ما تراه علي طريقتها وفي إطار صلاحيات مجلس الشعب الدستورية؟ مجرد سؤال يتعلق بافتراض أو خيال.. لكنه احتمال قائم.

علي الهامش كذلك: قد تمر الفترة ما بين الانتخابين، البرلماني والرئاسي، بدون اصطدام ما بين من يشغل سلطة الرئيس ومجلس الشعب، ثم يأتي رئيس من تيار وانتماء سياسي مختلف عن الأغلبية التي تشكل عليها مجلس الشعب، ولأنه - فرضا لايريد أن يكون مختطفا - سيكون مطروحا عليه أن يحل مجلس الشعب ويدعو لانتخابات جديدة.. اتساقا مع الأصوات التي انتخبته . فما الحال إذن لو أنه حاول ذلك.. بينما هو مقيد بشرط دستوري يوجب عليه أن يقوم بتعديل الدستور من خلال المجلس المنتخب فعليا بعد التعديلات الدستورية الأخيرة وليس من آخر بعده ؟.. مسألة معقدة.. أليس كذلك؟!

# رئيس علي الطراز التركي

ما الحل إذن ؟


رأيي الخاص أن الحل لابد أن يكون سياسيا، له أبعاد قانونية، وبشرط أن نتصارح ونتكلم بشفافية.. وبدون لف أو دوران.

هناك مخاوف حقيقية من أن يؤدي نهم التيارات الدينية للسلطة إلي واقع جديد في مصر يسفر عن تغيير شكل الدولة بالكامل.. إذا تركت العملية السياسية لمنطق الحرية المطلقة.. وبدون إدارة صريحة تقود البلد نحو توجه يحافظ علي مقوماته ويرسخ مصالحه.

هذه التيارات الدينية فيها من يصف عملية الاستفتاء بأنها (غزوة الصناديق)، أو من يريد أن يعيد المرأة إلي البيت، أو من يقول للمواطنين أصحاب الآراء المخالفة إن عليهم أن يهاجروا إلي كندا والولايات المتحدة، أو من يريد أن يطبق حد السرقة في مجتمع يعاني الكثيرون فيه من الفقر وتنتشر فيه الجريمة.. (تخيل لو كان قد تم تنفيذ الحد في قتلة السادات هل كان فيهم من سينال حريته الآن، ولو أن الحد طبق علي المستفيدين من الفوضي الآن كم كان سيكون عدد مقطوعي اليد الآن في مصر!).

ليس هذا فقط، بل إن تلك التيارات الدينية فيها من يريد أن تتحول مصر إلي ولاية ضمن خلافة إسلامية عالمية، ومن يرغب في أن يستفتي الناس علي اتفاقية السلام، بل ومن يفكر في وجوب إلغائها، ومن ليس لديه مانع في أن يزج بالبلد في أي صراع في المحيط القريب أو البعيد، ومن يمكن أن يتحالف مع دول أخري علي حساب المصالح الاستراتيجية الراسخة للبلد.

إن الأفكار التي يتم تداولها بشأن تكرار التجربة التركية في مصر، حيث يمكن للدولة أن تحافظ علي خصائصها، وأن يكون الجيش حافظا لقوامها، وأن تخضع القوي الإسلامية فيها لقواعد الديمقراطية، هذه أفكار لم يزل أمامها وقت طويل لكي تجد طريقها إلي الواقع في مصر.. إذ بغض النظر عن الثقة في الجيش الذي هو (ملك الشعب).. فإن هذه التيارات الدينية تحتاج إلي زمن لكي تكتسب الخبرات الديمقراطية وتنتقل من قيم المرحلة السرية إلي مواصفات تليق بالمرحلة العلنية ووجوبيات الدولة المدنية.. ينقصها تدريب سياسي طويل.. تفتقد إليه كما تفتقد إليه نسبيا تيارات حزبية أخري.

علينا أن نقيم الأمور وفق حقائق الواقع.. ويما يضمن الوحدة الوطنية وتحقيق المصالح الاستراتيجية.. حتي لا نجد أنفسنا في صدامات مختلفة الأبعاد والأشكال.. ناهينا عن أن النموذج التركي لم يصل إلي المرحلة الحالية إلا بعد ثلاثة عقود من التجريب.. مرت بها الأحزاب الدينية التركية بعديد من الصياغات من مرحلة أربكان الذي مات قبل أيام إلي عصر أردوغان.. حتي بلغت القدرة علي أن تكتب برنامجا تقر فيه بعلمانية الدولة وتخضع فيه برامجها لمواصفات يرتضيها ليس فقط العسكريون وإنما أيضا الاتحاد الأوروبي.. تخيل لو أن جماعة الإخوان في مصر قد نقلت برنامج (حزب العدالة والتنمية التركي إلي برنامج حزبها الذي سيكون اسمه العدالة والحرية) .

في تركيا الآن واقع يؤدي إلي بقاء مصالح الشراكة الاستراتيجية العسكرية مع إسرائيل رغم الخلافات السياسية.. وإلي تعاون أمريكي تركي لا يمكن له أن ينفصم حتي لو حدثت بعض التناقضات العلنية.. وإلي الحفاظ علي وحدة الدولة ضد الأطماع الكردية حتي لو كانوا مسلمين.. فالبعد القومي واضح.. والمصلحة الوطنية فوق الاعتبارات الأيديولوجية.. والطريق إلي هذا في مصر يحتاج لاشك إلي مسافة زمنية وسياسية. 

# الرئيس المتوافق عليه

لقد قال قادة في القوات المسلحة المصرية مرتين علي الأقل إنه لن يكون للقوات المسلحة مرشح في الانتخابات الرئاسية المقبلة، وهو ما يتناقض مع المصالح السياسية التي أومن بها، وقد يختلف مع هذا الرأي آخرون، وفي إطار استفادتي من الحق الدستوري في حرية التعبير فإنني أري أننا في حاجة إلي مرشح له خلفية الانتماء إلي هذه المؤسسة.. بحيث يمكنه أن يكمل مسيرة التحول الذي تقوده القوات المسلحة الآن.. مع كامل الثقة في قدرتها علي تنفيذ الإصلاحات الديمقراطية.

إن المصريين حين نادوا الجيش (بالصندوق المعنوي) لكي يحمي (المطالب المشروعة) للشعب.. ولبي هو النداء ووجد المطالب كذلك مشروعة.. باعتباره مؤسسة مملوكة للشعب.. هؤلاء المصريون كانوا يثقون في قدرة ونزاهة وعدالة المؤسسة العسكرية.. وأنها لن تخذلهم في أن تحقق لهم التغيير المنشود.. وأن تحافظ لهم علي الحد المقبول من الاستقرار.. وهو ما قد كان بغض النظر عن السلبيات التي نتجت عن مساوئ الحالة السياسية في العصر السابق و كما أسفرت عنه فوضي سقوط أجهزة الأمن والتي لا تسأل عنها القوات المسلحة.

والثابت أنه لم يكن للفعل الثوري الذي تفجر في 25 يناير أن يكتمل بدون أن يمضي الجيش في الطريق الذي اختاره بناء علي مطلب الشعب . وهذا في حد ذاته كان تصويتا أوليا غير منظم وغير مقرر علي الثقة في هذه المؤسسة.. تصويت بدون صندوق.. وقد تأكد ذلك في يوم 19 مارس.. ما يعني أن التوجه العام للجمهور يرغب في أن يحافظ علي مواصفات الدولة مع إصلاحها وفق المخطط.. أو خريطة الطريق.. الذي تسير عليه القوات المسلحة.. ومن ثم فإنني أري هذا هو في ذات الوقت نداءً ضمنيًا علي مرشح له هذه الخلفية.

إننا نحتاج مرشحا ينجو من الاضطرار إلي تحالفات التصويت مع التيارات الدينية.. لا يقدم لها فروض الولاء والطاعة.. يمكنه أن يكمل فوق بناء المرحلة الانتقالية.. ويحقق أهداف خريطة الطريق السياسية.. ممتلئا بقوة رجل الدولة.. ولديه الثقة المؤسسية.. وينقل للناس إحساس القيادة.

فإن لم يكن مرشحا مدنيا من المؤسسة العسكرية فإن من المفهوم سياسيا، أن يستقر التوافق العام علي مرشح ما له مواصفات محددة، يكون قادرا علي تلبية الاحتياجات القومية وتأكيد خصائص الدولة وتعزيز مصالحها، ولايهدر ماحققته وتحققه القوات المسلحة خلال الفترة الانتقالية، مع قدرته علي إتمام تطوير مدني وملب لمشاغل الناس ومحقق لأهداف الفعل الثوري.

ويري البعض أنه حتي يتمكن الرئيس القادم من تحقيق اتساق مع أغلبية ما في البرلمان.. أن يتم حل معضلة توقيتات الانتخابات.. وأيهما تسبق الأخري.. بأن تقام كلتاهما في يوم واحد.. أي أن يكون هناك صندوقان في اللجنة الانتخابية.. صندوق للتصويت علي الرئيس وصندوق للتصويت علي عضوية مجلس الشعب في ذات اليوم.. علي أن يكون هذا في نهاية العام وبعد تسعة أشهر.. ما يسمح بالترتيب السياسي والإعداد لذلك.

اقتراح مثل هذا يحقق أولا ومن الناحية الشكلية عدد مرات أقل في الذهاب إلي التصويت.. وهو أمر مفيد في ضوء أن العمليات الانتخابية لها تعقيداتها وتكلفتها وتأمينها . ويؤدي إلي إمكانية ظهور مرشح قادر علي أن يخوض حملة انتخابية مزدوجة علي المستويين البرلماني والرئاسي.. بحيث يكون المزاج العام للتصويت متسقا وليس فيه تناقض.. فلا يكون لدينا رئيس يحتمل أن يتعرض للاختطاف السياسي.

لكن لهذا الاقتراح نقيصة دستورية وأكثر من نقيصة سياسية: 

- أولا: إنه لابد أن تسبق الانتخابات البرلمانية الانتخابات الرئاسية لأنه علي أساس الأولي يتم تحديد عدد من المرشحين بناء علي عضوية الأحزاب في مجلس الشعب.. أو حصول مرشحين مستقلين علي تأييد 30 عضوا في البرلمان.. وإذا لم يتحقق ذلك ستكون الانتخابات الرئاسية مطعونة دستوريا. 

-  ثانيا: إنه لا يمكن لشخص غير مدعوم من حزب أن يدير عملية انتخابية بهذا التعقيد.. ومن الصعوبة بما كان أن يتمكن مرشح عادي من تكوين حزب وتفعيله خلال الوقت القصير المتبقي. 

- ثالثا : إنه لاتوجد ضمانة أكيدة أن نتيجة التصويت قد تقود إلي توافق حقيقي ما بين العضوية البرلمانية والرئيس المنتخب. 

- رابعا: إنه قد لا تتم انتخابات مجلس الشعب إلا علي عدة مراحل لضمان تحقيق الشرط الدستوري الخاص بالإشراف القضائي.. مع قلة أعداد القضاة. 

# الرئيس المطلوب

لقد تعمدت أن أطرح في الطريق إلي تعضيد تصوري كل الأفكار التي يمكن مناقشتها، وبما في ذلك الحل السابق المقبول نظريا والمستحيل قانونيا وواقعيا، ولذا فإنه وفي ضوء وجوب إجراء الانتخابات البرلمانية قبل الرئاسية.. أري أن نعود إلي الصيغة المقترحة الأكثر واقعية، أي أن نعرف مرشحا مدنيا منتميا للمؤسسة العسكرية، أو مرشحا توافقيا بالمواصفات التي تضمن تحقيق (مصالح الشعب + حسابات الدولة + أهداف الجيش التي تحظي بالمساندة العامة).

هذا المرشح يكون واضحا للجميع ما هي توجهاته وما هي الكتلة البرلمانية التي سوف يستند إليها في أغلبيته الداعمة، ويدير العملية الانتخابية البرلمانية.. التي تقوده فيما بعد إلي منصب الرئيس عبر انتخابات حرة.. وفي إطار قدرة هذا المرشح علي استيعاب المصالح غير المتعارضة للقوي التقليدية والقوي الجديدة وفئات الأقباط.. أي أن يقود هذا المرشح من الآن أو خلال فترة قريبة عملية بناء هذا التحالف بين تلك القوي.

إن تلك الصيغة هي ما يمكن أن تحقق متطلبات السياسة، ونتائج الصندوق، ونداءات الميدان، وقدرة الدبابة.

عموما، وبعد كل ذلك، لا يمكن أن أختتم هذا التحليل (الصريح) بدون إضافة الملاحظات التالية: 

- إن المخاوف التي أبديتها بشأن إمكانية حدوث اختطاف سياسي للرئيس من أغلبية برلمانية معارضة له، قد تسفر كذلك عن تشويه غير مقصود للنظام الرئاسي، وعن الذهاب نحو نظام برلماني بدون أن يتم تعديل الدستور.

لا أعارض فكرة النظام البرلماني لمجرد رفض المبدأ، ولكن لأنه لا يصلح لمصر في ضوء ضعف عام حالي للأحزاب، وبما يمكن أن يسقطه في أيدي المستعدين وحدهم، ولأن مصر تحتاج إلي قيادة رئاسية في ضوء الثقافة الفرعونية الراسخة. وحتي لو اخترنا النظام البرلماني فإن هذا لابد أن يكون طوعا وباتفاق كل المجتمع وليس خضوعا لإجبار أسفرت عنه تطورات غير محسوبة. 

- إنني حين أتحدث عن توافق عام علي مرشح ما يلبي المتطلبات الجماعية لمحصلة القوي الرئيسية في المجتمع والدولة لا أنفي أهمية التصويت عبر الانتخاب الحر المباشر، وإنما هو لجوء إلي حل سياسي تديره النخبة المخلصة ثم تذهب إلي اختباره وقياس رأي الجمهور عليه من خلال الاقتراع الشفاف وليس فرضه عليهم.. وفي وجود تنافس بين مختلف المرشحين. واللجوء إلي هذا الأسلوب إنما يحجب عنا دفع أثمان باهظة علما بأننا سوف ندفع بالتأكيد وفي كل الأحوال. ما أتحدث عنه هو تقليل حجم أعباء الفاتورة. 

- إن الانتباه إلي المخاطر وإعمال العقل في الحسابات المعقدة يبعد بنا عن أفكار مطروحة بشأن (مجلس رئاسي انتقالي) ورؤي من هذا النوع. ويجعل هناك حلولاً وسطاً ما بين مرحلة انتقالية قصيرة لدرجة معوقة.. أو طويلة تكون إدارتها في يد آخرين غير المجلس العسكري الأعلي. مع الوضع في الاعتبار أن هناك حملات منظمة تعمد إلي إفقاد الثقة في الأساليب الحالية وهي حملات لا نثق في موضوعيتها ونزاهة أهدافها.

- إن شباب 25 يناير يتحملون عبئا جوهريا في التعامل مع الملابسات الحالية، إن عليهم أن يطوروا أنفسهم وأساليبهم، فقد تغيرت مصر مجددا بعد 19 مارس، وبما قد يختطف منهم إنجازهم الكبير في 11 فبراير لو لم يستوعبوا الحقائق المستجدة، وإلا فإنهم سوف يجدون أنفسهم خارج الساحة بدون أن يدروا بينما هم منشغلون في أمور تسبقها التفاعلات التي قد لا يشاركون فيها.

 

عبد الله كمال

يمكنكم مناقشة الكاتب وطرح الآراء المتنوعة على موقعه الشخصى

www.abkamal.net

أو موقع روزاليوسف:

www.rosaonline.net

أو على المدونتين فى العنوانين التاليين:

http//alsiasy.blospot.com

http//:abouzina.maktoobblog.com


أو للمتابعة على موقع تويتر:

twitter.com/abkamal

Email:abk@abkamal.net




 

التعليقات

برجاء تسجيل الدخول حتى تستطيع التعليق
عنوان التعليق
التعليق
Design and Development by Microtech