أرشيف و لكن > حربنا علي أنفسنا
25 مارس 2011 12:01 ص
-

لو كانت معاهد الإعلام متفرغة الآن للعلم، وليس للاعتصامات والاعتراض علي العمداء، لكان عليها أن تنشغل بدراسات تفصيلية علي واحدة من أهم نماذج (الحرب النفسية) التي تم شنها علي شعب في التاريخ. إن (جوبلز) سوف يتنحي خجلا حين يقارن ما كان يفعله إبان الحرب العالمية الثانية، بما يجري في مصر خلال الشهرين الأخيرين.. وتنطبق حالته كذلك علي عتاة الدعايات إذا ما قورنت نفس الفترة الزمنية المصرية مع إنجازهم في الحرب الباردة.

مصر، عرفت ولم تزل، طرازا فريدا من الدعاية النفسية المكثفة، التي كان لها تأثير بالغ في مسارات التغيير.. وكذلك تقاطعات التدمير.. التي تتم الآن، وكما قال أحد قادة القوات المسلحة في حديث تليفزيوني لقناة (أو.تي. في) مساء الأربعاء.. فإن ما يحدث في مصر الآن أخطر بكثير مما قد يقوم به الأعداء ضدنا.

لم يسلم أحد من هذا.. بما في ذلك من استفادوا من تلك الحرب النفسية في بعض الأوقات بداية.. البلد مرتع لكل شيء يمكن أن يصنف علي أنه (إعلام).. سواء كان شفويا في شكل شائعة.. أو تحريضًا.. أو تشويهًا.. أو سخرية.. أو تخبطًا.. خصوصًا أنه لا توجد منظومة إعلامية لها نسق ـ وإن اختلفت التوجهات ـ لاسيما أن الساحة بلا قيادة.. ومع الإيمان الكامل بأن أغلب ما جري في البلد من تفاعلات كان نابعا من (الإعلام) وروافده.. وهي كثيرة جدًا ولا تقتصر علي التليفزيون والصحف.

وجهة نظري أن الإخوان أبرز عتاة هذه الأساليب.. وقد استفادوا جدًا منها في عنفوان أيام الفعل الثوري.. لكنهم الآن ـ وياللمفارقة ـ يواجهون حربا نفسية شرسة للغاية.. لا يقوون علي صدها.. خصوصًا أنها مدعومة من شرائح مختلفة في المجتمع.. تنبني علي فيض من السخرية والتنكيت الذي يحذر من حال البلد لو حكمه الإخوان.

مؤسسات الدولة، وفئات الشعب، علي النطاق العام، وعلي المستويات الخاصة، تعرض كل منها لموجات من الدعايات والشائعات.. تأسست علي أنه يمكن هدم الاستقرار فقط في النفوس قبل أن يدمر علي أرض الواقع.. وقد صوبت مدفعيات الخوف إلي ذوات وعقول المصريين.. كل في موقعه.. وكل حسب مصلحته.. فانتشر الهلع.. والفتن.. وكانت النتيجة مأساوية.

حين يخاف الناس، فإنهم ينزوون، وقد يكتئبون، لكن طبيعة المجتمعات أنها لا تبقي كامنة في البيوت.. مفروض عليها أن تتفاعل وتخرج.. وقد تفاعل الناس بينما يحتلهم الخوف.. ومن ثم كان أن استخرجوا من داخلهم وسائل الدفاع عن النفس.. بأن بدأوا يحاربون أنفسهم.. هذا ضد زميله.. وذاك ضد رئيسه.. والجميع ضد الجميع.. وقد كتبت من قبل عن ظواهر الثنائيات التي سوف تدمر مصر.. وهي بدورها تعبير عن تجسد الحرب النفسية.. وتحقيق أهدافها الخطيرة وعلي رأسها: أن يفتقد المجتمع لانسجامه وطمأنينته وتوحده.

كلنا الآن جزر، منعزلون عن بعضنا البعض، انطلقت الحرب النفسية ضدنا من جهات غير معلومة، ثم انسحبت تلك الجهات.. وتركتنا نفعل البقية المطلوبة في أنفسنا.. ومضي السيل مندفعًا من عل يجرف أمامه كل شيء.

المسألة لا يمكن علاجها بملاحقة منشور، أو رد علي صحيفة، أو تعليق تليفزيوني، الموضوع أعمق من هذا بكثير.. ويحتاج إلي دراسة عاجلة غير متعجلة.. تستهدف أن يستعيد المجتمع قوامه.. وأن يتوحد خلف هدف.. وأن يقوده إلي هذا نخبة موثوق فيها.. لها مصداقية.. وليست لها مصالح معينة من أي نوع.. وإعلام تديره آلية منظمة.. تلهم الناس.. وتطمئن سريرتهم.

الموقع الالكتروني :  www.abkamal.net

البريد الالكتروني  :  abk@abkamal.net

التعليقات

برجاء تسجيل الدخول حتى تستطيع التعليق
عنوان التعليق
التعليق
  • سوف يحتاج التعليق إلى موافقة المحرر قبل نشره
  • Design and Development by Microtech