أرشيف و لكن > العامل الفقير.. والمذيع المليونير
16 مارس 2011 12:01 ص
-

وصلني بريد.. هو علي كل حال ليس بعيداً عما يتردد بين الناس.. عبر فيه كاتبه عن غضبه من تفاوت الأجور بين بعض فئات الناس في البلد.. مطالباً بالمساواة.. وإلا فإن الشعب يكون كما ادعي (عبيط).

قال كاتب الرسالة، وهي عموما ليست موجهة لي خصيصا وإنما وزعها علي نطاق واسع، أن راتب معلق رياضي تليفزيوني ربع مليون جنيه ما يساوي أجر عمال مصنع.. وأن أجر لاعب كرة يساوي 800 ألف جنيه في الشهر ـ لا أعرف كيف ومن ـ ما يساوي أجر عمال ثلاثة مصانع.. وأن أجر مذيع هو عشرة ملايين جنيه.. ما يساوي أجور عمال عشرة مصانع.. وهكذا.

دعنا نقول بصراحة إن هناك غير طيب بين الناس.. الجميع ينظر إلي الجميع.. هذا يقول لماذا يحصل ذاك علي هذا المبلغ وأنا لا أساويه.. وآخر يتساءل: كيف يكون التفاوت بهذا الشكل؟ حالة عامة من الغضب التي لا أريد أن أسميها.. بغير ذلك تعبيراً عن مشاعر غير صحية.. ليست فقط بين الخفير والمشهور.. وإنما بين الفقير والغني.. والرئيس والموظف.. أرقام مهولة يسمعها الناس أثارت في نفوسهم أموراً لم يكونوا يعيرونها انتباهاً من قبل.. وفيما أعتقد فإن الصحافة وكل وسائل الإعلام في مصر مسئولة عن ذلك.. فجرت أحاسيس ضارة.. لابد من أن تلجم.. دون أن نتغاضي عن ضرورات انتشار العدل وتطبيقه.

مشكلة أجر المذيع المشار إليه لم تكن في ضخامته.. مادامت هناك محطة تدفع له.. وهو علي كل حال حين ترك موقعه في التليفزيون المصري لم يجد من يشغله بنفس الأجر.. وإنما المشكلة في أنه كان يخفيه.. وأنه في ذات الوقت كان يزايد علي الفقراء ويقدم نفسه علي أنه زعيم الغلابة.. ومن ثم حين أعلن عن أجره كان أن فقد مصداقيته قبل أن يفقد عمله وفق الشروط الجديدة التي أنهت حالة فقاعية لم يكن لها مبرر.

لا يمكن مساواة المذيع مع العامل.. وإلا فإن فني الكاميرا الذي يقف في الكواليس سوف يطلب الملايين التي يحصل عليها المذيع في حين أن مهمته لا تزيد علي منع عرقلة حركة الكاميرا مع الأسلاك الممتدة.

كل شخص يحصل علي أجره مقابل الجهد الذي يستطيع أن يقدمه.. وكلما كان هناك قادرون غيره علي تقديم هذا الجهد فإن أجره يكون أقل.. في حين أن المذيع.. لا أقصد أحدا بعينه.. لديه أولاً موهبة تميزه عن غيره.. ومستوي تعليمي.. وحضور ليس متاحا لآخرين بنفس القدر.

فريق الكرة، فيه لاعب أو اثنان قادران علي إحراز الأهداف.. من أجلهم يذهب الناس إلي الملاعب.. وتأتي الإعلانات إلي شاشات التليفزيونات الناقلة.. هذا ما لا يمكن لعامل في مصنع أن يحققه.. وعلي قدر الدخول التي يحققها اللاعبون فإنهم يحصلون علي أجور.. ومن ثم لا يتساوي المتفرج الأمريكي مع لاعب بيسبول شهير.. أو نجم في ملاعب كرة السلة.. ولا يمكن للمشاهد العادي أن يذهب إلي مصنع ويطالب مقابل عمله بأجر أوبرا وينفري مثلا.

وعامل النسيج لا يمكن أن يساوي في مجهوده عامل تغليف في مصانع أغذية.. كما أن كليهما لا يمكن مقارنته أبداً بمهندس كمبيوتر.. أو تقني معلومات.. ومصمم أي مبني لا يجوز مساواته بأجر نجار مسلح.. مع كامل الاحترام لجهد الجميع.

هذه الأجور، وكما قلت بالأمس، تكتسب حصانتها وأهميتها وشرعية وجودها مما تحققه لصالح المنشأة الاقتصادية التي تدفع.. ومن كونها تسدد ما عليها من ضرائب ورسوم.. ناهينا عن الدور الاجتماعي الواجب معنويا وماديا علي من يحصلون عليها.. عندئذ لن تلاحقها المشاعر غير الصحية.

الموقع الالكتروني :  www.abkamal.net

البريد الالكتروني  :   abk@abkamal.net

التعليقات

برجاء تسجيل الدخول حتى تستطيع التعليق
عنوان التعليق
التعليق
  • سوف يحتاج التعليق إلى موافقة المحرر قبل نشره
  • Design and Development by Microtech