أرشيف و لكن > موعد إصدار صحيفة
13 مارس 2011 12:01 ص
-

تتناثر أنباء كثيرة عن صحف جديدة.. كلام كثير جداً.. في ظل مطالبات بأن تصدر الصحف بمجرد الإخطار.. وهي نفس المطالبة التي يبدو بأنها ستجد طريقها للتحقيق بخصوص الأحزاب.

رأيي الخاص أن المناخ الحالي بكل ملابساته ليس وقتا علي الإطلاق لإصدار أي صحف جديدة.. حتي لو أوحت السخونة السياسية والحركة المجتمعية أنها تشجع علي ذلك.. والأسباب كثيرة.

أولا: الصحافة باعتبارها صناعة اقتصادية لا يمكن أن تقوم والاقتصاد معطل.. أو تقريبا متوقف.. الصحافة لا تعيش بدون إعلانات.. أيا ما كانت التمويلات المتاحة لها، ومعدلات الإعلان انخفضت إلي ما يقترب من صفر غارق تحت ماء الركود.. وبخلاف أن الاعلانات مصدر لتمويل الصناعة.. فإنها أيضا مصدر معلومات للمستهلك عن حالة السوق والشركات والخدمات.. وحين يكون هذا غير موجود.. فإننا نكون أمام صحافة ناقصة.

ثانيا: لكونها صناعة.. وخدمة تباع إلي مستهلك.. فإن الصحافة لا تقوم إلا في وجود شبكة نقل فعالة، والآن هناك إضرابات.. وقلق في الشوارع.. بما يجعل احتمالات وصول الصحيفة إلي قارئها يوميا غير مؤكدة في كل الأحوال.. ناهيك عن تعطل عمليات التسويق في مختلف قطاعات الاقتصاد.. بسبب توقف العجلة.. ما يعني أن صناعة الاشتراكات سوف تتأثر.. والصحف العصرية لا يمكن أن تعيش بدون الاعتماد علي أن يكون نصف التوزيع علي الأقل عن طريق الاشتراكات.

ثالثًا: المناخ السياسي في حالة سيولة.. انعكست بالطبع علي المناخ الصحفي.. الصحفيون أنفسهم في حالة تفكير.. ولا أقول «تيه».. ما يعني أن انحيازاتهم السياسية لم تتبلور بعد، هناك تخبط.. وبالتالي أي جريدة جديدة غير أيديولوجية ستواجه مشكلة عدم وجود قوام متماسك بين صحفييها.. وهذا يؤثر علي طريقة إدارتها.. والخدمات التي تقدم من خلالها.. ليس صحيحا أنه يمكن للصحف أن تصبح (هايد بارك) كل صحفي فيها حر في رأيه.. هذا يؤثر علي تحديد ملامح شخصية كل جريدة.. ومن ثم لابد من أن ينتهي (الفوران).. ويعرف كل صحفي أين يقف.. خصوصا أصحاب المواقع العليا.

رابعًا: المجتمع ذاته لم يبلور بعد رؤيته.. الحركة الاجتماعية فائرة.. الفئات لم تحدد مصالحها.. والطبقات لم تستقر علي مطالبها.. والصحف لابد أن يكون كل منها معبرا عن توجه اجتماعي ما بخلاف الاتجاه السياسي الذي تتبناه.. وبالتالي.. فإن أي صحيفة تصدر الآن لن يكون لها ظهير اجتماعي واضح.. ومن ثم يكون محكومًا عليها بالعمر القصير أو غير الممتد.. بينما الصحف لا تصدر مؤقتًا، وإنما لكي تبقي.

خامسًا: هناك غيوم عديدة علي المزاج الذي يريده القارئ.. لأن الخدمة المقدمة حاليا في مختلف الصحف متشابهة جدًا.. أغلب الصحف تمازجت ملامحها مع بعضها البعض.. كلها طبعات بألوان مختلفة من مضمون واحد.. ولو كان هذا مقبولاً في أوضاع الاضطرار لبعض الوقت.. فإنه لن يكون مستساغًا بعد وقت.. القارئ يريد التمييز بين هذه وتلك.. وأن يعرف وجهات نظر مختلفة.. ما يقدم إلي القارئ الآن هو مجرد صحف تقول كلامًا واحدًا.. وهذا لن يستمر كثيرًا في مجتمع متنوع ويريد أن يكشف عن متغيراته.

سادسًا: بعد انتهاء السخونة التي أعطت زخمًا للصحافة الإثارية، فإن القارئ لن يتحمل كثيرًا ـ لمزيد من الوقت ـ الصحافة غير الدقيقة.. ومن المؤكد أن الأوضاع القانونية لن تكون كما كانت الحال عليه قبل 25 يناير.. ولن يتحمل المسئولون أيا ما كان توجههم.. ولا رجال الأعمال أن تشوه صورتهم بدون أن يتخذوا موقفًا صريحًا بالقانون لحماية أنفسهم.. حتي لا يعانوا من نتيجة التراكمات التي حولت آخرين في السنوات الماضية إلي (غيلان) الكل يريد الفتك بها.. وبالتالي لابد من توافر عدد من الصحفيين القادرين علي ممارسة مهنة سليمة.. وتراعي المعايير.. وهؤلاء الآن عملة نادرة.. وبغض النظر عن أنني أتوقع انفتاح السوق الصحفية أمام صحفيين غير مصريين.. فإن الحالة الحالية سوف تؤدي بأي صحيفة جديدة إلي أن تكون نسخة مزيدة ومنقحة أو مشوهة من صحف حالية.

سابعًا: مع تزايد الاهتمام بالشبكة الاجتماعية (الفيس بوك)، ودخول الكثيرين عليها، هناك احتياج إلي فك الالتباس ما بين الثقة في الموقع الشهير باعتباره مصدرًا للأخبار.. وما بين قيمة الصحيفة.. أي صحيفة.. كوسيلة مدققة للمعرفة.. وهذا لن يتحقق في الوقت الحالي.. لن يتم إلغاء الفيس بوك بالطبع.. ولكن له تأثير طاغ علي صناعة الإعلام.. والصحافة.. وما يدعم ذلك أن مصادر الأخبار المهمة اعتبرته ساحة لها للوصول إلي الناس.. ما يعني أن الصحف سوف تجاهد لكي تحفظ مواقع نفسها لدي القارئ.. وهو أمر يحتاج هدوءًا بين فئات الرأي العام.

ثامنًا: رجال الأعمال، أي الفئة الحقيقية التي يمكنها أن تمول الصناعة الصحفية، تعاني من ضغوط مختلفة، مجتمعية واقتصادية، والأهم أن فيهم من يدرس الآن كيف أن صحفا صنعها وقفت ضد توجهاته وأثارت الجمهور ضد فكرة وجود رجال الأعمال أنفسهم من الأصل.. والأمثلة كثيرة.. ولابد أن هذا سوف يجعل أي ممول يفكر مليا قبل أن يقرر ماذا سوف يفعل، فهو بين نارين.. نار الاحتياج إلي الإعلام.. ونار أن الإعلام الذي يصنعه ينقلب عليه حتي وإن لم يوجه سهامه إلي صاحب الجريدة نفسها.

ليس الآن وقت إصدار صحف.. من وجهة نظري.. أمامنا أشهر علي الأقل.. إن لم يكن أكثر.


الموقع الالكتروني : www.abkamal.net

البريد الالكتروني  : abk@abkamal.net

التعليقات

برجاء تسجيل الدخول حتى تستطيع التعليق
عنوان التعليق
التعليق
  • سوف يحتاج التعليق إلى موافقة المحرر قبل نشره
  • Design and Development by Microtech