أرشيف بالمصري > ميليشيات الخوف و«عفاريت» الثورة المضادة
12 مارس 2011 2:00 م
-

بدأ الناس ينادون بالرصاص.

كثير من التعليقات في مختلف وسائل الإعلام وبين المواطنين العاديين تطلب هذا: «أطلقوا عليهم النار». الضمير «هم» يعود هنا علي كل من تسبب في استمرار حالات الهلع والخوف والترويع التي تنتاب الجميع.. فهي تتصاعد يوما تلو آخر. تقض المضاجع. وترعب الآمنين.

الأطفال يخطفون. الأغنياء تطلب في مقابلهم فدية. أتوبيسات المدارس يقطع عليها الطريق.

المجرمون يستوقفون السيارات علي الطرق بين المدن. الهجامة يقفزون إلي البيوت. اللصوص يخطفون ما في أيدي الناس. والقتل يتم جهارا.. لأنه لم تعد هناك «دية» لأحد. القانون غائب. ويساور الجميع إحساس بأننا في غابة.

وحين يطلب الناس إطلاق النار، فإن هذا يعني أنهم بلغوا مستوي بعيدا جدا من القلق والتوتر ولم يعودوا قادرين علي الاحتمال.. ظهورهم للحائط.. وخاصة أن الأمر لم يعد يتعلق فقط بالأمن الشخصي والعائلي.. علي الروح والأبناء والمملوكات.. وإنما خوفا علي البلد كله.. وقد بدا أن هناك من يضرم فيه النيران.. ولا يريد له أن يستقر.. وإنما أن يتفكك وأن يدخل في حروب أهلية تقضي علي الأخضر واليابس في كل أرجائه. في موقعة «صلاح سالم»، التي شهدت تطاحنا عنيفا ومعركة حامية الوطيس بين «ميليشيات السيدة عائشة» المحسوبين علي فريق المسلمين و«ميليشيات مقالب المقطم» المصنفين مع فريق المسيحيين، في هذه الموقعة يوم الثلاثاء تجلت بعض من مظاهر الانفلات التي تعبر عما يمكن أن يجري في مصر، وكيف يمكن أن تتحول إلي ساحة طائفية مهولة.. لاتبقي ولاتذر.

لم يكن ما جري له علاقة بأزمة طائفية بين سكان المقطم وسكان السيدة عائشة.. بل تفجر هذا المشهد الدموي المؤلم من عملية هدم كنيسة في قرية «صول» التابعة لمركز أطفيح، علي مسافة طويلة جدا من معركة التصفيات بين ميليشيات الحيين عند الهضبة، وكان لذات المشهد انعكاس آخر حيث تظاهر واعتصم لأيام بضعة آلاف من الأقباط أمام مبني ماسبيرو.. وبينما كان هناك من يتحسب لمعركة خطيرة جدا ظهيرة يوم الجمعة بين السلفيين والأقباط في ميدان التحرير.. كانت شائعات تسري بأن هناك من يدبر لعمليات اقتحام لمعسكرات الأمن المركزي.. بعد أن تم الادعاء أن هناك محبوسين مقبوضا عليهم ووثائق مخفية لجهاز أمن الدولة.. وهو ما لو كان قد تم فإنه يعني بوضوح أننا بصدد كارثة جديدة مهولة.. وانتهاك جديد لهيبة الدولة.

لقد تم اتخاذ الإجراءات الاحتياطية فيما يبدو اتقاء لهذين الخطرين، وكان أن أصدر مجلس الوزراء بيانا صارما يوم الأربعاء.. تضمن بلغة لا تقبل الالتباس تحذيرات محددة، ليس فقط في مواجهة أعمال البلطجة والطائفية، وإنما أيضا فيما يتعلق بذلك الاجتراء المتكرر علي مقرات إدارات الدولة، سواء كان أمنيا أو قضائيا أو غير ذلك، وقد أعطي البيان الحق لكل من هو مسئول عن تلك المقرات الرسمية في حمايتها بالطرق القانونية المعروفة.

الثورة المضادة

في يوم الخميس، وبينما كان رئيس الوزراء الدكتور عصام شرف يتكلم أمام حشد من رؤساء التحرير والكُتَّاب والإعلاميين فإنه أعرب عن اعتقاده بأن ما يجري في مصر بقصد حدوث الانفلات قد يكون عملا ممنهجا، ومخططا، وكان أن قال نائبه الدكتور يحيي الجمل أن هناك بالتأكيد أصابع خارجية، لا تريد لمصر أن تبقي ذات تأثير وذات دور، وكان الأهم قبل ذلك أن بيان مجلس الوزراء الصارم.. والصادر مصحوبا بمرسوم قانون عن المجلس العسكري الأعلي يغلظ عقوبات البلطجة والترويع.. إنما تكلم لأول مرة بصراحة عما يسمي بـ «الثورة المضادة».

هذه الكلمة تعود إلي خمسينيات القرن الماضي، وهي ظهرت في القاموس المصري بعيد ثورة يوليو 1952. وجذورها تمتد إلي عام 1917 عندما أسس فلاديمير لينين زعيم الثورة الروسية ما سمي بـ «الشي كا» أو «اللجان الاستثنائية لمكافحة الثورة المضادة».. وفيما بعد نجاح الفعل الثوري المصري في 11 فبراير الماضي في دفع الرئيس السابق «مبارك» إلي ترك موقعه.. ظهر الكاتب محمد حسنين هيكل في التليفزيون المصري في حوار أحيا به مصطلح «الثورة المضادة».. ومن بعده انطلقت عشرات الكتابات والتعليقات لكي تؤكد علي وجود هذا النوع من «الثورات العكسية».. التي تريد إعادة عجلة التاريخ للوراء.

حين نستسلم لهذا المصطلح.. أي «الثورة المضادة» فإن هذا يهين «الثورة التي غيرت وجه مصر»، وينسف قيمة تأثيرها، وما نردده بشأن أن مصر قبل 25 يناير لا تشبه أبدا ما بعد ذلك التاريخ. والأسباب كثيرة.

أولا: «الثورة المضادة» تعبير مضلل، لأن الثورة في حد ذاتها هي فعل رهيب ومهيب، نتج عن وعي جماعي شامل فئويا وطبقيا بضرورة التغيير، وهي تعبر عن رفض جماهيري كامل لكل الأوضاع القائمة، ومن ثم فإن الحديث عن فعل مضاد لها أمر غير منطقي.. لأن الثورة فعل عام.. والمشار إليه في كلمة «الثورة المضادة» هو أمر لايحظي بأي مساندة مجتمعية ومرفوض وإنما يعبر عن أصحاب مصالح أضيروا بشكل ما من الفعل الثوري.

ثانيا، الاستسلام إلي هذا المعني يؤدي بنا إلي محاربة كيانات غامضة وغير معروفة، كما أنه يبعد بالدولة عن أن تحدد من هو خصمها الحقيقي، وما الذي يدبر لها.. وكون أن نائب رئيس الوزراء تحدث الآن وأخيرا عن «أصابع خارجية»، وكون أن رئيس الوزراء يتكلم أيضا عن «منهج وتخطيط»، ما يشير إلي مؤامرة.. فإن هذا لايكون أبدا فعلا ثوريا وإنما عمل إجرامي يستهدف الدولة برمتها.

ومن المؤكد أن كثيرا من أسرار التفاعلات والمجريات التي وقعت ما بين يومي 25 يناير و11 فبراير الماضيين لم تزل غامضة وغير معلن عنها. ولابد أن من لديه المعلومات الكاملة لا يريد أن يواجه بها الجمهور بينما هو منتشٍ بانتصار ثواره وتحقيقهم هذا الفعل التاريخي.. خصوصا أن أي شخص وجهة يمكن أن يتطرق إلي أمور استغلت أحداث الثورة لتحقيق أغراض سياسية أو إقليمية إنما يتعرض لحملة معنوية وترويعية مهولة تسكته علي الفور.

إن علينا، وأعتقد أن هذه مهمة الدكتور عصام شرف رئيس الحكومة باعتباره منتميا إلي الثوار ويتمتع بالمصداقية بينهم، أن نحقق فصلا ما بين «الفعل الثوري المصري الصادق والنبيل والمستهدف للتغيير الذي تحقق» وبين من حاول وسعي إلي استغلال هذا المناخ لتحقيق مصالح ذاتية بعيدا تماما عن رغبات الشعب.

الشعب كان يريد إسقاط النظام. لكنني لا أعتقد أبدا أنه كان يريد حرق الأقسام. ولم يكن يريد فتح أبواب السجون وطرد مساجين الإجرام والتطرف منه عنوة في بعض الأحيان. ولم يكن يريد التهجم علي مديريات الصحة ولا مكاتب الشهر العقاري ولا استهدف اغتيال محافظ الإسكندرية.. وحتي لو كانت هناك اتجاهات كراهية ضد الحزب الوطني الذي كان يسيطر علي الأغلبية البرلمانية.. فإن الثورة لم تكن لتلجأ إلي حرق المقرات وإطلاق الرصاص علي بعض الناس.

هناك أمور غامضة، وبعض أصابع الاتهام في كفوف الثوار تشير إلي أن بعضا ممن كانوا في وزارة الداخلية ومن يوصفون بأنهم بلطجية الحزب الوطني تعمدوا اللجوء إلي مثل تلك الأفعال لإضرام الفوضي في البلد.. حتي لا تنجح الثورة ويسود الترويع بين الناس.. وقد يكون هذا صحيحا.. وقد لا يكون هناك دليل عليه.. وربما أصدق أن بعضا من المدبرين قد دفع أموالا معينة لفتح أبواب سجون كانت محصنة بحيث لا يمكن اقتحامها إلا بهجوم جوي.. أو أن تهديدات من بنادق كانت مصوبة إلي رؤوس الحراس دفعتهم إلي التخلي عن المفاتيح.. ولكن اليقين هو أن الصورة لم تزل غير كاملة.. وأن المعلومات ناقصة.. والحقائق غير مكشوفة.

لغة الحكومة

وهناك فرق بالطبع بين لغة الوزراء منذ كلفت حكومة عصام شرف، وأقسمت اليمين، إلي أن دعي بعضهم إلي اجتماع مطول مع أعضاء المجلس العسكري الأعلي، الذي هو بالطبع مؤتمن علي نتائج الثورة، ومؤتمن علي حماية الأمن القومي للبلد، ولابد أنه تتوافر لديه معلومات كاملة عن مجريات عديدة وقعت في الأيام التاريخية المهمة التي شهدتها مصر في عام 2011. التغيير في اللغة الحكومية لم يقتصر فقط علي مفردات لم تكن موجودة بشأن الحديث عن «كيان الدولة» و«هيبتها» و«المقرات التي تمثلها»، والدور الذي تجسده، وإنما أيضا في نشوء التعبير عن وعي بالمخاطر المحدقة بالبلد، والرؤية الشاملة لهذه المخاطر.. التي تصاعدت من مجموعة من المطالب الفئوية التي تناثرت في مصر كلها.. إلي أن بلغت حد «الحائط الأحمر» علي حد تعبير رئيس الوزراء بعد أن هبت رياح الطائفية الأعاصيرية.

وإذا كان رئيس الوزراء، وأركان حكومته، قد طلبوا من الإعلام يوم الخميس الماضي تقديم يد العون والمساعدة لمواجهة التهديد الذي تتعرض له الثورة والدولة، فإن المطلوب الآن النظر في أكثر من نقطة:

لايمكن أن تطلب العون من إعلام مشتت، لايتسق في منظومة، يدار في كل وسيلة حسب الاتجاه والهدف الحاكم لها وللقائمين عليها. وفي مختلف دول العالم هناك «نسق» يتعامل مع هذه الحالة.. وبعد إلغاء وزارة الإعلام بقرار من حكومة أحمد شفيق - دون دراسة في الأغلب - فإن من المفترض أن تكون هناك جهة منظمة ما.. لا تملي علي الناس ما يكتبون ويقدمون.. لكن عليها أن تطلعهم علي أبعاد الأمور.. وتشرح لهم الصورة. وعلي سبيل المثال في بعض الدول هناك ما يعرف بمكاتب الشئون العامة.

- الحكومة عليها أن تساعد نفسها أولا. وهذا لن يتأتي إلا بالكشف عن الواقفين خلف المجريات التي تثير الخوف بين الناس وتروعهم. لمن تعود هذه الميليشيات؟ هل هم بلطجية فقط.. هل هم مأجورون لصالح الغير؟ من هو هذا الغير؟ هل هناك عناصر أجنبية؟ هل هناك عناصر مأجورة للخارج وليسوا مصنفين علي أنهم بلطجية؟

والأهم: ما هي علاقة كل هذا بما يتردد في كثير من الكتابات والتعليقات عن «فلول الحزب الوطني» و«مرتزقة أمن الدولة» و«أذناب النظام السابق» و«ذيول الفساد».. وكل هذه التسميات التي تجعلنا في مواجهة «عفاريت» لا تعرف لها ملامح. إذا كانت هناك «فلول» فلابد أن تلاحق، وإذا كانت هناك «مرتزقة» فمن الذي يدفع لهم، وإذا كانت هناك «أذناب» فلابد أن تقطع، وإذا كانت هناك «ذيول» فإن علي الدولة أن تقطع الرؤوس.

- إن لكل ثورة توابع. كما أن لكل ثورة أعداء. ومنطق الثورة أنها تضير «جماعات مصالح» وتنشئ علاقات جديدة.. وغالبية ممثلي جماعات المصالح في السجون.. فإذا كانوا قادرين علي أداء شيء وهم في مواجهة اتهامات مهولة بالفساد سوف تبقي أغلبهم - لو ثبتت - في السجون سنوات طويلة.. فإن علينا أن نتيقن من دقة إجراءات تلك السجون.. وننتبه إلي الطريقة التي يديرون بها هذه الفوضي من الزنازين.

- المسألة الجوهرية هنا، وهو ما يؤكد عليه كل من يخشي علي صالح هذا البلد، أن يعود جهاز الشرطة.. بكامل عناصره إلي عمله.. لكي يفرض سطوته علي الشارع.. وبطريقة علمية جديدة وبدون أي تعد علي حقوق الإنسان. وقد أعرب رئيس الوزراء مرارا عن تقديره لجهاز الأمن الداخلي.. وقال وزير الداخلية أنه سوف يعيد هيكلة جهاز أمن الدولة.. وصارت هناك نداءات مجتمعية شاملة بأن علي الشرطة أن تعود.. ويجب أن نعمل جميعا من أجل هذا. نصف الفوضي غير المنظمة سوف يختفي بمجرد أن يحدث هذا. الردع يمنع الجريمة. والنصف الباقي سوف يجد الأداة التي تلاحقه.

--

إن من حق الحكومة علينا، حتي لو كنت أختلف مع تركيبتها، وحتي لو كنت قلت إنها ليس لديها رؤية واضحة، كما ذكرت ذلك في مقالي بيومية روزاليوسف - الثلاثاء الماضي بعنوان «حكومة عجوز.. بلا رؤية»، من حقها أن تجد منا المساندة.. حتي لو كنا نخالفها ونختلف معها.. لأنها في النهاية حكومة مصر.. والدولة التي نعمل من أجلها جميعا هي بلدنا.. خصوصا إذا كنا ندرك أبعاد الموقف.. ونوقن أن هناك استغلالات إقليمية واسعة النطاق تريد ألا تقوم لهذا البلد أي «قومة» فيما بعد.. ويعتقد البعض أنه قد حانت اللحظة الأخيرة لذلك.

 

عبد الله كمال

يمكنكم مناقشة الكاتب وطرح الآراء المتنوعة على موقعه الشخصى

www.abkamal.net

أو موقع روزاليوسف:

www.rosaonline.net

أو على المدونتين فى العنوانين التاليين:

http//alsiasy.blospot.com

http//:abouzina.maktoobblog.com

أو للمتابعة على موقع تويتر:

twitter.com/abkamal

Email:abk@abkamal.net





التعليقات

برجاء تسجيل الدخول حتى تستطيع التعليق
عنوان التعليق
التعليق
  • سوف يحتاج التعليق إلى موافقة المحرر قبل نشره
  • Design and Development by Microtech