أرشيف و لكن > البيجاما والجلابية البيضاء
9 مارس 2011 12:01 ص
-

فيما مضي كانت البيروقراطية تتندر علي من يتقاعد ويترك عمله بأن تقول إنه «راح البيت ولبس البيجاما».. وفي رواية أخري «ارتدي الجلابية البيضاء» وقد كان هذا يعني أن من كان ذلك نصيبه أنه انقطعت صلته بالعمل العام.. وخرج من دائرة الضوء.. يقضي الوقت في «الليفنج» يتفرج علي التليفزيون ويجتر الذكريات.

الآن «ارتداء البيجاما» أو «الجلابية» ليس نهاية المطاف، وفي أحيان كثيرة لا يكون دليل تقاعد.. إذ من الممكن ببساطة لمن ذهب إلي بيته أن يعود مرة أخري ولكن إلي سجن الاستئناف حيث سوف يرتدي ملابس بيضاء من نوع آخر.. وربما وجد طريقه إلي «الزي الأزرق».. حيث يقضي العقوبة في «طرة».

بعيدا عن التنكيت، نقول إن «الوظيفة العامة» أصبحت وبالا علي من يشغلها في المناخ الحالي المسموم، وقد قال خالد سري صيام رئيس البورصة في برنامج العاشرة مساء إن الظروف الآنية تجعل أي متصد للعمل العام كمن ينتحر، ولابد أن هذا هو الذي دعا بعضا من الشخصيات التي ترشحت لمنصب وزاري في الحكومة الجديدة تفكر مرتين وثلاثًا.. ثم ترفض القبول.. كما جري ربما في أكثر من حالتين.. بعد أن وافقا.

الفاسدون يجب أن يحاسبوا في كل الأحوال، خصوصًا من استغلوا مواقعهم العامة لتحقيق المكاسب المختلفة والتربح منها، لكن من قال إن النزاهة والأمانة تضمن لمن يشغل موقعًا عامًا ألا يواجه بلاغات تلفيقية وشكاوي كيدية تدفع به إلي أتون التحقيقات إلي أن يبين له عدل.. بعد أن تكون قد لوثت سمعته تشويهًا وتعريضًا.. خصوصًا أن كل منابر الإعلام تتعامل الآن مع الاتهامات علي أنها حقائق وتفترض في أي متهم أنه مدان إلي أن يظهر عكس ذلك.

عندك وزير الزراعة الحالي، الذي جاء إلي حكومة شفيق في آخر تعديل، كاد أن يرفض تجديد مهمته في حكومة عصام شرف إذ لم يمض عليه أيام في موقعه ووجد المتظاهرين يقفون ببابه يطلبون استقالته.. لولا أن رئيس الوزراء الجديد ألح عليه في أن يكمل مهمته الوطنية في هذه الظروف العصيبة.

أنت الآن لا يمكن أن تميز، في هذا المناخ الغريب والمتلاطم، ما بين المظاهرات الاحتجاجية المحقة في مطالبها.. وبين المظاهرات التي تم تدبيرها للضغط علي صانع القرار.. وفرض الرغبات الشخصية.. خصوصًا أن البيئة العامة تتيح لأي قادر أن يحشد الناس أو يحرضهم أو يسري بينهم بشائعة فيدفع بعدد من الأفراد لكي يتظاهروا اعتراضا.. وكان الله في عون من بيده القرار.. حين لا تكون لديه أدوات أو فرصة للتأكد من صدقية المطالب وجديتها.. فيحاط العدل أمامه بغمامة.. ولا يكون علي يقين من الصواب والخطأ.

ومن جانب آخر فإن الأوضاع «سائلة جدًا» في المجتمع وليس لها قوام، لا أحد يحترم التراتبية، لا السلم العمري ولا التدرج الوظيفي، أي موظف صغير يري أن من حقه أن يتكلم في ميزانية هيئة حتي لو كان بالكاد يفك الخط، وأي عابر يعتقد أن من حقه أن يحدد استراتيجية مصلحة، بل إن بعض الشباب لا يريدون أن يسمعوا إلي كبار السن علي اعتبار أن هذا «منطق أبوي تسلطي» لا يجب له أن يكون موجودًا.. في حين كانت حكمة المصريين تؤمن أن للكبير مقامه.. وبأن من هو أكبر منك بيوم يعرف أكثر منك بخبرة تساوي سنة.

كيف يمكن أن تدار الأمور بهذه الطريقة؟ مستحيل طبعا وسوف تبقي هذه الحالة مستمرة لبعض الوقت.. لأن هناك إحساسًا عامًا بأن ذلك وقت تفاوض يجب أن يفرض فيه الجميع مطالبه والإمساك بما يعتقد أنه مصالحه في ظل حالة مهولة من التشكيك في آليات العمل.. وأدوات الرقابة.. وسلطات المحاسبة.. خصوصًا أن البيروقراطية المصرية في كل القطاعات تستعرض قدرتها في «دق الأسافين» علي مستوي قومي شامل، لا سيما أن هناك فئات عريضة تظن أنه يمكنها أن تحصل علي أي شيء بغض النظر عن قدرتها وإمكانياتها ومؤهلاتها.. الجميع يعتقد أنه يصلح من أجل أي شيء.. بل الكل يفترض في نفسه أنه يمكن أن يكون رئيسًا للبلاد.

الموقع الالكتروني :  www.abkamal.net

البريد الالكتروني  :  abk@abkamal.net

التعليقات

برجاء تسجيل الدخول حتى تستطيع التعليق
عنوان التعليق
التعليق
  • سوف يحتاج التعليق إلى موافقة المحرر قبل نشره
  • Design and Development by Microtech